لم يعد ممكنا التجول في بغداد بسيارة عادية
لندن ـ “القدس العربي”:
في الذكري الثالثة لغزو العراق، نشرت مجلة نيويورك ريفيو اوف بوكس ريبورتاجا لاوريفيل سيشل، الذي انتدبته هذا العام لتقديم تقرير عن الطريقة التي يعمل فيها الصحافيون الاجانب في العراق، ورؤيتهم للاحداث. واذا كان التقرير الذي نشرته المجلة العام الماضي في ذكري الغزو، قد صور مدينة تحولت الي ركام من الكتل الاسمنتية، فتقرير العام الحالي، لم تفته الاشارة الي مدينة تشبه الفيلم الخيالي العلمي بليد رانر، مدينة مسكونة بهاجس الامن والخوف، شارع الموت الذي يقود لمطار بغداد الدولي، مليء بالحفر، والعربات المدمرة، وتلال القمامة، اما المطار نفسه، فهو حلقة دائرية كبيرة مغلقة لشركات الامن والحراس، لا سيارات او حافلات بانتظار القادمين من عمان في رحلة يومية تنطلق من مطار علياء الدولي. ولم يفت المراسل هنا الاشارة الي ان الطائرة التي تقلع من عمان، مخفية في جانب بعيد من المطار، وكأنها لا تريد ان يعلم احد انها علي اهبة الاقلاع الي بغداد. العاصمة العراقية لا يمكن السير فيها بسيارة عادية، بل يجب ان يفكر الشخص الاجنبي، الف مرة قبل ان يخرج من فندقه المحصن او المنطقة الخضراء التي توجد فيها السفارة الامريكية والحكومة الانتقالية. الخوف، وغياب الامن دفع العراقيين انفسهم لبناء مناطق امن خاصة بهم، حيث يقومون بوضع الاكياس وبناء الستائر الواقية المصنوعة من الاسمنت. ويصف الكاتب هنا الازدحام في الشوارع الذي لا يطاق ابدا، والشرطة العراقية التي يعول الرئيس الامريكي جورج بوش عليها باعتبارها اشارة عن امل في عرقنة البلاد، ولكن الشرطة هي مصدر للخوف مثل المقاتلين، وافرادها الخائفون من تحديد هوياتهم بان لهم علاقة بالقوات الامريكية او الحكومة الانتقالية يضعون علي وجوههم الاقنعة، مثيرين مخاوف الناس اكثر من منحهم الامان. والقوات العراقية بسياراتها الجديدة، والمتعهدون الامنيون من المرتزقة الذين يقدمون الحراسات لكل العاملين الاجانب في بغداد وحدهم الذين يستطيعون خرق الصفوف والمرور بسرعة. في ضوء هذا الجو المخيف، لم يجد الصحافيون والمراسلون الاجانب الا الاحتماء بغرف الفنادق التي يستخدمونها، وفي حالة سماعهم اخبارا عن عملية، يطلعون الي سقوف الفنادق لمراقبة الدخان المتصاعد. ولان عمل الصحافيين ومكاتبهم صارت مرتبطة بالوضع الامني، فكل الصحف التي لا تملك القدرة علي الانفاق علي مراسليها اغلقت مكاتبها في العاصمة، اما الصحافة القادرة مثل نيويورك تايمز، فان عمل مراسليها مرتبط ببرنامج امني واضح، وتحركات العاملين محكومة بالشركات هذه حتي التحرك الي مطار بغداد الدولي يحتاج الي تأكيدات من مدير مكتب الامن الذي يوفر الحراسة اللازمة للمكتب وللصحافيين. وفي حالة رغب المراسل اجراء مقابلات فان مدير الامن لديه الحق بالغائها في اللحظة الاخيرة. اما اللقاءات الصحافية التي تجري في مناطق محروسة بشكل جيد، فيتم تنظيمها بعدم الاعلان عنها في البداية. ظاهرة الصحافة الاجنبية في بغداد اشار اليها الصحافي البريطاني روبرت فيسك الذي وصفها بـ صحافة الفنادق، ووصفها مراسل و اشنطن بوست الامريكية راجيف تشاندراسيكاران بـ صحافة الريموت كونترول اما ماغي اوكين، مراسلة الغارديان فقالت لم نعد نعرف شيئا عما يحدث ولكننا نتظاهر باننا نعرف. مكتب صحيفة واشنطن بوست يمنع مراسليه الذين لم ينه اعمالهم في العراق من التحرك خارج بغداد.
ويعتقد المراسلون الاجانب ان التغيير في الاوضاع بدأ في ربيع عام 2004، حيث بدأت المراسلات الاعلامية بالاعتماد علي رتل من السيارات المسلحة في التنقل مما اثر علي الطريقة التي غطي فيها الاعلاميون الحرب. الوضع الامني الذي تغير بشكل كبير بعد الفلوجة، وانتفاضة جيش المهدي، عني للصحافيين ان عليهم الاعتماد علي العراقيين في السكن، والمأكل والمشرب والسفر، وفي التغطية الصحافية، ومع ان هذا مثير لاحباط الصحافيين الا انه اهم وسيلة للحماية، هذا اذا اخذنا بعين الاعتبار ان تقرير اللجنة الدولية لحماية الصحافيين قد اشار الي مقتل 61 صحافيا. ويتحدث الكاتب عن معضلة الصحافيين الذين ينتهي يوم عملهم مع غروب الشمس، وبعدها لا يجدون ما يعملونه، وفي الحالات التي يقيمون حفلات فالمشكلة تبدأ في كيفية ارسالهم بعد الحفلة الي بيوتهم مما يعني مشكلة لهم وللعائلات وللسائقين والحراس. والعادة المتبعة الان في مكاتب الصحف التي لا تزال في بغداد، هي البدء بالحفلة في الثالثة وانهاؤها في السادسة. وبالنسبة لهيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي فهي تعتمد علي عدد من العراقيين الذين يمثلون قطاعات مختلفة من العراقيين مما يعطي الهيئة صورة عما يجري في العراق. ويقوم الصحافيون العاملون في المكاتب بتجميع القصص التي يحملها العمال العراقيون وبناء تقرير منها. ومع ذلك قلة من الصحافيين او المتعاونين معهم من العراقيين تملك اتصالا مباشرا مع المقاومة. يكتب المراسل عن عالم مختلف عندما يزور المنطقة الخضراء، فالصحافي الذي يريد الدخول هناك، عليه الوصول الي مدخلها بسيارة، بعد ذلك يمر عبر رحلة طويلة من نقاط التفتيش، وعندما ينتهي به الامر ويدخل المنطقة التي يوجد فيها كل شيء متعلق بامريكا، ومراكز للمؤتمرات ومطاعم، وخدمات سيارات اجرة خاصة، نساء يمارسن رياضة الركض، شباب يقولون انهم يقدمون النصيحة للحكومة العراقية، وكل سكان المنطقة يحملون بطاقات تعريفية. يقول الكاتب ان عالم هذه المنطقة يختلف عن العالم الحقيقي في بغداد، ويذكر انها تشبه عالم شنغهاي والرخص التي كانت تعطي للصينيين المتغربنين للسكن في مناطق الاجانب. وفيه المركز الاعلامي الذي ذكر المراسلين بالمعلومات الصحافية التي كانت تقدم للصحافيين الساعة الخامسة مساء في واشنطن اثناء حرب فيتنام. يشير الكاتب الي انه كلما حاولت الحكومة الامريكية تغيير اسم المنطقة الخضراء قوات التحالف، عملية الحرية للعراق، تحالف الـ 27 دولة كلما خلقت جوا من التناقض بين المنطقة وما يحدث خارجها في كل انحاء العراق. ويضيف انه اثناء عمل المبشرين الامريكيين بالديمقراطية في العراق فانهم نادرا ما يتخذون الفرصة ويتعلمون العربية، او حتي يستخدمون الدينار العراقي، شراء شيء عراقي، تناول طعام في بيت عراقي. انشاء المنطقة الامنية اعتبره محللون خطأ كبير، لانه اعطي المقاومة الفرصة لدفع القوات المحتلة للتمترس في مكان محصن والابتعاد عن السكان. يختم الكاتب مقاله قائلا ان الصحافة الامريكية المحاصرة في العراق قد تجد لاحقا ان القصة الرئيسية ليست عن الامريكيين الذين يقاتلون المقاومة ولكن عن الامريكيين الذين يقفون كالمتفرجين علي قارعة الطريق في منطقتهم الخضراء المحصنة وقد بدأ العراقيون يقتلون بعضهم البعض والعراق يتمزق، وستكون نهاية مثيرة للسخرية لاحتلال قدمته الادارة الامريكية في اذار (مارس) 2003 علي انه الخطوة الاولي لاحلال السلام في الشرق الاوسط.