قرر المشرفون على الصحيفة الإيطالية الوحيدة في افريقيا والعالم العربي، واسمُها “إل كورييري دي تونيزي” (بريد تونس) وقف الطبعة الورقية والتحول إلى صحيفة الكترونية. ولا تعرف هيئة التحرير ما إذا كانت الطبعة الورقية ستُستأنف وتعود الصحيفة إلى الأكشاك، بعد انتهاء أزمة “كورونا” أم أن التحول إلى الطبعة الالكترونية سيكون نهائيا، ما سيجعلها إحدى ضحايا هذه الجائحة. وكانت الصحيفة تصدر أسبوعيا، قبل أن تقتصر على طبعتين في الشهر.
وقال جلال بوصلاح أحد المشرفين على الصحيفة، لـ”القدس العربي” إن العدد الجديد بات جاهزا، لكن تعذر طبعه بسبب الحجر الصحي، فالمطبعة مقفلة مؤقتا، مثل جميع المطابع في البلد، وخدمة البريد العادي متوقفة. وأضاف “سيُرسل العدد إلى المشتركين بواسطة البريد الالكتروني” مشيرا إلى أن صدوره يتزامن مع احتفال الصحيفة بمرور 64 عاما على صدور عددها الأول، وهي لم تنقطع عن القراء منذ ذلك التاريخ.
وخلال فترة الاحتلال الفرنسي لتونس (1881-1956) كانت السلطات تحظر على الجاليات الأوروبية، عدا الفرنسيين، إصدار صحف. وما أن نال البلد الاستقلال حتى حصل إيليا فينزي، وهو صاحب أقدم مطبعة في البلد، على إجازة إصدار صحيفة أسبوعية باللغة الإيطالية، بعد أيام من الاستقلال. وكانت صحف عدة تصدر في تونس بالإيطالية قبل الاحتلال الفرنسي، بحكم كثافة المهاجرين الإيطاليين، الذين كانوا يعملون في البلد، بالإضافة للسياسيين اللاجئين إلى تونس، هربا من بطش الكنيسة في بلدهم. ومن الزعماء البارزين الذين لجأوا إلى تونس الجنرال جيوزيبي غاريبالدي، مهندس الوحدة الإيطالية. واشتغل غاريبالدي لفترة غير طويلة مدربا في جيش باي تونس (الملك) الخاضع للسلطنة العثمانية. واتسم النصف الأول من القرن التاسع عشر بتوافد السياسيين الثوريين، الفارين من الاضطهاد، فيما اتسم النصف الثاني بتوافد الباحثين عن فرص عمل من إيطاليي الجنوب، وخاصة صقلية.
أول مطبعة خاصة
يعود تأسيس “إل كورييري دي تونيزي” في سلسلتها الأولى إلى 1869 على يد جوليو فينزي، الذي هاجر من مدينة ليفورن الإيطالية إلى تونس، هربا من حملات القمع، وأسس فيها أول مطبعة خاصة، وكان يشتغل فيها مع أفراد أسرته. لكن السلطات الفرنسية عطلت “إل كورييري دي تونيزي” بعد احتلال تونس في العام 1881 إلى أن عاود حفيده جيوزيبي إحياءها في 1956. وتدير الصحيفة حاليا سيلفيا فينزي، حفيدة جيوزيبي، التي تعمل أستاذة للثقافة واللغة الإيطاليتين في جامعة تونس. وتتهم سيلفيا الفرنسيين بالتضييق على اللغة والثقافة الإيطاليتين في بلدها تونس.
مع ذلك تنتشر شبكةٌ من المراكز الثقافية التابعة لـ”المعهد الإيطالي للثقافة” في جميع بلدان شمال افريقيا عدا موريتانيا، وهي القاهرة وبنغازي وطرابلس وتونس والجزائر ووهران والرباط. وتأتي اللغة الإيطالية في المرتبة الثالثة بين اللغات الأوروبية المستخدمة في المغرب العربي، بعد الفرنسية والإسبانية.
وتراجع الحضور الإيطالي في المنطقة بعد الاستقلال، وهو لا يتجاوز حاليا ستة آلاف إيطالي (بينهم ثلاثة آلاف في تونس) وكان عددهم يتجاوز ثمانين ألف إيطالي بعد الحرب العالمية الثانية، في تونس وحدها. ولم تستطع إيطاليا إقامة استعمار استيطاني على غرار فرنسا وبريطانيا، في المستعمرات الافريقية التي أسندت إليها، لدى تقاسُم مناطق النفوذ بين القوى الكبرى في العالم، بسبب خروجها مهزومة من الحرب العالمية الثانية، وبعد سحب المستعمرات منها، ومنح الوصاية عليها للمنتصرين في الحرب.
وعلى رغم المجد الذي كتبته روما في صفحات التاريخ المتوسطي، عندما كانت القوة العسكرية والسياسية الأولى في العالم القديم، لم يبق اليوم إلا النزر القليل من نفوذها الثقافي واللغوي في حوض المتوسط. وفي مقابل عشرات الصحف، التي تصدر باللغة الفرنسية في البلدان المغاربية، بعد مرور أكثر من ستة عقود على نيلها الاستقلال، لم تبق في العالم العربي اليوم سوى صحيفة يتيمة ناطقة بالإيطالية. وأوضحت سيلفيا أن الصحيفة تسحب حاليا خمسة آلاف نسخة، وقد حوَلها والدها قبل وفاته من صحيفة تشتمل على 16 صفحة، إلى مجلة تقع في 48 صفحة، وهي “لم تغب عن الأكشاك أسبوعا واحدا منذ انطلاقها في 1956” على ما قالت.
استدعاء الذاكرة
وأطلقت أسرة فينزي مشروعا لاستدعاء الذاكرة الإيطالية في شمال افريقيا، بإصدار سلسلة من الكتب عن الجالية الإيطالية، التي كانت تفوق الجالية الفرنسية عددا. وتتوزع الكتب حسب الفئات الاجتماعية من بنائين ونجارين وسواقين ومهندسي ديكور وكهربائيين. وجاء في كتب التاريخ أن الإيطاليين كانوا يهاجرون إلى تونس في أواخر القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين، قبل أن يتجهوا بكثافة إلى القارة الأمريكية.
ورغم السّـبق اللغوي الذي انتزعه الفرنسيون باحتلالهم البلد طيلة خمسة وسبعين عاما، استطاعت اللغة الإيطالية أن تكسب جولة مهمّة لدى انتشار أجهزة التلفزيون الأولى في تونس مطلع الستينات، إذ كان التونسيون لا يلتقطون سوى برامج القناة الإيطالية الأولى “راي أونو” قبل انطلاق التلفزيون التونسي في 31 مايو/أيار 1966. واستمرت القناة الإيطالية بعد ذلك، مصدرا رئيسيا للأخبار، ما جعل كثيرين يحفظون لغتها.
ما من شك في أن هذا العنصر هو أحد الأسباب التي تفسِّـر قدرة التونسيين على فهم الإيطالية في يُسر، وإن لم يتعلموها في المدارس. إلا أن عدد أفراد الجالية الإيطالية، الذي قدّرته إحصاءات رسمية بخمسة وثمانين ألف إيطالي بعد الحرب العالمية الثانية، تراجع اليوم إلى نحو ثلاثة آلاف، ما يفسِّـر تراجع سحب “إل كورييري دي تونيزي” إلى خمسة آلاف نسخة فقط. لكن سيلفيا ما زالت تدافع عن سُـمعة صحيفتها، التي يعمل فيها أساسا، صحافيون (وصحافيات) تونسيون، مستدلة بأنها عضوٌ في الاتحاد الدولي للصحافة الإيطالية، وبأنها توزع خارج تونس.
وتتطرّق الصحيفة، التي تُعتبر المطبوعة الوحيدة المكتوبة بالإيطالية في حوض المتوسط، خارج إيطاليا، إلى جميع المواضيع، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة لمسألة التعاون شمال-جنوب. وترصُد التجارب الاستثمارية المشتركة بين إيطاليا وبلدان الضفة الجنوبية للمتوسط، وخاصة تونس، حيث يحتل الإيطاليون المرُّتبة الثانية بين الشركاء التجاريين والمستثمرين الخارجيين، بعد فرنسا. وقال رضوان الفوار، وهو صاحب مصنع أقامه في تونس بالاشتراك مع رجل أعمال إيطالي، ويتحدث الإيطالية بطلاقة، إنه يُواظب على مطالعة “إل كورييري دي تونيزي” ليتمكن من متابعة أخبار الشركات الإيطالية والمؤسسات المشتركة في منطقة النفيضة (وسط) حيث أقام مصنعه مع شريكه منذ عشر سنوات.
دهشة برودي
وكان لافتا أن رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي لم يستطع إخفاء دهشته وهو يستمع لسؤال من محررة هذه الصحيفة التونسية الناطقة بالإيطالية، في مؤتمر صحافي عقده خلال إحدى زياراته لتونس، مُعبرا عن فرحته بوجود الصحيفة، وواعدا بدعمها في إطار تكثيف الاهتمام بالجالية الإيطالية في الجارة الجنوبية. وحافظت أسرة فينزي على المطبعة، التي انتقلت من وسط مدينة تونس القديمة، إلى المدينة الصناعية الحديثة في قصر السعيد، شمال العاصمة. وعندما تدلف إلى الدور الأرضي من البناية القديمة، التي كانت تحتضن مقري الصحيفة والمطبعة، تُطالعك آلة الطباعة العريقة التي تعتمد على حروف الرصاص في ناحية، ومجلدات من أعداد الصحيفة القديمة مصفوفة في الناحية الأخرى. وكانت هذه الطابعة هي التي تُستخدم في طباعة الصحيفة، قبل الانتقال إلى الطباعة الرقمية في المقر الجديد العام 2001.
ووجهت سيلفيا الشكر إلى فريق الصحيفة على الجهد الذي بذله لإصدار العدد الجديد في نسخته الإلكترونية، بعد أن كانت غير متأكدة من ذلك. وخصصت الافتتاحية والمحور الرئيسي لمكافحة جائحة كورونا في تونس والعالم، ولكنها تضمنت أيضا تقارير إخبارية ومقالات تحليلية عن العلاقات بين ضفتي المتوسط، بما فيها الشراكات الاقتصادية والتعاون الثقافي.