الصحيفة التي تحولت إلي عقدة لسياسات رسمية عربية!
القدس العربي وهي تخطو العتبات الأولي لعامها التاسع عشرمحمد عبد الحكم ديابالصحيفة التي تحولت إلي عقدة لسياسات رسمية عربية! مع كل عام يمر من عمر القدس العربي يشعر المرء أنها تزداد قوة وانتشارا وقد أصبح شهر نيسان (ابريل)، من كل عام الشهر الذي ظهر فيه العدد الأول شهرا متميزا في عالم الصحافة العربية في المهجر، ومنذ أن صدرت عام 1989، وهي تملأ الأسماع وتشغل الدنيا، وأري أن الكتابة في هذه المناسبة مطلوبة، فهي نوع من التدوين، الذي هو جزء من الذاكرة العامة، يحتاجها كل من القارئ والصحافي، علي حد سواء. ومثل هذه الكتابة تسلط ضوءا، ولو بسيطا علي جوانب أخفتها زحمة العمل والانشغال في تفاصيله اليومية، خاصة إذا ما كان المدون علي احتكاك وتماس بجماعات وأطراف عديدة، لها اتجاهاتها وألوانها السياسية واهتماماتها الثقافية وجذورها الاجتماعية.هذه الصحيفة ظهرت في ظرف تاريخي حرج.. كانت الحرب العراقية ـ الإيرانية وضعت أوزارها، بعد استنزاف طويل لإمكانيات المنطقة ومواردها، والعالم من حولنا يشعر بالقلق والخوف من الثورة الإيرانية والخمينية، والانتفاضة الفلسطينية الأولي كان قد مر عليها أكثر من عام، ومن عاش اندلاعها يتذكر أنها كانت ردا علي نفض النظام العربي الرسمي يده من القضية، أي أن عامل التخاذل العربي كان هو الأكثر دفعا لتفجرها، عكس الانتفاضة الثانية سنة 2000، ففي الأول من كانون الاول (ديسمبر) 1987 كان الاستفزاز العربي قد وصل مداه، فمؤتمر القمة الذي انعقد في عمان، قبيل الانتفاضة، بدا وكأنه قد أغلق الملف الفلسطيني نهائيا واستراح من تبعاته وصداعه، متوهما أن الفلسطينيين همدوا وتعبوا، ولم تبق لديهم طاقة للمقاومة أو الصمود. وجاءت الانتفاضة صادمة للواقع الرسمي. أما الانتفاضة الثانية كان مصدر الاستفزاز فيها هو شارون عندما انتهك بقواته المسجد الأقصي. وما كادت الصحيفة تتجاوز عامها الأول حتي وقع زلزال غزو الكويت، المصاحب لسقوط واختفاء الاتحاد السوفييتي. ثم توابع هذا الزلزال المستمرة حتي الآن، مرورا بحرب الخليج الثانية، ومؤتمر مدريد، واتفاق أوسلو.في وسط هذه التعقيدات وذلك الجو المتشائم جاءت القدس العربي علي غير موعد.. تطرق الأبواب بشدة.. باب العقل والواقع والموقف والمنطق. بعد طول استرخاء وركود، حوّل أنهار العرب إلي برك آسنة. سعي الوليد الجديد لتنبيه الغافل، وهز من هو في حاجة إلي إفاقة، ولم يكن ذلك يسيرا ولا سهلا، وهذا الطَّرْق أزعج أصحاب الشأن وولاة الأمور، ورفع من معدل ضغط أصحاب الجيوش والعروش والكروش، وكان من الغريب أن تكون القاهرة الرسمية هي الأكثر انزعاجا، مع كل ما يصدر عنها من ادعاءات الريادة والشوفينية والكبرياء الكاذب.. تجد نظاما سياسيا، لبلد بحجم مصر يتوجس منها، وكان انزعاجه بلا مبرر. وكشفت التطورات، فيما بعد، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة، أن الطَّرْق علي باب الاستبداد بشدة أزعج نظامها لأنه بدا الأكثر استبدادا بين أقرانه، ورَفْع الغطاء عن الفساد أظهره بأنه بز الجميع في النهب والسرقة. وكَشْف التواطؤ وأسرار العلاقات السرية والعلنية أن مسؤوليها ينحازون لأعداء الأمة، وهم عنصر فاعل في تدمير بلدهم وإذلال شعبهم. وكان الأخطر أن القدس العربي هي أول من دق ناقوس التوريث ، ونبهت لمخاطره، يوم أن كان خيالا، لا يتصوره أكثر المصريين تشاؤما. وبذلك ساهمت في كسر حاجز الخوف، وحطمت الخطوط الحمر، التي وضعت للمنتقدين والمعترضين. وضعوا من خلالها هالة من القدسية الكاذبة والعصمة الزائفة، حماية لذات رئاسية قادت الجمود ورعت العفن، ونشرت الفساد.ولهذا فنحن ندعي أن الموقف الرسمي المصري من القدس العربي أحد أهم المؤشرات التي تصلح للقياس، للتعرف علي مدي نجاحها من عدمه، فأن يصل الأمر بأن تصبح عقدة القدس العربي لها كل هذا التأثير علي سياسة دولة بحجم ذلك البلد العظيم، فهذا يبين مدي صغر وضآلة حكام ومسؤولين، احتلوا مناصبهم ووظائفهم عنوة وفي غفلة من الزمن. وجاء العزاء عندما اتسعت دائرة النقد والرفض، وشملت صحف وأجهزة إعلام الداخل، المستقلة والمعارضة، وكانت القدس العربي قبل هذا الاتساع توصف بأنها تحمل السلم بالعرض ، كما يقول أشقاؤنا في الشام، ولا تبالي. وما كان يمثل الندرة في عالم الصحافة العربية، بالمعالجات والتناول الجريء للأحداث، انتقلت عدواه وصار ما تطرحه القدس العربي عاديا ومألوفا، وتغير اتجاه الريح، ومن كان يهاجمها بالأمس أصبح مقلدا لها اليوم. وبعد أن اتهمت بالسباحة ضد التيار أصبحت في مقدمة السباق. وفضلا عن أنها حازت ثقة القارئ العربي استطاعت شد القارئ المصري، وأضحت الصحيفة العربية غير المصرية المفضلة لديه، وتجد منه الإقبال والاحتضان، ولم يخل هذا المشهد من مفارقة بدت مضحكة حين ظهر للصحيفة قارئ مصري من نوع خاص.. لنتفق علي تسميته بالقارئ الأمني أو الحكومي، حرص علي الاطلاع عليها، لكن بعين المتربص والمتصيد والمخبر، وهذا أفاد الصحيفة ولم يلحق الضرر بها.كان ذلك محل استغراب من كنا نتحدث معهم في هذا الشأن، كيف يكون لمثل هذا القارئ أن يفيد صحيفة يعمل علي محاربتها بشتي الطرق، هذا القارئ كان يمارس هذا الدور لخدمة حملات تشن بين فترة وأخري علي الصحيفة وعلي رئيس تحريرها، حتي بدت المعركة وكأنها معركة شخصية بين عائلة مبارك في مصر و عائلة عطوان في فلسطين، ولم تكن سجال الرأي والرأي الآخر. وعندما كنا نتابع انفعالات بيادق هذه الحملات، في لندن، وكنا نستغرب مستوي العنف اللفظي والبذاءة التي تصدر والفائدة جاءت من ضراوة الحملات.. بدأت في لفت نظر كثيرين، سعوا إلي شراء الصحيفة والاطلاع عليها، ومع تكرار الاطلاع عليها، ومتابعة رئيس تحريرها علي الفضائيات، كسبت تعاطف كثير منهم، وتحول حب الاستطلاع إلي عادة جعلت أعدادا لا يستهان بها تدمن قراءتها، وقراءة تقرير الأخ العزيز حسنين كروم، بخفة ظله وروحه المرحة، وهو يعرض ما يكتب في الصحف المصرية يوميا، إلا أن الشيء الآخر الملفت للنظر هو مستوي انتشار شبكة الاتصال الأمنية والحكومية المصرية في بريطانيا، فتكتشف أنها تضم رجال أعمال، ومهنيين وأطباء وأكاديميين ورجال دين وصحافيين، وعاملين في الخدمات والفندقة والمطاعم، ومحلات بيع الصحف والسياحة، وقيادة سيارات الأجرة، وأطرف ما في هذه الشبكة أنها تهاجم وتسب اعتمادا علي ما يلقن لها سماعيا، وبين أعضائها عناصر شبه أمية، لا تستطيع استيعاب ما ينشر في الصحيفة، ومن السهل اكتشافهم عند سؤال أي منهم، بعد أن يكون قد أفرغ ما لديه من حنق وغضب، منهيا كلامه بأن القدس العربي ومن فيها بيكرهوا مصر . عند سؤاله عن مثل واحد يدلل به علي ما يقول، تجده يقول لك: أنا باكرهها وخلاص ، أو ما باحبش عبد الباري عطوان ، فهم علي دين ملوكهم، ومثلهم مثل عبيد القرون الوسطي، وقت أن كان العبد يردد ما يقوله سيده كالببغاء ، وعند التمادي بطلب تفسير عملية الخلط بين مصر وحاكمها، تكتشف وكأنك تتحدث عن ألغاز وأحاج غير مفهومة، وإذا ما أخرجت أحدهم عن النص ارتبك وحار في الرد. وزاد موقع الصحيفة علي الشبكة الألكترونية (الانترنت) من انتشار الصحيفة وتأثيرها.ولم تكن الحملات الأمنية والسياسية المصرية تخلو من تهديدات.. أغلبها جاء في صيغ مغلفة بالحرص، ومن خلال نصائح تزين محاسن السير بجانب الحائط ، إيثارا للسلامة، وقيلت في ذلك كل العبارات التي احتواها قاموس النصح والحرص، وها هي القدس العربي وهي تنهي عامها الثامن عشر وتبدأ عامها التاسع عشر تثبت أن ولاءها للقارئ، واحترامها لعقله، وتعبيرها عن تطلعاته، أعطاها مكانة مميزة بين أقرانها، وتعود بي الذاكرة إلي ثمانية عشر عاما مضت، ساعة أن تلقيت مكالمة هاتفية من الأخ والصديق العزيز رئيس التحرير يبلغني من تونس، بقرار إصدار صحيفة عربية فلسطينية من لندن، ووقع عليه الاختيار رئيسا للتحرير، والتقينا فور عودته للتداول، حول كيفية توفير سبل النجاح للمشروع، وسط غابة الإعلام النفطي والصحافة الحكومية، أذكر أن الرأي استقر علي أن النجاح ممكن، إلا أنه يتوقف علي ما أسميناه عودة الخط الغائب ، تعبر عنه مطبوعة تتسع للتنوع، ولا تضيق بالمخالفة، وكان أن أعاد عبد الباري عطوان مع كوكبة من فدائيي الصحافة هذا الخط، فكان كالمارد الذي خرج من قمقمه بعد طول احتباس، أو طائر الفينيق الذي بعثت فيه الحياة.وأضحت القدس العربي صحيفة جامعة.. صحيح أنها فلسطينية الهوية والنشأة، إلا أنها عربية المحتوي إنسانية التوجه، في زمن لا يمكن أن تكون عربيا إلا إذا صرت فلسطينيا. تعطي من ارتبط بها أو تعامل معها شعورا بالكبرياء. فطموحها لم يكن محكوما بمهاترات الصحف الصفراء، سعيا وراء الثراء والترف، ولم يقم علي مشاركة اللصوص سرقاتهم وجرائمهم بحثا عن دور بين عصابات الجريمة المنظمة. ولا كان محكوما بالتوجه نحو حاكم طمعا في منصب أو جاه. بقي طموحها طموح الفدائي ، الذي ينتصر لقضية يؤمن بها، ومستعد للشهادة دفاعا عنها. فنالت تقديرا لا يتحقق بكنوز الأرض، والحبل السُّري الذي ربطها بالقارئ ما كان ليكون بهذه القوة لولا توفر عنصرين: أولهما هو الصدق مع الذات حتي لو أخطأت في الاجتهاد، مما يتيح إمكانية التصحيح ومراجعة النفس. والعنصر الثاني هو الثقة في المستقبل دون النظر إلي الوراء، باسم الواقعية. وأثبتت أن الواقعية الحقيقية تقوم علي هذا الرهان، لهذا تميزت بالأفق الواسع والصدر الرحب.. لم تغرها الإنعزالية، ولم يشدها الانطواء. وبذلك أعادت القضية الفلسطينية، علي الأقل شعبيا، إلي مكانها الطبيعي، كقضية مركزية للعرب.. كل العرب. 9