الصدامات مع الاقباط في مصر

حجم الخط
0

رأي القدس اذا أردت ان تدمر بلداً، وتمزق نسيجه الاجتماعي، وتجمد نموه الاقتصادي، فما عليك الا تفجير الازمات الطائفية فيه، لان هذه الازمات اذا اندلعت نيرانها فستحرق كل شيء قابل، او حتى غير قابل للاحتراق.

الازمة الطائفية في لبنان، الصغير مساحة وسكاناً، استمرت لاكثر من 16 عاما من القتال الدموي، واحتاج البلد حوالى عشر سنوات حتى يتعافى جزئيا من آثارها، ويلملم جراحه بالتالي، فما بالك اذا انفجرت هذه الازمة في بلد كبير، مساحة وسكاناً مثل مصر؟

نقول هذا الكلام بمناسبة توارد الانباء المؤسفة عن حدوث صدامات دموية بين الجيش المصري ومتظاهرين اقباط تجمعوا امام مبنى التلفزيون في وسط القاهرة، احتجاجاً على هدم كنيسة في مدينة ادفو في صعيد مصر الاسبوع الماضي، ادت لمقتل واصابة العشرات.

ما زالت الاسباب التي ادت الى الاشتباكات مجهولة، فقد جرت العادة ان يتظاهر الاقباط، وفي المكان نفسه، دون وقوع ضحايا الا في مرات نادرة. فالجنود الذين يحرسون مبنى التلفزيون ليس من اختصاصهم تفريق المظاهرات، ولا بد ان احتكاكاً حدث والا ما معنى ان يكون القتلى من الجنود وليس من المتظاهرين.

الانباء الاولية تفيد بان آلافا من الاقباط شاركوا في المظاهرات، وكان الغضب بادياً عليهم، وهو غضب مفهوم اذا كان عائدا الى هدم كنيسة بناها اشقاؤهم في الصعيد، ولكن ما هو غير مفهوم ان يقوم هؤلاء برجم قوات الجيش بالحجارة، وقتل وإصابة هذا العدد من افرادها.

مصر تعيش اكثر من توتر هذه الايام بسبب المرحلة الانتقالية الحرجة التي تعيشها، نتيجة انهيار مؤسسات الحكم، وسقوط النظام السابق الذي ربض على صدرها لاكثر من اربعين عاماً، كان طابعها الفساد والقمع ونهب المال العام ومصادرة الحريات. فهناك جماعات الثورة المضادة التي تريد خلق حالات من الفوضى والاضطراب وافشال عملية التغيير الديمقراطي، وهناك الخلافات المتفاقمة بين الاسلاميين والليبراليين، ثم بين الاسلاميين انفسهم، ولا ننسى نظرات الشك والريبة من قبل العديد من الاحزاب تجاه المجلس العسكري ونواياه في البقاء في الحكم لاطول فترة ممكنة مستندين الى عدم تحديد موعد للانتخابات الرئاسية.

لا بد من الاقرار بان الاشقاء الاقباط تعرضوا لعمليات تمييز واضطهاد طوال العهد السابق، حيث جرى وضع قيود على بناء الكنائس، وحرمانهم من تولي وظائف كبرى في الامن والقوات المسلحة، وهذا ظلم كبــير لهم لا يجب ان يستمر في مصر ما بعد الثورة، ولكن ما يمكن الخلاف حوله هو تصعيد الاحتجاجات، والاكثر من ذلك تطورها الى صدامات مع المؤسسة العسكرية والقــــوات المسلحة في مثل هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد.

الخوف هو ان يستغل بعض المتطرفين حالة الغضب القبطي هذه، من الجانبين القبطي والاسلامي، ويشعلون نيران الصدامات الطائفية في البلاد بصورة تؤدي الى انتشارها في مدن عديدة خاصة في الصعيد، مما يجعل السيطرة عليها عملية صعبة ومكلفة مادياً وبشرياً، في وقت تعاني فيه البلاد من ازمة اقتصادية طاحنة، وتعمل السلطات فيها جاهدة من اجل تحقيق الاستقرار الذي يعتبر الطريق الوحيد لخلق التربة الملائمة لعودة الاستثمارات الاجنبية والحفاظ على بقاء ما لم يهرب منها واخراج الاقتصاد من عثراته الحالية.

العقلاء من الاشقاء الاقباط يجب ان يتدخلوا فورا، وان يهدئوا من روع بعض الجماعات المتشنجة، والانخراط في حوار بناء يؤدي الى حل المشاكل الحالية، والحيلولة دون تكرار ما حدث، وفي المقابل يجب ان يكون المجلس العسكري اوسع صدراً واكثر تفهماً لمطالب هؤلاء من اجل مصلحة البلاد العليا وامنها واستقرارها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية