إنها بلا شك حرب نفطية جديدة، واختبار إرادة قاس، في قسوة برد الشتاء، بين أوروبا التي تعلن بلا مواربة إنها تريد «قطع روسيا عن العالم» أي أن المسألة هنا أكبر من مجرد محاولة التخلص من فلاديمير بوتين، وبين روسيا التي تريد إثبات إنها قادرة على الدفاع عن حدودها من تهديدات حلف الناتو، بعيدا عن خطأ قيادتها السياسية في اقتحام حدود دولة أخرى بقواتها المسلحة؛ فدخلت هذه القوات في «عش الدبابير» الذي تغذيه الولايات المتحدة بالمال والسلاح. إنها حرب نفطية جديدة بين إرادتين سياسيتين، وليست مجرد حرب أسعار بين مستهلكين ومنتجين. وسواء شاءت قيادات الدول الصناعية أو أبت، فإن اختبار القوة في السوق الذي يبدأ هذا الأسبوع مع بدء سريان قرار الحظر النفطي الروسي المنقول بحرا يوم 5 من الشهر الحالي، لن يكون فقط بمثابة اختبار بين حاجة أوروبا للوقود وحاجة روسيا للنقود، ولكنه سيكون اختبارا بين إرادتين، واحدة تسعى للهيمنة وفرض النفوذ على العالم، وثانية تريد إثبات أن هناك قطبا جديدا في العالم يستطيع أن يحافظ على نظام عالمي متعدد الأطراف لا هيمنة فيه ولا اغتصاب، لكنه يدار على أسس قواعد ومعايير متفق عليها، وتنظيم دولي يقوم على أسس القانون الدولي، ومحركات حرة للقوة تتمتع فيها دول العالم بمزايا المنافسة، والقدرة على الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمصلحة شعوبها، بدون خوف من احتكار الآخرين للقوة وأدوات ممارسة القهر الدولي مثل العقوبات والتهديد بالحرب. حرب الوقود في شتاء العام الحالي هي مجرد واحدة من تجليات الصراع بين القوى الرئيسية من أجل إعادة رسم حدود خريطة القوة.
الصورة في السوق
قبل أيام من بدء سريان قرار الحظر الأوروبي على شحنات النفط الروسي هبط سعر خام الأورال، وهو الخام الرئيسي الذي تصدره روسيا، من 74.68 دولار يوم 7 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 58.38 دولار يوم 28 من الشهر نفسه، أي بمقدار 16.3 دولار بنسبة 21.8 في المئة. ونقلت مؤسسة «أويل برايس» عن تجار في السوق بأن روسيا تبيع شحنات النفط في السوق الفورية بنسبة خصم تصل إلى 40 في المئة على السعر الرسمي. لكن التقلبات المتوقعة في الأسابيع المقبلة ستعكس متغيرين رئيسيين: الأول هو بدء تعافي الاقتصاد الأمريكي وبعض دول الاتحاد الأوروبي بسبب تباطؤ معدلات زيادة أسعار الفائدة. والثاني هو احتمال اتجاه الصين لتخفيف إجراءات الإغلاق الاقتصادي، بعد الاحتجاجات الكبيرة ضد سياسة «صفر كوفيد». وتشير بعض التصريحات الرسمية الصينية إلى أن الموجة الحالية من انتشار فيروس كورونا تعكس سرعة انتشار متحور «أوميكرون» وهو أقل خطورة على الرغم من سرعة انتشاره. إذا سار كل من المتغيرين في اتجاه إيجابي فإن الطلب على النفط سيزيد، ولن تسارع أوبك بزيادة مقابلة في الإنتاج إلا بعد أن تستقر السوق.
وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن ينخفض إنتاج روسيا من النفط بحوالي مليوني برميل يوميا في الربع الأول من العام المقبل، تحت ضغط العقوبات الأوروبية. لكن تفسير الوكالة لتخفيض الإنتاج الروسي غير مقنع، نظرا لأن واردات الاتحاد الأوروبي من النفط الروسي في العام الحالي لم تتجاوز 500 ألف برميل يوميا، في حين أن روسيا تمكنت من مضاعفة صادراتها إلى كل من الهند والصين وتركيا وجهات أخرى غير معلومة لتعويض الهبوط المتوقع في الواردات الأوروبية.
محاولة اغتيال حرية السوق
الأصل في النظام العالمي هو «التغير» وليس «الثبات» هكذا يقول فلاسفة العالم، ومنهم جوزيف شومبيتر، الذي جاء إلينا بأصول نظرية «التغيير الخلاق» أو «التدمير الخلاق» من خلال عوامل «الإرباك» التي تنشأ بشكل طبيعي، بين قوى التغيير وقوى الثبات، سواء من خلال أحداث طبيعية مثل زلزال اليابان العظيم عام 1923 أو نتيجة حروب مليئة بالتضحيات مثل الحرب العالمية الأولى والثانية، وقد تأتي نتيجة ثورات مثل الثورة الفرنسية أو الأمريكية، وقد لعبت جميعها دورا مركزيا في إطلاق قوى المنافسة والتغيير، وإجهاض قوى الثبات والدفاع عن الوضع القائم. ويموج العالم حاليا بحراك قوى التغيير، وتتحرك في مواجهتها قوى الثبات، وما حرب النفط الجديدة إلا مظهرا من مظاهر هذا الصراع. إنها ليست مجرد امتداد لحرب أوكرانيا، لكنها تعبير عن قوى تريد إطلاق حرية المنافسة والحراك الاقتصادي والسياسي في العالم، وقوى مضادة تريد حبس مصير العالم في مصيدة الأمر الواقع. حرية المنافسة هي أن تبيع وتشتري في السوق بدون قوة المنع تطبيقا لشعار الثورة الفرنسية «دعه يعمل، دعه يمر». أما حرية الاختيار السياسي فهي حرية الشعوب في تقرير مصيرها، كما قال وودرو ويلسون في إعلان مبادئ السلام أمام الكونغرس الأمريكي عام 1918 بشأن حق تقرير المصير للشعوب. وإذا كانت الديمقراطية تعاني من أزمة بسبب صعود الأوليغارشية الجديدة في الولايات المتحدة، فإن هذه الأوليغارشية لا تملك حق تقرير مصير الشعوب، ولا تملك حق سلب حريتها. وسواء تعلق الأمر بالصين أو روسيا أو السعودية أو إيران أو لبنان أو غيرها، فإن شعوب هذه البلدان قادرة آجلا أو عاجلا على تجسيد اختياراتها السياسية بطريقة حرة وبدون تدخل خارجي، فالتدخل يفسد سلامة الاختيار.
وسواء كنا نتحدث عن تغيير اقتصادي أو تغيير سياسي، فإن محركات التغيير كلها تكتسب قوتها من حرية المنافسة. حرية المنافسة في السوق، وحرية المنافسة في السياسة، وما التدخل في سوق النفط إلا شكل من أشكال التدخل ضد حرية المنافسة، وما العقوبات الاقتصادية إلا أدوات قهرية لمنع المنافسة ووقف الحراك وحبس العالم داخل أقبية الأمر الواقع. ولا يستقيم الدفاع عن الحرية مع شن حرب ضد حرية السوق؛ فالحرية لا تتجزأ، وحرية السوق تتناقض مع إقامة أسوار عازلة بين البائعين والمشترين.
أوروبا وحاجتها للوقود
وبدون اللجوء إلى الأرقام والإحصائيات، فإن حرمان أوروبا من وفرة مصادر الوقود الروسي، هو ضد قوانين الترابط الطبيعي والجيوقتصادي بين دول أوراسيا، بين سهول القوقاز والأورال وأوروبا الشرقية وشمال أوروبا. وما أزمة الغلاء وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي في أوروبا حاليا، التي تتجلى في تراجع معدلات النمو إلى حد الانكماش، وإلى انتشار الإضرابات العمالية والمهنية للمطالبة بزيادة الأجور لمواجهة زيادة تكاليف المعيشة، إلا مجرد تجليات جانبية للعقوبات الاقتصادية المفروضة على قطاع الطاقة الروسي. بهذه العقوبات التي ستصل إلى حظر شحنات النفط الروسي المنقول بحرا، فإن أوروبا تحرم نفسها من مصدر الطاقة الرئيسي الذي يغذي استمرار الحياة واستمرار الصناعة. وكانت الولايات المتحدة قد وعدت أوروبا بتعويضها عن قطع إمدادات الغاز الروسي، بإغراقها بفيض من إمدادات الغاز المسال الأمريكي. لكن أوروبا الآن تتهم أمريكا علنا بأنها تتربح من أزمة الطاقة في أوروبا بالمغالاة في أسعار تصدير الغاز الأمريكي. هذه الاتهامات تتردد بقوة في ألمانيا وفرنسا، وهي اتهامات مبنية على حقائق. الأكثر من ذلك أن إمدادات الغاز الأمريكي إلى أوروبا ليست إلا قطرة في بحر؛ فلا تستطيع مصادر الطاقة التقليدية في أي دولة في العالم، في حدود ما نعرفه، تعويض أوروبا بالكامل عن فقد النفط والغاز والوقود النووي الروسي.
نعم لقد لجأت ألمانيا إلى قطر لتوقيع اتفاق لمدة 15 عاما لاستيراد الغاز، من المرجح أن يتم تمديده إلى ما وراء ذلك، وأقامت بنية أساسية جديدة على وجه السرعة لاستقبال الغاز المسال وإعادة تغييره وإطلاقه في شبكات الغاز الطبيعي القائمة. لكن قطر قالت أكثر من مرة أنها لا يمكن أن تصبح بديلا لروسيا، ببساطة لأن العالم ليس أوروبا فقط، ولأن قطر من مصلحتها أن يستمر تدفق الغاز المسال شرقا إلى الصين وجنوب شرق آسيا، وغربا إلى أوروبا والولايات المتحدة. وتحصل أوروبا أيضا على الغاز المسال من مصر، التي أصبحت واحدا من مصادر الإمدادات الرئيسية إلى جانب زيادة الاعتماد على الجزائر. ويجري الآن التحرك بأقصى سرعة ممكنة على مد خط أنابيب لنقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا عبر المغرب، كما أطلقت بريطانيا الموافقة على إقامة مفاعل نووي جديد لتوليد الكهرباء تبنيه شركة الكهرباء الفرنسية. لكن كل هذه المصادر لا تعوض كل الإمدادات الروسية، وإن كانت تقلل اعتماد أوروبا على النفط والغاز من روسيا. وحتى في مجال الطاقة النووية، فإن روسيا إذا أرادت شن حرب طاقة نووية ضد أوروبا، فإنها تستطيع ذلك بسهولة لأنها تحتكر تقريبا تجارة الوقود النووي في العالم، وهي أكبر منتج ومورد للمفاعلات النووية في العالم. ليست أوروبا فقط هي التي تعتمد على الوقود النووي المستورد من روسيا، وإنما تعتمد عليه الولايات المتحدة أيضا بنسبة كبيرة. وقد دعا عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي إلى ضرورة التحوط ضد ذلك بتقليل اعتماد الولايات المتحدة على استيراد اليورانيوم المخصب من روسيا. وتبذل شركات رائدة في أوروبا والولايات المتحدة محاولات تكنولوجية هائلة لإنتاج مفاعلات نووية صغيرة، بهدف تقليل تكلفة الطاقة النووية، منها شركة رولز رويس البريطانية.
حاجة أوروبا للوقود أكبر بكثير من حاجة روسيا للنقود، وقد أثبتت الأشهر الماضية منذ فرض عقوبات حرب أوكرانيا هذه الحقيقة. ويكفي أن يكون الروبل اليوم أقوى مما كان عليه، وأن يعلن وزير الدفاع الروسي أن بلاده ستزيد ميزانيتها الدفاعية في العالم القادم، بما في ذلك ميزانية شراء الأسلحة، ويكفي أن روسيا ما يزال لديها هامش كبير للتأثير بقسوة على إمدادات الطاقة الأوروبية، إذا أرادت وقف خط امدادات النفط الكازاخستاني بالأنابيب الذي يمر عبر روسيا، أو إذا أرادت وقف إمدادات الوقود النووي إلى أوروبا والولايات المتحدة. المسألة هنا لا تتوقف على قوة الإرادة الروسية فقط، دعك من بوتين، لكن إرادة روسيا تستمد قوتها من موقعها الجيوستراتيجي، ومن وفرة موارد الطاقة التي وهبتها لها الطبيعة. والمعركة ضد الطبيعة خاسرة.