بشـير زعبيـة
كان يفترض أن أكتب عنه قبل عشرين سنة أي بعيد ذلك اليوم 18/9/1985 حين كنت وأنا بأحد شوارع دمشق أستمع الي مذياع السيارة ينقل في صدارة أخبار احدي الاذاعات الشهيرة نبأ اغتيال الصحافي ميشيل النمري رئيس تحرير مجلة النشرة عندما كان خارجا من مكتبه بالعاصمة اليونانية أثينا.. تعرفت علي الصديق الراحل ميشيل النمري الأردني الجنسية العروبي الهم والقضية في دمشق التي جاءها قادما من قبرص حيث خاض عبر مجلة الموقف العربي الليبية أول تجربة صحافية له بعد خروجه من بيروت مع خروج المقاومة الفلسطينية منها عقب الاجتياح الاسرائيلي للبنان وحصار بيروت صيف 1982 اذ كان محسوبا علي المقاومة بل منخرطا في صفوفها تنظيميا.. اعتبر ميشيل دخوله الي سورية انجازا حيث لم يكن من السهولة أن يتم ذلك دون ترتيب مع مسؤولين كبار في وزارة الاعلام السورية وهو الذي كان قد كتب سلسلة مقالات مميزة ومثيرة عن هذه الدولة في صحيفة السفير اللبنانية التي كان يعمل فيها.. وبطبيعته كصحافي جريء ملتزم بقضايا أمته وعلي رأسها قضية فلسطين وقضايا التحرر والديمقراطية بشكل عام وكغيره من الأسماء الصحافية التي حاولت أن تجد نفسها بعد تجربة بيروت في مشروع خاص يتسع لتراكم تلك التجربة أحضر ميشيل معه الي دمشق مشروع النشرة. كان متحمسا جدا للمشروع وكنت كغيري من أصدقائه الذين عاشوا معه مخاض الولادة مأخوذين بالفكرة لتفردها وجرأتها لكن أحدا لم يشاركه حماسه بقدر ما أبدي الجميع الحذر والتخوف وربما الاعتقاد بأن المشروع ينم عن قدر من التهور والمغامرة غير المحسوبة.. نشرة شهرية تهتم بنشاط حركات التحرر والمعارضة العربية دون استثناء.. وتوزع في الدول العربية! كيف؟ علق أحدهم مازحا بالعكس هذا مشروع ستستفيد منه المخابرات العربية ولم يخف البعض احساسه بأن ميشيل يدخل لعبة مميتة.. أتذكر أن صديقا يترأس تحرير مجلة لبنانية حتي الآن قال له وهو يتصفح العدد صفر انك تلعب برأسك وربما كان بالفعل كما كتب عنه الشاعر الصديق أمجد ناصر فيما بعد كان مثل سنتياغو نصار في رواية ماركيز (قصة موت معلن) لا يستطيعان دفع الموت الذي يترصدهما علي رؤوس الاشهاد. كانا يعرفان ان الموت قادم. ويذكر أصدقاؤه أن رسام الكاريكاتير الراحل ناجي العلي أهدي ميشيل النمري لوحة هي عبارة عن مرآة كتب علي إطارها مطلوب فكان كل من يقترب من اللوحة يصبح كأنه من المطلوبين.. والغريب أن أول من وقف في وجه المرآة هذه، كان ميشيل النمري وسرعان ما قضي عليه بالرصاص.. وصدرت النشرة وعشت مخاض صدورأعدادها الأولي ومعاناته هو من أجل اصدارها وساهمت من جانبي حينها كما ساهم الأصدقاء بالقدر الذي تتيحه المهنة والعلاقة.. ومع صدور كل عدد تأتي ردود الفعل لتزيد من القلق بل الخوف علي ميشيل.. أخبرنا أنه كلّما طلب من جهة الاشتراك في المجلة كان السؤال الذي يوجه اليه هو من وراء هذه المطبوعة وكان واضحا أن موضوعات النشرة قد توسعت في الخوض فيما لم يكن من السهل الخوض فيه بمثل تلك المباشرة في المادة والعلانية في المصدر وواضحا أن التمّاس قد حدث مع خط أحمر ما من تلك الخطوط التي انبني عليها حذر الأصدقاء وتخوفهم في البداية.. اختلف ميشيل مع شريك له في المشروع وانتقل بـ (نشرته) من قبرص الي أثينا مع كلام عن دخوله في شراكة جديدة أثارت بعض الأسئلة مع كلام عن تأثير تلك الشراكة في توجهات (النشرة) والخوف الفعلي من أن يجرها هذا الوضع الجديد مع صاحبها الي تماس أكثر مع مزيد من الخطوط الحمراء وتتحول اللعبة الي لعنة.. لعنة النشرة التي انتقلت فيما بعد الي الاعلامي الفلسطيني الراحل خليل الزبن (أبوفادي) الذي عرفته صديقا عندما كان يترأس مكتب وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) في دمشق قبل أن يصبح أخيرا مستشارا للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.. لقد ورّث (النشرة ) وواصل اصدارها وقتل بدوره اغتيالا بالرصاص.. ربما كان ميشيل النمري يتوقع شرّا ما في مواجهة مشروعه الذي رآه انحيازا للديمقراطية ودعوة اليها لكنه ربما لم يكن يدري أن ذلك الشّر سيكون متربصا له في (أثينا) عاصمة أعرق الديمقراطيات في العالم.. قال في تأبينه الكاتب الفلسطيني الصديق رشاد أبو شاور ما كان للديمقراطية العريقة في (أثينا)، وفلسفة ديمقراطيس، وتقاليد حكم الشعب الحر أن تحمي فضاءً صغيراً يتنفس ويكتب فيه صحافي عربي ناج بعقله وروحه من أهوال بلاد العرب! . غاب ذلك الصديق الصحافي النموذج خريج مدرسة بيروت ومدرسة المقاومة ولم يتجاوز الـ 37 عاما وهو في عز توهجه وتألقه المهني ولن يغيب عني وجهه بشوشا أنيقا.. محبا للحوار.. دائم الابتسامة مؤيدا لرأيك أو مختلفا معك.. وكان لا بد أن أكتب عنه.. كاتب من ليبيا