الصراع‭ ‬الافتراضي

حجم الخط
0

اعتاد‭ ‬الصحافيون‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬حول‭ ‬الدخول‭ ‬الثقافي‭. ‬ولكن‭ ‬تبين‭ ‬لهم،‭ ‬مع‭ ‬توالي‭ ‬السنين‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ ‬مستحيل‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬لا‭ ‬حضور‭ ‬فيه‭ ‬للثقافة‭. ‬لكن‭ ‬الدخول‭ ‬المدرسي‭ ‬والجامعي،‭ ‬وقد‭ ‬تزامن‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬مع‭ ‬مناسبات‭ ‬عديدة‭ ‬استنزفت‭ ‬ما‭ ‬يملكه‭ ‬المغاربة،‭ ‬جعله‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أسعار‭ ‬الكتب‭ ‬والأدوات،‭ ‬ومشاكل‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬حد‭ ‬لها،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بغرير‭ ‬وغريبه‭..‬‮»‬‭ ‬وامتلأت‭ ‬بها‭ ‬الجرائد‭ ‬والوسائط‭ ‬الشعبية‭ ‬الجديدة،‭ ‬وأحاديث‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬والمناسبات‭. ‬كثرت‭ ‬السخرية،‭ ‬والاحتجاجات،‭ ‬والرسوم‭ ‬الكاريكاتيرية‭ ‬والنكت‭. ‬وتولت‭ ‬الوزارة‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬المنتقدين‭ ‬بالإشارة‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬اعتماد‭ ‬المقررات‭ ‬المدرسية‭ ‬والمنافسة‭ ‬بين‭ ‬دور‭ ‬النشر‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬هو‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬المشكلة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تغطي‭ ‬على‭ ‬عشرات‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬تتصل‭ ‬بالدخول‭ ‬المدرسي‭ ‬والجامعي‭ ‬والاجتماعي؟‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يتدخل‭ ‬علماء‭ ‬اللسانيات‭ ‬والنفس‭ ‬والتربية‭ ‬والاجتماع‭ ‬في‭ ‬الموضوع،‭ ‬لإنارة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬وكان‭ ‬على‭ ‬الوزارة‭ ‬الوصية‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تتوعد‭ ‬بملاحقة‭ ‬من‭ ‬ينشر‭ ‬صورا‭ ‬من‭ ‬مقررات‭ ‬قديمة‭ ‬أو‭ ‬أجنبية،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬ندوة،‭ ‬أو‭ ‬جلسة‭ ‬للتوضيح،‭ ‬ورد‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬نصابها،‭ ‬لكن‭ ‬البلبلة‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬مردها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أسميه‭ ‬‮«‬الصراع‭ ‬الافتراضي‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ«الدفاع‭ ‬الذاتي‭ ‬الثقافي‮»‬،‭ ‬ومعناه‭ ‬الدفاع،‭ ‬أو‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬فرد‭ ‬أو‭ ‬جماعة‭ ‬على‭ ‬هجوم،‭ ‬بوسائل‭ ‬خاصة،‭ ‬عما‭ ‬يعتبرونه‭ ‬هجوما‭ ‬أو‭ ‬خطرا‭ ‬يتهدد‭ ‬جانبا‭ ‬ثقافيا‭ ‬يمسهم،‭ ‬فهل‭ ‬إدراج‭ ‬بضع‭ ‬مفردات‭ ‬من‭ ‬الدارجة‭ ‬المغربية‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الفتنة؟

لن‭ ‬أناقش‭ ‬مشكلة‭ ‬الدارجة‭ ‬وتوظيفها‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬لأنني‭ ‬أومن‭ ‬إيمانا‭ ‬قويا‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تعلم‭ ‬أي‭ ‬لغة‭ ‬بأي‭ ‬لغة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬نطق‭ ‬الطفل‭ ‬إلى‭ ‬أرذل‭ ‬العمر‭. ‬أذكر‭ ‬حين‭ ‬كنا‭ ‬ندرس‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬الابتدائي‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬فرنسيين‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬العربية،‭ ‬كيف‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يعاقبون‭ ‬من‭ ‬يستعمل‭ ‬أي‭ ‬مفردة‭ ‬من‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬الدارجة‭. ‬وكان‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬الإنكليزية‭ ‬والعربية‭. ‬كان‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مادة‭ ‬لا‭ ‬يستعمل‭ ‬إلا‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬صار‭ ‬الأستاذ‭ ‬والمعلم‭ ‬يوظف‭ ‬كلمات‭ ‬من‭ ‬لغات،‭ ‬فقدنا‭ ‬كل‭ ‬اللغات‭ ‬التي‭ ‬نتعلمها‭. ‬فلا‭ ‬العربية‭ ‬سليمة،‭ ‬ولا‭ ‬الفرنسية‭ ‬قويمة‭. ‬وشكوى‭ ‬تراجع‭ ‬تعليمنا‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬ولا‭ ‬بالتعريب‭ ‬لمن‭ ‬يتفكرون‭. ‬

 الصراع الافتراضي كان فقط ذريعة لإثارة نقاش يتصل بتوجه ثقافي وسياسي حول «الدراجة المغربية»، وحول المسألة اللغوية في المغرب بصفة عامة

ليس‭ ‬المشكل‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المفردات،‭ ‬وكل‭ ‬التبريرات‭ ‬المقدمة‭ ‬من‭ ‬لدن‭ ‬المنافحين‭ ‬أو‭ ‬المعارضين‭ ‬غير‭ ‬مقنعة‭. ‬إن‭ ‬الصراع‭ ‬الافتراضي،‭ ‬الذي‭ ‬تولد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدراج‭ ‬تلك‭ ‬المفردات،‭ ‬كان‭ ‬فقط‭ ‬ذريعة‭ ‬لإثارة‭ ‬نقاش‭ ‬يتصل‭ ‬بتوجه‭ ‬ثقافي‭ ‬وسياسي‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الدراجة‭ ‬المغربية‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬وحول‭ ‬المسألة‭ ‬اللغوية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭. ‬لقد‭ ‬تم‭ ‬تجاوز‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الكتاب‭ ‬المدرسي‭ ‬المثير‭ ‬للجدل‭ ‬إلى‭ ‬استحضار‭ ‬أحد‭ ‬المدافعين،‭ ‬أو‭ ‬المتكلم‭ ‬‮«‬الرسمي‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الدارجة‮»‬‭ ‬المغربية،‭ ‬وعن‭ ‬أصوله،‭ ‬ومبررات‭ ‬دعوته‭ ‬تلك،‭ ‬وعمن‭ ‬يسانده‭ ‬ويقدم‭ ‬له‭ ‬الدعم‭ ‬لجعل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تصوره‭ ‬يتسلل‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭. ‬وكأن‭ ‬تلك‭ ‬المفردات‭ ‬القليلة‭ ‬بداية‭ ‬لسلسلة‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬التوجه‭ ‬المراد،‭ ‬وهو‭ ‬جعل‭ ‬الدارجة‭ ‬لغة‭ ‬تعليم‭. ‬

هنا‭ ‬يأتي‭ ‬الصراع‭ ‬الافتراضي،‭ ‬الذي‭ ‬تتم‭ ‬فيه‭ ‬المواجهة‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬تصورين،‭ ‬أحدهما‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الهجوم،‭ ‬لأن‭ ‬له‭ ‬الإمكانيات‭ ‬التي‭ ‬تقضي‭ ‬بفرض‭ ‬توجهه،‭ ‬والثاني‭ ‬الموقف‭ ‬الدفاعي‭ ‬الذي‭ ‬يستعمل‭ ‬الوسائط‭ ‬الشعبية‭ ‬الجديدة‭ ‬للقيام‭ ‬بالهجوم‭ ‬ـ‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬قنوات‭ ‬أخرى‭ ‬ملائمة‭. ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬الصراع‭ ‬الموضوعي‭ ‬بين‭ ‬التصورين‭ ‬تتداخل‭ ‬الأوراق،‭ ‬والملفات‭ ‬والقضايا‭. ‬فيتدخل‭ ‬الدين،‭ ‬وتتدخل‭ ‬اللغة،‭ ‬والجهة،‭ ‬والتاريخ‭ ‬والجغرافيا،‭ ‬والسياسة‭ ‬والاجتماع،‭ ‬والدولة‭ ‬والشعب‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬اطلعت‭ ‬عليه،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النطاق‭ ‬رسالة‭ ‬مؤداها‭: ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬ندافع‭ ‬عن‭ ‬تجويد‭ ‬القرآن‭ ‬ونلغي‭ ‬الموسيقى؟‭ ‬وتساءلت‭ ‬هل‭ ‬عندنا‭ ‬فعلا‭ ‬مقررات‭ ‬للموسيقى‭ ‬في‭ ‬مدارسنا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬فيها‭ ‬التلاميذ‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬القرى‭ ‬حتى‭ ‬كراسي‭ ‬للجلوس،‭ ‬بله‭ ‬مقاعد‭ ‬للكتابة؟

الصراع‭ ‬الافتراضي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الصراع،‭ ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬رأينا‭ ‬مع‭ ‬المقاطعة،‭ ‬لأنه‭ ‬يكشف‭ ‬التناقض‭ ‬الصارخ‭ ‬بين‭ ‬إرادتين‭ ‬وتوجهين‭ ‬لا‭ ‬يثق‭ ‬أي‭ ‬منهما‭ ‬في‭ ‬الآخر،‭ ‬ولا‭ ‬يريد‭ ‬أي‭ ‬منهما‭ ‬أن‭ ‬يحاور‭ ‬الآخر،‭ ‬وكل‭ ‬حزب‭ ‬بما‭ ‬لديهم‭ ‬فرحون‭. ‬والمعوّل‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتحكم‭ ‬فيه‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الطرفين،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬منهما‭ ‬أن‭ ‬يتصور‭ ‬ما‭ ‬ينجم‭ ‬عنه،‭ ‬لأنهما‭ ‬معا‭ ‬لا‭ ‬يملكان‭ ‬تصورا‭ ‬دقيقا‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤول‭ ‬إليه‭ ‬الأمور؟‭ ‬إنها‭ ‬ثقافة‭ ‬التحدي‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭: ‬‮«‬إنا‭ ‬عكسنا‮»‬‭. ‬يكتب‭ ‬تشومسكي‭: ‬‮«‬لو‭ ‬كان‭ ‬عندنا‭ ‬نظام‭ ‬تربوي‭ ‬حقيقي‭ ‬لأدرجنا‭ ‬فيه‭ ‬دروسا‭ ‬حول‭ ‬الدفاع‭ ‬الذاتي‭ ‬الثقافي‮»‬،‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬حددناه‭ ‬أعلاه‭. ‬وعندما‭ ‬استعملت‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬الصراع‭ ‬الافتراضي‮»‬‭ ‬بدل‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬الذاتي‭ ‬الثقافي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬تشخيص‭ ‬ما‭ ‬سيتحدث‭ ‬عنه‭ ‬لاحقا،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬التقويم‭ ‬الشعبي،‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬بـ«عام‭ ‬بغرير‮»‬،‭ ‬كنت‭ ‬أقصد‭ ‬أن‭ ‬الدفاع‭ ‬الذاتي‭ ‬الثقافي،‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحقيقي،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتأسس‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬‮«‬الفكر‭ ‬النقدي‮»‬‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬الحجج،‭ ‬ويرمي‭ ‬إلى‭ ‬الإقناع‭ ‬لا‭ ‬الإفحام،‭ ‬وإلى‭ ‬البناء‭ ‬لا‭ ‬إثارة‭ ‬الفتنة،‭ ‬وصرف‭ ‬الأنظار‭ ‬عن‭ ‬المشاكل‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬الناس‭. ‬إن‭ ‬الصراع‭ ‬الافتراضي،‭ ‬كما‭ ‬أتصوره،‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬وسائل‭ ‬أخرى‭ ‬للتعبير‭ (‬الأحزاب،‭ ‬النقابات،‭ ‬البرلمان‭) ‬ليس‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬العربية‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬عن‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الكريمة،‭ ‬وضد‭ ‬الإقصاء‭ ‬والتهميش‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية