الصراع‭ ‬وشهادة‭ ‬التوراة‭… ‬تاريخ‭ ‬فلسطين‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭ ‬

حجم الخط
0

بعيدا‭ ‬عن‭ ‬اللجاجة‭ ‬السياسية‭ ‬وحروب‭ ‬الكلام‭ ‬والتصريحات،‭ ‬ومحاولات‭ ‬فرض‭ ‬القوة‭ ‬والدعم‭ ‬الأمريكي‭ ‬والشجب‭ ‬العربي،‭ ‬والمفاوضات،‭ ‬يخرج‭ ‬الإصدار‭ ‬التاريخي‭ ‬البحثي‭ ‬الثقافي‭ ‬المهم‭ ‬ليضع‭ ‬النقاط‭ ‬فوق‭ ‬الحروف،‭ ‬فتنجلي‭ ‬الحقيقة‭ ‬كاملة‭ ‬وموثقة،‭ ‬لتبقى‭ ‬فلسطين‭ ‬عربية‭ ‬بالتاريخ‭ ‬والجغرافيا‭ ‬والعرق‭.‬

‮«‬الصراع‭ ‬وشهادة‭ ‬التوراة‮»‬‭ ‬كتاب‭ ‬صدر‭ ‬حديثا‭ ‬لحسن‭ ‬الشريف‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬والفلسفة‭ ‬ومقارنة‭ ‬الأديان،‭ ‬والكتاب‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬480‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬القطع‭ ‬الكبير،‭ ‬وصادر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الحكمة‭ ‬للطباعة‭ ‬والنشر‭ ‬والتوزيع‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬وقد‭ ‬استهل‭ ‬الباحث‭ ‬كتابه‭ ‬بإهداء‭ ‬إلى‭ ‬العنقاء‭ ‬التي‭ ‬تحترق‭ ‬حتى‭ ‬تصير‭ ‬رمادا‭.. ‬ثم‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬رمادها‭ ‬مجددا،‭ ‬وأكمل‭ ‬إهداءه‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭ ‬وسط‭ ‬نيران‭ ‬الزيف‭ ‬ليكشف‭ ‬كل‭ ‬الأغطية‭ ‬عن‭ ‬الجوانب‭ ‬المختلفة‭ ‬للقضية،‭ ‬متكئا‭ ‬على‭ ‬الجذور‭ ‬التاريخية‭ ‬والشهادات‭ ‬المتواترة‭ ‬عبر‭ ‬الأزمنة‭ ‬والعصور،‭ ‬لبيان‭ ‬الحق‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬والوطن‭ ‬بدون‭ ‬مواربة‭ ‬أو‭ ‬تدليس‭.‬

المتأمل في أسلوب الحياة الغربية بأنماطها العملية يستطيع بسهولة ملاحظة تباعدها الكلي عن النموذج الديني في الكتاب المقدس

تقول‭ ‬مقدمة‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬صاحبه،‭ ‬إن‭ ‬مراجعة‭ ‬أعمال‭ ‬من‭ ‬يسمون‭ ‬بمؤرخي‭ ‬التوراة،‭ ‬الذين‭ ‬حاولوا‭ ‬إعادة‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬القديم‭ ‬بشكل‭ ‬توراتي،‭ ‬بحت‭ ‬أو‭ ‬بالاستناد‭ ‬الملتوي‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬مستجدات‭ ‬العلوم‭ ‬المستحدثة‭ ‬للتأريخ،‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬وفلسفة‭ ‬وكشوف‭ ‬أثرية‭ ‬إلخ،‭ ‬يكشف‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬المحاولات‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬كونها‭ ‬تجارب‭  ‬فاشلة‭ ‬لإضفاء‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬المصداقية‭ ‬أو‭ ‬الشرعية‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬باعتباره‭ ‬امتدادا‭ ‬طبيعيا‭ ‬للمشروع‭ ‬القديم‭ ‬المزعوم،‭ ‬الذي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬القراءة‭ ‬التعسفية‭ ‬للأحداث‭ ‬كمنطق‭ ‬عقلاني‭ ‬يحتم‭ ‬مصداقية‭ ‬الأحداث‭ ‬التوراتية‭ ‬الأسطورية‭ ‬المنسلخة‭ ‬من‭ ‬سياقاتها‭ ‬التاريخية‭ ‬للتوظيف‭ ‬القسري‭ ‬لخدمة‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني،‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نصطدم‭ ‬بسؤال‭ ‬جبري‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رد‭ ‬صريح‭ ‬من‭ ‬مؤرخي‭ ‬التوراة،‭ ‬المصرين‭ ‬على‭ ‬الزعم‭ ‬بأن‭ ‬منبع‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬هو‭ ‬دولة‭ ‬اليهود‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭!‬

والرد‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المزاعم،‭ ‬حسبما‭ ‬يقول‭ ‬الكتاب‭ ‬أو‭ ‬المرجع‭ ‬التاريخي‭ ‬المهم‭ ‬لحسن‭ ‬الشريف،‭ ‬يأتي‭ ‬كالتالي‭: ‬إن‭ ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬الحياة‭ ‬الغربية‭ ‬بأنماطها‭ ‬السلوكية‭ ‬النفعية‭ ‬العملية‭ ‬السائدة‭ ‬يستطيع‭ ‬بسهولة‭ ‬ملاحظة‭ ‬تباعدها‭ ‬الكلي‭ ‬عن‭ ‬النموذج‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬المقدس،‭ ‬كما‭ ‬يستطيع‭ ‬أيضا‭ ‬ملاحظة‭ ‬الفرق‭ ‬والفصل‭ ‬والتباين‭ ‬بين‭ ‬تأثير‭ ‬الأنماط‭ ‬السلوكية‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحضارة‭ ‬الإغريقية‭ ‬والرومانية،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬المسيحية،‭ ‬والأنماط‭ ‬والنماذج‭ ‬السلوكية‭ ‬الشرقية‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬العهد‭ ‬القديم‭.‬

ويشير‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬التناقض‭ ‬الفج‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجزئية‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬ذاكرا‭ ‬أن‭ ‬المزاعم‭ ‬السابقة‭ ‬والمشار‭ ‬إليها‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬أجمع‭ ‬عليه‭ ‬كل‭ ‬المؤرخين‭ ‬بلا‭ ‬استثناء،‭ ‬بإثباتهم‭ ‬أن‭ ‬النهضة‭ ‬الأوروبية‭ ‬بدأت‭ ‬واستمرت‭ ‬بفصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬العلمانية،‭ ‬وأن‭ ‬نمو‭ ‬الأنماط‭ ‬السلوكية‭ ‬للحضارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الحديثة،‭ ‬تأثر‭ ‬بعوامل‭ ‬أبعد‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الأديان‭ ‬الوافدة‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بشكلها‭ ‬الأصلي،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لزاما‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬صبغة‭ ‬الثقافات‭ ‬الرومانية‭ ‬والإغريقية‭ ‬لكي‭ ‬تندمج‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المجتمعات‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه‭ ‬يؤكد‭ ‬حسن‭ ‬الشريف‭ ‬أن‭ ‬مؤرخي‭ ‬التوراة‭ ‬حاولوا‭ ‬فرض‭ ‬شرعية‭ ‬ومنطق‭ ‬للحاضر‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬اختلاق‭ ‬وتزوير‭ ‬الماضي،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذا‭ ‬صلة‭ ‬بالحقيقة‭ ‬التاريخية،‭ ‬ولا‭ ‬معطياتها‭ ‬ولا‭ ‬سنداتها،‭ ‬اللهم‭ ‬إلا‭ ‬صلته‭ ‬فقط‭ ‬بالفرضيات‭ ‬اللاهوتية‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬التوراة،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬خيال‭ ‬مريض‭ ‬منحاز‭ ‬ذي‭ ‬أغراض‭ ‬مادية،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬مرتكزات‭ ‬هذا‭ ‬التأريخ‭ ‬التوراتي‭ ‬تتهاوى‭ ‬واحده‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬أمام‭ ‬مستجدات‭ ‬مستحدثة،‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬لانبلاج‭ ‬الحقيقة‭ ‬سوى‭ ‬كشف‭ ‬الستار‭ ‬الديني‭ ‬الأسطوري‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الدعاوى‭ ‬التاريخية‭ ‬المغلوطة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المنشأ‭ ‬والتطور‭ ‬والأسلوب‭ ‬والهدف،‭ ‬وعليه‭ ‬فقد‭ ‬قسّم‭ ‬الشريف‭ ‬كتابة‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬فصول‭ ‬ضمت‭ ‬عناوين‭ ‬اضطلعت‭ ‬بعرض‭ ‬وتفسير‭ ‬الصراع،‭ ‬وقدمت‭ ‬شهادات‭ ‬معتبرة‭ ‬للقضية‭ ‬التاريخية‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬المنطقي‭ ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬التحليلات‭ ‬الدقيقة‭ ‬لكل‭ ‬عنوان‭ ‬على‭ ‬حدة‭.‬

في‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬يقدم‭ ‬قراءة‭ ‬وافية‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الذبيح‭ – ‬ابن‭ ‬العهد‭ ‬ـ‭ ‬ابن‭ ‬الوعد‭. ‬وفي‭ ‬الفصل‭ ‬الثاني‭ ‬يميط‭ ‬اللثام‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أنها‭ ‬الحقيقة‭ ‬المطلقة‭ ‬في‭ ‬عنوان‭ ‬جريء‭ ‬هو‭ ‬‮«‬ديانة‭ ‬بني‭ ‬إسرائيل‭ ‬وثنية‭ ‬من‭ ‬البداية‭ ‬للنهاية‮»‬،‭ ‬وكذا‭ ‬الفصل‭ ‬الثالث‭ ‬وعنوانه‭ ‬‮«‬يوسف‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬ورحلة‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬مصر‮»‬‭ ‬ـ‭ ‬وكذلك‭ ‬الفصل‭ ‬الرابع‭ ‬‮«‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬ورحلة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬مصر،‭ ‬والفصل‭ ‬الخامس‭ ‬الختامي‭ ‬‮«‬محاولة‭ ‬صياغة‭ ‬التاريخ‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الأسماء‮»‬،‭ ‬ويشتمل‭ ‬كل‭ ‬فصل‭ ‬من‭ ‬الفصول‭ ‬الخمسة‭ ‬وكل‭ ‬عنوان‭ ‬من‭ ‬العناوين‭ ‬المذكورة‭ ‬على‭ ‬السرد‭ ‬التاريخي‭ ‬للأحداث‭ ‬وقراءتها‭ ‬قراءة‭ ‬علمية‭ ‬متأنية،‭ ‬بعيدة‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬لغو‭ ‬السياسة‭ ‬والخطاب‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬الدعائي،‭ ‬سواء‭ ‬مع‭ ‬أو‭ ‬ضد‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية