اكتملت في الأسبوع الماضي 30 سنة على اتفاق أوسلو. لم يكن يوم ميلاد سعيداً ولكنه أيضاً ليس يوم جريمة قومية مثلما يدعي البعض، بل سلسلة أخطاء وافتراضات مغلوطة، ولو أن المؤرخة بربارا توخمان كانت في حينه على قيد الحياة لأدرجت له فصلاً في كتابها الشهير “مسيرة العبث”. ثنائي أكاديمي، موظفون غير مخولين، وزارة خارجية ورجل قانون وحيد، كانوا قد انشغلوا في آب 1993 بالعاصمة النرويجية في مفاوضات بهدف إنهاء النزاع مع الفلسطينيين، وإن كانوا ذوي نوايا طيبة لكنهم عديمو الصلاحيات والأهلية السياسية المناسبة وبلا أي خلفية أمنية.
إن الضرر الأخطر لأوسلو ليس فقط في قصر نظره السياسي والأمني ولا حتى بالتنازلات والمساومات التي قدمتها إسرائيل وتعهدت بتقديمها لاحقاً؛ إذ لا توجد مفاوضات وتوافقات بدون حلول وسط وتنازلات، بل في التغيير الجارف الذي طرأ على المبادئ والمواقف الأساسية لإسرائيل في النزاع مع الفلسطينيين. كان العبث الأول إدخال قيادة م.ت.ف برئاسة عرفات من منفاها في تونس عقب حرب لبنان، إلى مناطق “يهودا والسامرة” وغزة. وهكذا أعطت إسرائيل شرعية رسمية ونهائية لادعاء عرفات بتمثيل كل “الشعب الفلسطيني”، بمعنى عموم مئات آلاف اللاجئين وأنسالهم – تعريف أدخل إلى الاتفاق نفسه أيضاً. لقد أدى التنازل الإسرائيلي في هذا الموضوع إلى اعتراف دولي جزئي بـ “دولة فلسطين”، لرفع مكانة السلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة وفي مؤسسات دولية أخرى، بما في ذلك المحكمة الدولية في لاهاي. اعتراف إسرائيل بـ م.ت.ف كقيادة الشعب الفلسطيني كله خرب أيضاً على معارضتها المبدئية والعملية لـ “حق العودة” للاجئين إلى دولة إسرائيل. إن انعدام مسؤولية من أجرى المفاوضات في أوسلو، والحكومة في أعقابهم في أنهم لم يتشرطوا الاتفاق بإلغاء “حق العودة”، يصرخ إلى السماء، وقرر سوابق سلبية حول “خطة السلام العربية” ومناهج دولية أخرى.
مع أن حكومة رابين وصفت التسوية مع الفلسطينيين “حكماً ذاتياً” – ربما لتشير إلى تواصل مزعوم لاتفاقات كامب ديفيد- لكن مفهوم اتفاقات أوسلو يتعارض وسياسة إسرائيل، سواء في حكم “المعراخ” أم في عهد الليكود. ومع أن الأمور لا تقال بصراحة، فأثر اتفاقات أوسلو أن المكانة المؤقتة للضفة الغربية وغزة ستكون مرحلة انتقالية لتحولهما إلى دولة فلسطينية مستقلة – دون تناول ليس فقط حقوق السكان اليهود في مناطق “يهودا والسامرة” وحقوق الشعب اليهودي فيها، بل وأيضاً المسائل الأمنية المرتبطة بذلك.
واصلت حكومة رابين التمسك بأوسلو حتى عندما تفجرت الباصات في قلب تل أبيب وأماكن أخرى. ومع أن رابين نفسه لاحظ بأنه ليس متأكداً من أن “الفلسطينيين تخلوا عن الإرهاب” لكن شمعون بيرس هدأ من روعه بوجود “تعهد صريح من عرفات لوقفه”. لكن العلة الأكثر أساسية لاتفاق أوسلو أنه قام على أساس كذبة ولم تفهمها إسرائيل، أو لم ترغب في أن تفهمها؛ بأن الفلسطينيين لم يكونوا مستعدين، مثلما هم غير مستعدين الآن أيضاً للاعتراف بحق الشعب اليهودي بدولة خاصة به أو حتى بمجرد وجود شعب يهودي. من هنا، فأي تعهد من جانبهم تجاه إسرائيل يعتبرونه عديم المفعول. العراب النرويجي للمحادثات، تريه لارسن، قال لي بعد بضع سنوات في حديث عابر إنه استنتج بأن عرفات لم يقصد السلام الحقيقي، وأنه عندما بدا أن رابين بدأ يفهم هذا، كان الأوان قد فات. كل هذا لا يمنع محافل سياسية مختلفة من مواصلة نشر الكذبة، وكأن اغتيال رابين وانتصار نتنياهو في الانتخابات وضعا حداً لـ “فرص السلام”. اغتيال رابين كان بالفعل جريمة نكراء لا مغفرة لها، لكن في مقلوب على مقلوب عن الادعاءات آنفة الذكر، حسب كل الاستطلاعات، كان رابين يوشك على الخسارة أمام نتنياهو بفارق أكبر بكثير من ذاك الذي كان لنتنياهو تجاه بيرس. لقد كانت جريمة يغئال عمير من شأنها أن تحبط انتصار الليكود، لكن على نمط ناشري “التلفيقات”، فالتحريض ضد نتنياهو الذي بدأ في حينه ها هو يتواصل الآن وبقوة أكبر.
عندما أصبح نتنياهو لأول مرة رئيس وزراء، لم يلغِ اتفاق أوسلو – رغم أنه كان بوسعه حسب القانون الدولي – بسبب رد الفعل الدولي السلبي المرتقب، وكون الاتفاق يستند أيضاً إلى قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة 242 الذي يربط الانسحابات الإسرائيلية بتثبيت حدود آمنة. لكنه فهم بأن الطريق الأفضل لإيجاد تسوية ما في الموضوع الفلسطيني إلى جانب إقامة جبهة موحدة ضد التهديد من إيران، هو في إقامة جبهة علاقات سياسية واقتصادية، وفي بعضها أيضاً أمنية، مع العالم العربي تؤدي إلى حلول برغماتية للنزاع مع الفلسطينيين أيضاً. لقد أخلى وهم أوسلو مكانه لواقع اتفاقات إبراهيم – والتتمة، إذا لم تخربها الأحداث السياسية الداخلية في إسرائيل، على الطريق.
زلمان شوفال
معاريف 5/9/2023