بانتقال الصراع الروسي ـ الأمريكي من ميادين سوريا الدامية إلى أوكرانيا التي تعد بمثابة الحديقة الخلفية لموسكو، تكون العلاقات الدولية المعاصرة قد دخلت في جولة جديدة من عدم الاستقرار، الذي لا شك أنها ستشكل سمة أساسية لها لمدة ليست بالقليلة في أفق استقرارها النهائي، فتجاوز نظام هيمنة القطب الوحيد على العالم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، والاتجاه نحو عالم متعدد الأقطاب عسكريا واقتصاديا وثقافيا، لا بد أن يحدث على طول المسافة الفاصلة بينهما كثيرا من الهزات والارتجاجات الحادة على المسرح الدولي، ولعل الأزمة السورية التي دخلت حولها الثالث كانت من أبرز هذه الرجات، التي تعكس صراعا محتدما بين القوى الصاعدة والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، والتي استطاعت فيها روسيا وحلفاؤها الإقليميون أن يقلموا أظافر أمريكا بشكل جدي، على الرغم من كل محاولاتها المستميتة لتحقيق خرق ما في هذا البلد الجريح. ولقد دفع التعثر المرير والمحرج لكبرياء أقوى بلد في العالم إلى فتح ملفات ساخنة على طول خريطة العالم، من أجل تصفية حسابات عالقة بينها وبين روسيا، وإن كانت بحجم تجريب اللعب مع الدب الروسي في حديقته الخلفية أوكرانيا التي ترتبط مع روسيا بعلاقات تاريخية وعرقية ولغوية ضاربة الجذور، فما هي إذن حيثيات هذه الأزمة المستجدة، وكيف تكون تداعياتها على شكل النظام الدولي؟ إن قراءة موضوعية للازمة الأوكرانية في بعدها المتعلق بالصراع الروسي-الأمريكي، لا يمكن التوصل إليها بدون استحضار المحاولات الأمريكية الحثيثة لواشنطن، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي من أجل محاصرة روسيا وتطويقها، فمنذ أن شعر الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان بأن الأوان قد حان للانقضاض على الاتحاد السوفييتي وكسر معادلة التوازن التي حكمت العلاقة بينهما، حيث تبنت مشروع الدفاع الاستراتيجي التي ساهمت إضافة إلى ظروف ومعطيات أخرى في التعجيل بانهيار الإمبراطورية السوفييتية، لم تنفك أمريكا عن العمل على تطويق المحيط الاستراتيجي لروسيا، باعتبارها وريثا للاتحاد السوفييتي، وذلك عبر استمالة الجمهوريات السوفييتية السابقة إلى دائرة الغرب، وإقامة دروع صاروخية في إطار ما سمي منظومات صاروخية اعتراضية فيها، في أفق إلحاقها بالحلف الأطلسي، هذا بدون أن تنسى العمل على تطويق المحيط الاسيوي لروسيا بقواعد أمريكية، مما ولد انزعاجا روسيا شديدا من هذا التوسع الأمريكي الذي يحاول خنق روسيا، والذي ظهر للعلن مع تولي بوتين لرئاسة روسيا، حيث تساءل بوتين في مؤتمر ميونيخ بألمانيا: ضد من يوجه هذا التوسع؟ حيث أجاب مؤكدا بأنه موجه ضد روسيا. في هذا السياق فإن التدخل الغربي في الأزمة الأوكرانية وما استتبعته من خديعة كبرى للرئيس يانكوفيش، حيث استغلت المعارضة الأوكرانية الاتفاق المبرم بينها وبين يانكوفيش برعاية أوروبية من أجل السيطرة على السلطة والتنصل من تعهداتها، وما تلا ذلك من قرارات اعتبرتها روسيا مسا بأمن وحقوق نسبة كبيرة جدا من المواطنين الروس والناطقين بالروسية في أوكرانيا، خاصة في شبه جزيرة ‘القرم’ ذات الغالبية الروسية، مما حدا بموسكو إلى اتخاذ تدابير قوية، وإن لم تصل إلى حد استعمال القوة العسكرية، واعتبرت السلطات الجديدة في ‘كييف’ بأنها غير شرعية وانقلابية. في حقيقة الأمر ومهما كانت حيثيات الأزمة الأوكرانية، التي لا شك أنه إضافة للتدخلات الغربية الواسعة فيها، لها شق موضوعي وعادل يتمثل بمجموعة من الاختلالات الاقتصادية، واستشراء الفساد لدى الكثير من المسؤولين الأوكرانيين، بمن في ذلك الرئيس يانكوفيش، فإن هذه الأزمة تعكس صراعا غربيا- روسيا محتدما ذا بعدين أساسين، يتمثل الأول في صراع المصالح القومية والإستراتيجية للدول، والثاني يتعلق بالصراع على تثبيت المعادلات الجديدة على المسرح الدولي، التي تسير بالعالم بشكل حثيث نحو عالم متعدد الأقطاب، وما يقابله من استماتة من أجل إجهاض هذا الاتجاه وإعادة العالم نحو الأحادية القطبية وتكريسها من جديد. والواقع أن التاريخ يسير قدما نحو الأمام، ويكاد يكون من المستحيل إعادة عقارب الساعة نحو الخلف، فأمريكا المنهكة والمستنزفة في حروب خاسرة، خاصة في العراق وأفغانستان، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية الحادة التي ضربت العالم، لن تستطيع أن تجهض إرادة دول كبيرة مثل روسيا والصين وبقية دول ‘البريكس’، من أجل تبوء مكانتها اللائقة كأقطاب فتية وطموحة، على المستوى الاقتصادي والثقافي وحتى العسكري، ويبقى تلويح واشنطن بعزل موسكو وفرض عقوبات عليها مجرد كلام لا يسنده الواقع، فأمريكا العاجزة على تطويع إيران، على الرغم من كل أنواع العقوبات التي فرضتها عليها منذ 1979، والتي لم تستطع تحقيق شيء يذكر على مستوى الملف النووي الإيراني والأزمة السورية، بالتأكيد لا يمكنها التأثير على العملاق الروسي الذي يتربع على جغرافيا هائلة تمتد من أقصى آسيا إلى تخوم أوروبا، وبحجم ثرواتها الكبيرة والمتنوعة وبعلاقاتها المتعددة، خاصة مع دول ‘البريكس’ ودول إقليمية أخرى جد مهمة، زد على ذلك الارتباط الوثيق لأوروبا المنهكة اقتصاديا بمصادر الطاقة الروسية، كل ذلك يؤدي إلى التأكيد على أن الغرب هو الذي يحتاج لروسيا وبشدة وليس العكس، هذا بدون أن نغفل أن اتخاذ روسيا لإجراءات تصعيديه على المستوى الاقتصادي، من قبيل التخلي عن الدولار واستغلال سندات الدين الأمريكي الذي تمتلك فيه روسيا والصين لوحدهما 28 في المئة، من شأنه أن يحدث هزة قوية للاقتصاد الأمريكي ومن ثم العالمي. إن سنن التاريخ ومنطق الأمور يؤدي بنا إلى القول بأن التدافع بين الأمم دائما ما يؤدي إلى تغيرات وتبديلات في موازين القوة الحضارية والثقافية والعسكرية والاقتصادية، بين الدول التي تمتلك إرادة المساهمة في مسيرة الإنسانية لا مجرد البقاء على هامش هذه المسيرة، وعلى عكس نظرية نهاية التاريخ لصاحبها فرانسيس فوكوياما، التي حاول فيها تكريس الهيمنة الأمريكية ونموذجها الديمقراطي الليبرالي على العالم، فإن ما نشهده من حراك قـــوي، خاصة في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، وبروز اقتصاديات قوية وفتية جديدة، إضافة إلى انحسار الهيمنة الأمريكية كلها مؤشرات قوية لنظام عالمي جديد قوامه تعدد القطبية على كل المستويات، وهنا فإنه إذا كان الغرب قد اتهم روسيا بانتهاج تصرفات في أوكرانيا تنتمي إلى قرون غابرة فإن هذا الغرب نفسه عندما يتحدث عن عزل روسيا وفرض عقوبات عليها يكون عمليا قد وضع نفسه في خانة العقليات، ليست التي تنتمي إلى قرون غابرة فقط، بل تنتمي إلى اللحظات الأكثر تخلفا وظلما لشعوب العالم عبر التاريخ كلها.