الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: استيطان وتهويد على الأرض واستنكارات في الهواء

وديع عواودة
حجم الخط
3

أكثر من نصف مليون مستوطن يستخدمهم الاحتلال رأس حربة

الناصرة ـ «القدس العربي»:  رغم التصريحات والانتقادات الدولية، تواصل حكومة الاحتلال زرع الأراضي الفلسطينية استيطانا وتهويدا واعتداءات يومية بأشكال ووسائل مختلفة، فيما تتعرض مدينة القدس ومحيطها لتصعيد إسرائيلي يسابق الزمن لاستكمال عزلها وتغيير معالمها وقطع الطريق على ما تبقى من فرص لتسوية الدولتين وهذا ما تعتبره بعض الجهات الإسرائيلية غير الرسمية مسّا بمصلحة عليا لإسرائيل أيضا. وإزاء هذا التصعيد الاستيطاني قالت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، إن استعادة الأفق السياسي لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تبدأ بوقف الاستيطان وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني. ورحبت الوزارة في بيانها بالإجماع الدولي على نصرة القضية الفلسطينية وحقوقها العادلة والمشروعة، والذي تجلى مؤخرا في يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، وبالقرارات الأممية التي اعتمدتها الأمم المتحدة في مجالسها ومؤسساتها ومنظماتها بشأن قضيتنا، والتي أكدت الإجماع الدولي الذي يطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتدعم نيل شعبنا لحقوقه الوطنية العادلة والمشروعة. وشددت على أن اعتماد هذه القرارات غير كاف، خاصة في ظل استمرار الاستيطان وانتهاكات وجرائم الاحتلال ومستوطنيه المتواصلة، داعية لترجمة القرارات إلى إجراءات عملية كفيلة بتوفير الحماية الدولية لشعبنا ووقف الحرب الشاملة على حقوقه، وإطلاق عملية سلام جدية بإشراف الرباعية الدولية ضمن سقف زمني محدد لإنهاء الاحتلال وتطبيق مبدأ حل الدولتين. واعتبرت الوزارة استمرار اعتداءات المستوطنين، امتدادا لهجمة الاحتلال الشرسة ضد المواطنين في عموم المناطق، خاصة جنوب نابلس، بهدف سرقة مزيد من الأرض الفلسطينية، وتوسيع البؤر الاستيطانية والمستوطنات القائمة، وربطها بعضها وتحويلها إلى تكتل استيطاني ضخم يفصل شمال الضفة عن وسطها. كما قالت إن الاعتداءات تتزامن مع تصعيد ملحوظ في عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية في أرجاء الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية وبلداتها وأحيائها. وحملت الوزارة حكومة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة والمباشرة عن إرهاب المستوطنين، الذين ينفذون اعتداءاتهم بحماية من المستوى السياسي والعسكري الإسرائيلي. وحذرت الخارجية من استمرار جرائم المستوطنين، ونتائجها وتداعياتها على ساحة الصراع برمتها، خاصة على فرصة تحقيق السلام وفقا لمبدأ حل الدولتين ومرجعيات السلام الدولية. بالتزامن تحذر الرئاسةُ الفلسطينيةُ من خطورة تصعيد الاستيطان الإسرائيلي في مدينة القدس وتعتبره خطيرا ويدفع بالمنطقة نحو التصعيد، وصرّح الناطق الرسمي باسمها نبيل أبو ردينة، في بيان رسمي، بأن «جميع أشكال الاستيطان الإسرائيلي لأراضي دولة فلسطين غير شرعي وغير مقبول».

هل تقرن الأقوال بالأفعال؟

واعتبر أبو ردينة إن القرار الإسرائيلي بإقامة حي استيطاني على أرض مطار قلنديا في القدس «خطير لأن المساس بالمطار هو مساس بأحد الرموز السيادية لدولة فلسطين، التي اعترف بها المجتمع الدولي في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012». واستذكر أبو ردينة أن المجتمع الدولي بأسره أقرّ عبر القرار الأممي 2334 بإدانة الاستيطان، وأعلن بصراحة رفضه لكل أشكال الاستيطان التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لفرض سياسة الأمر الواقع، سواء في مدينة القدس المحتلة أو باقي الأراضي الفلسطينية. كما اعتبر أن «محاولات التضليل التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية لخداع الرأي العام الدولي حول الاستيطان، بأنه لن يتم تمرير مشاريع استيطانية كبيرة في الوقت الحالي، هي محاولات فاشلة لن تنطلي على أحد». مشددا على أن الاستيطان وسياسة الضم تجري على قدم وساق في تحدٍّ واضح لسياسة الإدارة الأمريكية التي أكدت رفضها الاستيطانَ، والتي يجب عليها أن تتخذ موقفًا واضحًا وصريحًا من هذه الممارسات. مشددا على أن منطقة الأغوار في الضفة الغربية «جزء لا يتجزأ من أراضي الدولة التي لن يتم التنازل عن شبر منها مهما كان الثمن». وأكد أبو ردينة أن السلام والاستقرار يتمان فقط من خلال الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وليس عبر سياسة الاستيطان والضم التي أثبتت «فشلها بصمود الفلسطينيين وتمسكهم بالثوابت الوطنية التي لن نتنازل عنها». وأعلن أن القيادة الفلسطينية ستتخذ القرارات المناسبة لحماية حقوق الشعب الفلسطيني لأنها «لن تقبل بأي حال من الأحوال استمرار الاحتلال للأبد وتطبيق سياسة الضم والتوسع وسرقة الأرض الفلسطينية».

استيطان جديد في شمال القدس

وفيما تواصل السلطة الفلسطينية التنديد والاستنكار وإصدار البيانات صادقت لجنةُ التخطيط والبناء التابعة لبلدية الاحتلال الإسرائيلي في القدس على مخطط استيطاني ضخم يقام على أراضي مطار القدس الدولي قلنديا، وهذا يندرج ضمن مخططات الاحتلال لخنق القدس وإحاطتها بزنار استيطاني واسع. ويشمل المخططُ الاستيطاني بناءَ نحو 11 ألفَ وحدة استيطانية وفنادق ومرافق وحدائق عامة ومناطق صناعيّة تُقام على 2431 دونما شمالي القدس المحتلة. وكان المخطط قد وضع قبل عدة سنوات، وتم تجميده في أكثر من مناسبة بسبب الضغوط السياسية الدولية الرافضة للاستيطان، بالإضافة إلى المعارضة التي أبدتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة للتوسع الاستيطاني في القدس. ويعد ملف الاستيطان أبرز أوجه الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وأحد الأسباب الرئيسية لتوقف آخر مفاوضات للسلام بين الجانبين قبل منتصف العام 2014.

مطار مشترك

ويأتي ذلك بعد يوم واحد من دعوة وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي عيساوي فريج حكومة الاحتلال الإسرائيلية إلى ترميم وفتح مطار قلنديا في القدس المحتلة الذي افتتح عام 1920 وأغلق في العام 2000 مع بدء الانتفاضة الثانية، كمطار إسرائيلي فلسطيني مشترك. وقال فريج وهو فلسطيني من مدينة كفرقاسم ومنتسب لحزب «ميرتس» الصهيوني اليساري في بيان صادر عن مكتبه إنه «مع زيادة احتياجات الطيران الإسرائيلي واقتراب مطار بن غوريون في تل أبيب من عتبة طاقته الاستيعابية، ومع استمرار تأجيل القرار بشأن موقع المطار الإضافي لإسرائيل، علينا استخدام المورد الحالي من المطار القائم في قلنديا وإعادة فتحه كمطار إسرائيلي – فلسطيني مشترك». وأضاف أن إعادة تأهيل المطار وافتتاحه من جديد يلبي احتياجات الطيران لمنطقة القدس وكذلك يلبي حاجة سكان السلطة الفلسطينية كبوابة دخول وخروج جوي.

الموقف الأمريكي

وسيطرت إسرائيل على الضفة الغربية في العام 1967 وأقامت عليها المستوطنات، التي تُعتبر مخالفة للقانون الدولي، لكن وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو، أعلن في تشرين الثاني/نوفمبر العام 2019 أنها لا تنافي القانون الدولي، في خطوة استفزازية قوبلت برفض فلسطيني قاطع. من جهته دعا وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت، إلى الامتناع عن أيّة إجراءات أحادية الجانب في الضفة الغربية، بما في ذلك الاستيطان. وقال بلينكن إنّ هذه الإجراءات من شأنها أن تزيد التوتر وأن تقلّص جهود الدفع بحلّ الدولتين عبر المفاوضات داعيا السلطة الفلسطينيّة إلى الامتناع عن الخطوات الأحادية. وتطرّق بلينكن وبينيت في محادثتهما قبل يومين إلى مصادقة بلدية الاحتلال في القدس على آلاف الوحدات السكنية في مطار قلنديا الدولي، لتوسيع المنطقة الصناعية الإسرائيلية قلنديا وأبلغ بينيت بلينكن أن القرار لم يصل إلى المستوى السياسي بعد.

السلام الآن: الاستيطان أبشع وجه للاحتلال

إلى ذلك أكدت حركة السلام الآن الإسرائيلية إن الاستيطان في الخليل هو أبشع وجه للاحتلال وقالت إنه تم ببساطة إفراغ شوارع بأكملها في قلب المدينة من سكانها الفلسطينيين، لصالح بضع مئات من المتطرفين. وأضافت الحركة، في منشور صدر عنها تعقيبا على اقتحام الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوغ للحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل في الأسبوع الماضي من بين كل الأماكن، اختار الرئيس اسحق هرتسوغ الحرم الإبراهيمي في الخليل ليضيء الشمعة الأولى لعيد الأنوار مع النائب العنصري إيتمار بن غفير وأصدقائه من اتباع كاهانا المتطرفين.

عُنف المستوطنين أداة إسرائيل

كما وتؤكد منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية في تقريرها الأخير على بشاعة الاستيطان وتشدد على أن الدولة اليهودية ترعاه بطرق شتى وشددت على أن أن عُنف دولة الاحتلال -المنظم الرسمي أو غير الرسمي- الذي يتم من خلال المستوطنين، هو جزءٌ لا يتجزّأ من نظام الآبارتهايد الرامي لتهويد فلسطين بين النهر والبحر. وتنبه أن نظام الآبارتهايد الإسرائيلي يدأب على تشظية المجال الفلسطيني وتفتيته وعلى تجريد الفلسطينيين من أراضيهم وزجّهم في معازل ضيقة ومكتظة.
وحسب «بتسيلم» أقامت إسرائيل في أنحاء الضفة الغربية أكثر من 280 مستوطنة يقيم فيها أكثر من 440 ألف مستوطن عدا عن مستوطني القدس، تعترف إسرائيل رسمياً بـ138 مستوطنة منها (لا يشمل الأحياء الـ12 التي أنشأتها إسرائيل فوق الأراضي التي ضمتها إلى القدس المحتلة) وهناك نحو 150 بؤرة استيطانية لا تحظى باعتراف رسمي من الدولة، وما يقارب ثُلث البؤر الاستيطانية أقيم خلال العقد الأخير ويسمّى معظمها «مزارع».
وتسيطر المستوطنات في الضفة الغربية على مئات الآلاف من الدونمات، وهي أراضٍ يُمنع أو يُقيّد دخول الفلسطينيين إليها، بعض هذه الأراضي استولت عليه إسرائيل بوسائل رسميّة -عبر أوامر عسكرية أو عبر إعلانها «أراضي دولة» أو «مناطق إطلاق نار» أو «محميّات طبيعيّة» أو عبر مصادرتها؛ وبعضها الآخر استولى عليه مستوطنون بالقوّة المجرّدة بواسطة عُنف يومي يمارسونه ضد السكان الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وسبق أن طالبت خمس دول في مجلس الأمن بوقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة والقدس الشرقية هي فرنسا وإستونيا وأيرلندا والنرويج، وألبانيا العضو القادم في مجلس الأمن منذ مطلع العام المقبل.
جاء ذلك في بيان أصدره ممثلو فرنسا وإستونيا وأيرلندا والنرويج، وألبانيا العضو القادم في المجلس اعتبارا من كانون الثاني/يناير المقبل، وذلك عقب انتهاء جلسة مشاورات مغلقة عقدها المجلس لمناقشة قرار إسرائيل الصادر في تشرين الأول/اكتوبر الماضي الذي صنّف ست منظمات فلسطينية على أنها «إرهابية». وقال مندوب إستونيا الدائم لدى الأمم المتحدة سفين يورغنسون، للصحافيين بمقر المنظمة الدولية في نيويورك، إن الدول الخمس اتفقت على إصدار بيان دعت فيه حكومة إسرائيل إلى وقف البناء الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وأضاف «نكرر معارضتنا القوية لتوسيع المستوطنات، ونؤكد أننا لن نعترف بأي تغييرات لحدود ما قبل عام 1967، بما في ذلك ما يتعلق بالقدس، بخلاف تلك التي يتفق عليها الطرفان». ويبقى السؤال إذا كان الاحتلال سيكترث ببيانات الإدانة الدولية طالما لا يتعرض لعقوبات حقيقية على انتهاكاته للقانون الدولي بشكل صارم والتي تهدد السلطة الفلسطينية بمواصلة مقاضاة إسرائيل عليها في محافل عالمية مكنها محكمة الجنايات في لاهاي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية