الصراع الكبير على النفط والغاز في بحر الصين الجنوبي

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

الصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم. وهي تستهلك وحدها تقريبا ما يعادل كل إنتاج روسيا أو الولايات المتحدة من النفط الخام سنويا. وتعتبر الصين وحدها القوة الرئيسية في سوق تجارة النفط التي تؤثر في أسعار الخام مباشرة من يوم إلى آخر، اعتمادا على قوة الطلب ومعدل النمو المحلي. وقد تدهورت أسعار النفط مع تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، لأن هذه الحرب تركت أثرا سلبيا على النمو في الصين، مما أدى إلى انخفاض الطلب على النفط. وكانت الصين تستهلك في السنوات الماضية كمية تصل إلى أكثر من 13 مليون برميل يوميا في المتوسط، لكن كمية الواردات انخفضت، بسبب تراجع النمو، إلى أقل من 10 ملايين برميل يوميا. ومع ذلك فإن عودة النمو تمثل دافعا لزيادة الواردات، ومن ثم إلى ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية، وهو ما لاحظناه خلال الشهر الأخير من عام 2019.

وتمثل روسيا أهم مصدري النفط الخام إلى الصين، بكمية تصل إلى 1.5 مليون برميل يوميا، تليها السعودية وأنغولا والعراق وسلطنة عمان وإيران. كذلك تصدر هذه الدول ومعها قطر إلى الصين كميات ضخمة ومتزايدة من الغاز الطبيعي أو الغاز المسال، في إطار اتفاقات طويلة المدى. وقد زاد في العقد الثاني من القرن الحالي اعتماد الصين على الغاز الطبيعي بمعدلات متسارعة، نظرا للتحول من الفحم إلى الغاز في تشغيل محطات الطاقة، بسبب اعتبارات المحافظة على البيئة من التلوث، وزيادة استهلاك الطاقة بشكل عام. ويبلغ مجموع الطلب على الغاز في الوقت الحالي ما يقرب من 320 مليار متر مكعب سنويا، تستورد الصين حوالي 45 في المئة منها بعد أن كانت تستورد في عام 2010 ما يقرب من 10 في المئة فقط من احتياجاتها من الغاز. وتتوسع الصين حاليا في الاعتماد على الغاز الطبيعي المستورد من شرق سيبيريا بواسطة خط أنابيب عملاق، من شأنه أن يغير قواعد التعامل في سوق الغاز في جنوب شرق آسيا.

موارد بحر الصين الجنوبي

 

هذا الاعتماد المتزايد على امدادات الطاقة من الخارج يعتبر خللا اقتصاديا، ويمثل تهديدا للأمن القومي الصيني، ما يستلزم زيادة الاعتماد على النفس عن طريق تنمية الموارد المحلية، وعن طريق زيادة الاستثمارات الصينية الخارجية في قطاع النفط والغاز حول العالم. وتقوم الصين، عن طريق شركاتها النفطية الثلاث الرئيسية، باستثمارات ضخمة في بلدان مثل نيجيريا وأنغولا وإيران، بهدف الاستحواذ على نصيب مضمون من الثروة النفطية لهذه البلدان. كذلك فإن الشركات الصينية تنفذ أيضا استثمارات ضخمة في المناطق الغنية بالنفط والغاز داخل الأراضي الصينية، إضافة إلى التوسع الكبير في صناعة الطاقة المتجددة، خصوصا مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وقد استطاعت الصين ان تقطع فعلا شوطا طويلا في هذا الاتجاه.

ونظرا للارتفاع المتزايد في احتياجات الصين من امدادات الطاقة فقد اتجهت إلى اتخاذ إجراءات جادة للتنقيب عن النفط والغاز في بحر الصين الجنوبي الممتد من جنوب غرب سنغافورة إلى شمال شرق تايوان. وتقدر هيئة المساحة الأمريكية الاحتياطيات المؤكدة في هذه المنطقة بما لا يقل عن 12 مليار برميل من النفط الخام، وحوالي 190 تريليون قدم مكعب من الغاز. ويعتبر هذا التقدير محافظا إلى حد كبير، كما إنه يعود إلى عمليات مسح جيولوجي جرت حتى عام 2012.

وتقدر الشركات الصينية العاملة في بحر الصين الجنوبي، ثروة النفط والغاز الكامنة في قاع البحر بحوالي 125 مليار برميل من النفط الخام، وما يقرب من 500 تريليون قدم مكعب من الغاز. ولا توجد حتى الآن تقديرات مستقلة، ترجح أرقاما محددة للاحتياطي القابل للاستغلال التجاري، وإن كانت التقديرات الصينية هي الأحدث، والتي تخضع لإعادة التقييم، وفقا لنتائج الأبحاث الجيولوجية والمسح السيزمي التي لا تتوقف. ويجب الإشارة إلى أن عمليات المسح لا تغطي المساحة الكلية لبحر الصين الجنوبي، نظرا لوجود نزاعات بين الصين وبين الدول الأخرى المطلة على البحر.

النزاعات بين الصين وجيرانها

 

تطالب الصين بالسيادة على ما يقرب من 90 في المئة من مياه بحر الصين الجنوبي، وهو ما تسبب في خلافات حادة مع عدد من دول البحر، خصوصا مع فيتنام وماليزيا والفلبين. وقد تحولت هذه الخلافات إلى نزاعات دولية، في محافل الأمم المتحدة وهيئة التحكيم الدولية في لاهاي. وعلى الرغم من صدور حكم ضد الصين من هيئة التحكيم الدولية، لصالح الفلبين في عام 2016 فإن سفن المسح الجيولوجي والتنقيب الصينية استمرت في عملها في المياه المتنازع عليها مع الفلبين بعد صدور الحكم. ولجأت الدولتان إلى استخدام قنوات التفاوض الثنائية من أجل التوصل إلى حل للنزاع، حتى تم لقاء بين الرئيسين الصيني والفلبيني في آب/أغسطس الماضي، ساعد على التوصل إلى اتفاق للمشاركة في التنقيب عن النفط والغاز تم توقيعه في 17 كانون الأول/ديسمبر الحالي. ومع أن الاتفاق لا يحدد بوضوح حقوق والتزامات الطرفين، إلا أنه يوفر فرصة للعمل المشترك في استثمار ثروات المياه المشتركة، على أن يتم لاحقا الاتفاق على قواعد تقسيمها بينهما.

كذلك توجد نزاعات بين الصين وبين الأطراف الأخرى في بحر الصين الجنوبي، لكن أخطر هذه النزاعات هو مع فيتنام، التي تعتبر الخصم الرئيسي للصين في جنوب شرق آسيا. ولا تبدو في الأفق حاليا أي بوادر على تسوية النزاع بين البلدين، وهو النزاع المنظور حاليا داخل الأمم المتحدة، لكن لم تصدر فيه قرارات نهائية حتى الآن. ويعتبر الصراع على النفط والغاز في بحر الصين الجنوبي، هو أخطر الصراعات الاقتصادية التي قد تنقلب في أي لحظة إلى مواجهة عسكرية بين الطرفين. وتوجه فيتنام اتهامات للصين بأنها تتحرش بسفنها العاملة في التنقيب عن النفط والغاز داخل المياه الإقليمية الفيتنامية، بهدف وقفها عن أعمال التنقيب تماما في المياه المقابلة لشواطئها.

شكوى ضد الصين

وقد تقدمت كل من فيتنام وماليزيا بشكوى ضد الصين في الأمم المتحدة عام 2009 تتهمها بانتهاك حقوق السيادة لكل من الدولتين في داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما. وربما تكون هذه الشكوى من أصعب القضايا التي تنتظرها حاليا لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالتحقيق في نزاعات ترسيم حدود المناطق الاقتصادية الخالصة في البحار، وذلك نظرا لوجود عدد كبير من الجزر، إضافة إلى أهمية الممر المائي الحيوي الذي تمر منه بضائع ومنتجات مختلفة بين الشرق والغرب وبالعكس، تقترب قيمتها من 3.5 تريليون دولار سنويا.

كذلك تواجه الصين اتهامات من دول جنوب شرق آسيا مثل إندونيسيا وماليزيا والفلبين بأنها تستخدم فوائضها التمويلية الضخمة، وقدرتها على تقديم القروض، وإقامة مشروعات البنية الأساسية لمبادرة الحزام والطريق، في ترسيخ نفوذها والتعدي على حقوق وثروات جيرانها في بحر الصين الجنوبي. وتستخدم هذه الدول في محاولات تسوية نزاعاتها مع الصين، أساليب الحوار والمفاوضات الثنائية وفي المحافل الدولية، من أجل عدم تعقيد العلاقات فيما بينها. ومن المؤكد ان الولايات المتحدة تلعب دورا مهما في استغلال نزاعات بحر الصين الجنوبي لمصلحتها ومصلحة حلفائها، في واحدة من أخطر مناطق الصراع في العالم.

ومن المتوقع أن تزداد حرارة نزاعات بحر الصين الجنوبي في العام المقبل 2020 عندما تنتقل قيادة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) إلى فيتنام، التي ستحاول استثمار فترة رئاستها لتحريك قضايا الخلاف بين معظم دول الرابطة وبين الصين، فيما يخص استثمار ثروات النفط والغاز في بحر الصين الجنوبي. وتقدر هيئة معلومات الطاقة الأمريكية احتياطي فيتنام من النفط والغاز، بما في ذلك المكامن البحرية في قاع بحر الصين الجنوبي بنحو 3 مليارات برميل من النفط وما يقرب من 20 تريليون قدم مكعب من الغاز، وذلك طبقا لمعلومات المسح الجيولوجي حتى عام 2013 وهو ما كان يعادل ضعف الاحتياطي المؤكد لدى الصين في ذلك الوقت. وتسعى فيتنام بقوة إلى الاستفادة من النموذج الصيني في التنمية لتحقيق السبق على الصين نفسها، والتقدم إلى مكانة تنافسية متميزة في منطقة جنوب شرق آسيا.

ومع تنامي سرعة النمو الاقتصادي في فيتنام، وزيادة حدة الضغوط العسكرية الأمريكية على الصين في المحيط الهادي وجنوب شرق آسيا، فإن الصراع على النفط والغاز في بحر الصين الجنوبي، أصبح أحد أهم محركات تطوير القوة البحرية للصين، وانتقالها من قوة عادية إلى قوة من الطراز الأول، مزودة بأسلحة حديثة متقدمة مثل الغواصات النووية وحاملات الطائرات، والصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، إضافة إلى قوة الردع الرئيسية المكونة من الصواريخ البالستية العابرة للقارات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية