القاهرة – رويترز: يشتبك الرئيس الجديد المصري محمد مرسي وخصومه العسكريون في صراع على السلطة السياسية فيما يأمل المصريون توصل الطرفين إلى صيغة للعمل معا لتجنب السقوط في براثن فوضى اقتصادية.
فعلى مدار أسبوعين منذ تنصيبه تحدى الرئيس محمد مرسي صراحة المجلس الأعلى للقوات المسلحة من خلال دعوة مجلس الشعب الذي يهيمن عليه الاسلاميون للانعقاد بعد أن حله المجلس العسكري عشية انتخاب مرسي. وهذه المواجهة السياسية قد تصيب الحكومة بالشلل وقد يكون أول الضحايا هو الاقتصاد المصري الهش الذي يتجه سريعا صوب أزمة في الميزانية وميزان المدفوعات.
وأسفر عام ونصف من الاضطرابات عن تخويف السياح ونزوح المستثمرين وتقويض النمو الاقتصادي. ويحتاج المصريون أن ينحي قادتهم الصراع السياسي جانبا بسرعة.
يقول شادي حامد من مركز بروكنغز الدوحة للدراسات ‘كل من الجيش والاخوان مصمم على البقاء في المستقبل المنظور ولا يتمتع أي منهما بالقوة الكافية كي يهزم الآخر لذا يجب أن يكون هناك شيء من التسوية’. وفي ظل وضع الشد والجذب بين الطرفين لن يتحمل الاقتصاد هذه المواجهة لفترة طويلة. ويقول الاقتصادي سعيد الهرش من كابيتال ايكونوميكس ‘يمكن أن يستمروا على هذا الوضع لشهور وليس لسنوات’. ويريد مرسي – الذي تعرضت جماعة الاخوان التي ينتمي اليها للقمع خلال حكم رؤساء ينتمون للمؤسسة العسكرية- أن يحد من نفوذ المجلس الأعلى للقوات المسلحة ويقلص المصالح الاقتصادية الهائلة التي يسيطر عليها. لكن يتعين عليه أيضا تلبية مطالب الناخبين الذين يتوقون للوظائف والأمن بعد فترة مرهقة من الاضطرابات منذ أطاحت انتفاضة شعبية بمبارك في فبراير شباط من العام الماضي.
يقول حامد ‘المواجهة مع المجلس الأعلى وتحسين الوضع الاقتصادي لا يتفقان دائما. أحيانا يجب عليك أن تختار أن تعطي أولوية لأحدهما على الآخر’. وربما كلفت الأزمة السياسية بالفعل مرسي وقتا ثمينا لاصلاح الوضع الاقتصادي وهناك مهام ضخمة في انتظاره. فالاحتياطيات المصرية من النقد الأجنبي هوت إلى 15.5 مليار دولار، وهو ما يقل كثيرا عن نصف المستوى الذي كانت عليه حين اندلعت الانتفاضة ضد مبارك في كانون الثاني/يناير 2011. وبلغت الفائدة على أذون الخزانة المصرية لأجل عام 16 في المئة وهو أعلى مستوياتها منذ عشر سنوات.
وقال سايمون وليامز الاقتصادي لدى اتش.
اس.
بي.
سي في دبي ‘تشكيل حكومة شرعية وإثبات أن هذه الحكومة قادرة على وضع السياسات وتنفيذها أمر ضروري لاقناع المستثمرين الذين يؤمنون بآفاق الاقتصاد المصري في الأجل الطويل أن بإمكانهم ضخ رؤوس أموال الآن’. ويتعين على مرسي أن يقنع صندوق النقد الدولي بأن له سيطرة كافية على الحكومة وانه يتمتع بتأييد سياسي واسع يمكنه من تنفيذ اجراءات تقشف من المتوقع أن يطلبها الصندوق قبل أن يوافق على منح مصر قرضا بقيمة 3.2 مليار دولار.
وربما تتيح المساعدات الخارجية لمرسى فترة لالتقاط الأنفاس. فقد قام بزيارة السعودية هذا الأسبوع في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه. كما أن الغرب الذي يخشى من عدم الاستقرار في أول دولة عربية تبرم اتفاقا للسلام مع اسرائيل لا يريد أيضا أن تخفق مصر.
لكن المساعدات السعودية أو الأمريكية لن تكفي لفترة طويلة. فمصر في حاجة إلى استعادة ثقة فئات شتى من المستثمرين الأجانب، من المشترين الغربيين للسندات إلى الشركات متعددة الجنسيات التي كانت حتى الاطاحة بمبارك تضخ سيولة وتخلق فرص عمل وتساهم في النمو، حتى وإن شكا المصريون من أن الأغنياء فقط هم من جنوا هذه الثمار.
يقول وليامز ‘المساعدات الخارجية ستمهل مصر بعض الوقت لكن مصر في حاجة للاصلاح والوصول إلى رؤوس الأموال الخاصة وتحقيق النمو إذا ما أرادت أن تعوض الخسائر التي تكبدتها خلال الثمانية عشر شهرا الأخيرة’. وقال دبلوماسي غربي إن مصر دائما ما تجد وسيلة لتجنب الكارثة لكن هذا وحده لن يكون كافيا لتلبية تطلعات الشعب الذي ينتظر مستقبلا أفضل. وأضاف الدبلوماسي ‘سيجدون دوما وسيلة يتدبرون بها أمرهم لكن هذا لن يقدم حلا… الحل يكمن في القيام بشيء مختلف’. في السنوات التي سبقت الانتفاضة نما الاقتصاد بنسبة سبعة في المئة ما أكسب مصر وضعا مميزا لدى مستثمري الأسواق الناشئة. لكن النمو تراجع الآن لما دون اثنين بالمئة وهو ما يقل كثيرا عن المستويات المطلوبة لتوفير الوظائف للشبان الذين قادوا الاحتجاجات ضد مبارك.
وفقد الجنيه المصري أربعة في المئة فقط من قيمته مقابل الدولار منذ الانتفاضة لكن حتى هذا النبأ الذي يبدو جيدا يزعج بعض المستثمرين الأجانب إذ يخشون احتمال حدوث خفض كبير لقيمة الجنيه في المستقبل. ويعتقد ديفيد كوان الاقتصادي لدى سيتي بنك انه مازال لدى مصر ما يكفي من الاحتياطيات لدعم عملتها لمدة عام آخر واستبعد إبرام اتفاق مع صندوق النقد قبل بداية 2013. وأضاف ‘الاحتمال الأكبر عندي هو المزيد من الارتباك والتخبط السياسي خلال ما تبقى من العام بغض النظر عن الاضرار طويلة الأجل التي سيلحقها هذا بالاقتصاد’. وتلوح في الأفق المزيد من المعارك السياسية من بينها معركة حول وضع الدستور الجديد. وتشير الاعلانات الدستورية السابقة التي أصدرها الجيش إلى أن الجنرالات يرغبون في حماية وضعهم وامتيازاتهم من أي رقابة مدنية وهي ما يصر الاخوان عليه.
وقال الدبلوماسي الغربي ‘المواجهة الكبيرة المحتملة هي الدستور’ مشيرا إلى حكم قضائي قد يصدر الأسبوع المقبل في دعوى لحل الجمعية التأسيسية التي تشكلت لكتابة الدستور الجديد.
ومع ذلك ربما تنطوي النزاعات التي اندلعت حتى الآن في ظل رئاسة مرسي على بعض الإشارات المطمئنة. فبالرغم من تصاعد حدة التوترات لم يحدث عنف كالذي تفجر كثيرا العام الماضي. فالجيش لم يمنع أعضاء مجلس الشعب المحلول من الاجتماع بل سحب قواته التي كانت تتمركز خارج المبنى وسلمه للشرطة. واتسمت المظاهرات المؤيدة لمرسي بطابع سلمي.
ولم يبق للجيش مساحة كبيرة للمناورة بعد أن سلم السلطة التنفيذية لمرسي ولا يتوقع المحللون أن يقوم الجيش بانقلاب عسكري. في الوقت نفسه ربما اكتسب الرئيس المزيد من المصداقية. يقول حامد ‘كان عليه أن يظهر أنه لن يكون رئيسا عاجزا بل سيكون رئيسا قويا يتمتع بصلاحيات وأعتقد أنه نجح في ذلك’. من جهة ثانية توقع مسح أجرته رويترز تراجع الجنيه المصري تسعة في المئة إلى مستوى تاريخي العام المقبل بالرغم من أن بعض الاقتصاديين توقعوا انخفاضا أكبر إذ ما أدت المشكلات الاقتصادية والسياسية في البلاد إلى أزمة في ميزان المدفوعات.
وعمل البنك المركزي على الحد من تراجع الجنيه إلى أربعة في المئة منذ ثورة يناير من العام الماضي. لكن ذلك جاء على حساب احتياطيات النقد الأجنبي التي تبلغ الآن 15.53 مليار دولار وهو ما يقل عن قيمة واردات ثلاثة أشهر وهو مستوى يقلق الكثير من الاقتصاديين. الأمر الأكثر إزعاجا هو تراجع السيولة والأوراق المالية الحكومية وهي الجزء الأكثر سيولة في الاحتياطيات الأجنبية إلى 7.8 مليار دولار وفقا لتقديرات اقتصادي غربي.
ومع تحمل البنوك المحلية لعبء الاقراض الجديد للحكومة بالكامل تقريبا بلغت تكاليف الاقتراض الحكومي أعلى مستوياتها في أكثر من عشر سنوات في نهاية حزيران/يونيو.
وربما تواجه الحكومة اختبارا كبيرا في وقت لاحق من العام عندما يحل أجل أول أذون خزانة مقومة بالدولار لآجل عام واحد بدأت الحكومة أصدرها العام الماضي لتعزيز احتياطياتها. وسيتعين على الحكومة أن تسدد أو تمدد أجل سداد أكثر من 4.25 مليار دولار من هذه الأذون من 30 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 22 شباط/فبراير.
وقال سعد الهرش الاقتصادي في كابيتال ايكونومكس ‘أي شيء من الممكن أن يحدث، لكن في السيناريو الرئيسي لنا نتوقع نوعا من خفض قيمة الجنيه… في هذه الحالة سيكون تدريجيا ربما على خطوتين أو ثلاث’. وأضاف أن هذ النوع من الخفض في قيمة الجنيه قد تبقيه في اطار المنطقة المريحة بالنسبة للبنك المركزي ولن يؤدي إلى أي ضغوط تضخمية كبيرة.
وأظهر متوسط توقعات عشرة اقتصاديين استطلعت رويترز أراءهم في الفترة من الثاني إلى الثاني عشر من يوليو تموز احتمال أن يبلغ الجنيه 6.60 جنيه للدولار بحلول منتصف 2013 مقابل 6.061 جنيه هذا الأسبوع وهو أضعف مستوى للعملة المصرية منذ أوائل 2005. وتوقع الهرش أن يبلغ الجنيه 6.50 جنيه للدولار. وتوقع الاقتصاديون أن ينمو الاقتصاد بنسبة ثلاثة في المئة في السنة المالية التي تنتهي في يونيو 2013 وهي نسبة أكبر من اثنين في المئة التي كانت تمثل أفضل لتوقعات للعام 2011-2012 لكنها لا تصل الى نصف معدل النمو في العام الذي سبق الانتفاضة. كما توقعوا أن يبلغ معدل التضخم 8.5 في المئة في المتوسط في السنة المالية الجارية.