المتمعن في مسيرة تاريخ البشرية الطويلة والمرهقة سيرى أن الأسباب الحقيقية لصراخ الشعوب والقيام بالثورات الدموية قائمة منذ القدم الى اليوم. وهي أسباب متواجدة لدى أغلب الدول والأمم والشعوب الإنسانية على مر الأزمان والعصور، لكن بدرجات متفاوتة، وبإستثناء طفيف إذا نظرنا الى ماحققته بعض الدول الغربية الديموقراطية الحديثة المتقدمةالتي استطاعت لأول مرة في تاريخ البشرية أن توفر لمواطنيها بعض الشروط الإنسانية الأساسية الحقيقية التي خففت قليلا من حدة هذاالصراخ والعويل.. وأسباب الثورات والفتن ستظل متواجدة على وجه الأرض الى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. ويمكن أن نلخص أسباب هذه المعضلة الكبرى في تاريخ البشرية، في تلك الفجوة الهائلة بين الأغنياء والفقراء، بين من يملكون كل شيء، ومن لا يملكون أي شيء.والمشكلة في هذا، هي انه في إطار السعي نحو إيجادالحلول والبدائل لهذه المعضلة الكبرى، انه إذا كنت تؤيد التيارالرأسمالي الليبرالي الذي يؤمن على أنه لا بد من فقراء وأغنياء، ولابد من مستغلين بفتح الغين ومستغلين بكسر الغين لأن بدونهما لا يمكن للحياة أن تقوم لها قائمة تجد من ينعتك بأوصاف من قبيل، خائن، متوحش يؤيد شرب دماء العمال والفلاحين والمضطهدين من طرف أقلية مستفيدة..وقد تتهم انك شخص عاهر وبأنك أيضا عميل للإمبريالية الرجعية المتوحشة وللصهيونية العالمية برئاسة أمريكا وإسرائيل.وإذا كنت تقف ضد هذه المعادلة وأنت تناصر التيارات الإشتراكية التي تقف الى جانب الفقراء والمحرومين باستماتة في كل مكان، تجد من ينعتك بأنك منحرف واقع تحت تأثير وتخدير كتابات ونظريات متجاوزة لماركس ولينين وغيفارا، وقد تنعت أيضا أنك ملحد وعميل لموسكو.وإذا كنت تناصر الطرح الإسلامي وأنت تؤيد إحدى التيارات الدينية المختلفة، قد تتهم أنك رجعي متزمت، أو متصوف حالم، أو متطرف إرهابي من أنصار بن لادن او الزرقاوي ومن سار على منوالهم.شخصيا مع كثرة هذه التيارات وتناحرها، ومع اختلاط الحابل بالنابل أصرح علنا أنني مع التيار الكهربائي بتوتره العالي الذي أتمنى أن يصعق كل التيارات التي خذلت الإنسانية عبر التاريخ، وأن يصعق أيضا كل التيارات التي هدفها البحث عن المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة للناس والشعوب المستضعفة على الارض.إنما يثير اليوم الغثيان والأسى في القلب رغم ما حققته الإنسانية من تقدم مادي وتكنولوجي، وما وصلت اليه في مجال غزو الكواكب والنجوم، هو أن البشرية رغم كل هذا، لم تحقق ما يكفي من التقدم الكيفي ذي البعد الإنساني الذي يهدف إلى تحقيق إنسانية وحرية الإنسان.. وهو المطلب ذاته الذي فشلت في تحقيقه البشرية منذ فجر التاريخ الى اليوم، منذ عصر رجل الكهف الأول الذي يحمل بيده القوس والنشاب ليصارع الحيوانات الى عصرما يسمى بالصقور وثعالب وأسود وغيرها من أسماء الحيوانات الأخرى المتمترسة في البيت الأبيض والتي تحيط بباراك أوباما.. فشلت في تحقيق إنسانية وحرية الإنسان لأننا ببساطة بشر فاسد يحن دائما الى الزمن البدائي الأول، زمن الأحراش والحيوانات والحروب والجماجم والعظام والكهوف البائدة حيث البقاء للأقوى. وهذا ما جعل الإنسان لا يعرف طوال تاريخه المديد فترات السلام إلا سنوات معدودة، أما الحروب والثورات والفتن والتمزقات فهي التي أكلت معظم سنواته، لأن الإنسان ببساطة في كل مرة مع الازمات حين يفشل في التفكير يلجأ الى القوة والعنف مثل الحيوان.. واليوم، مع هذا الوضع الحيواني الذي يسم حياة الإنسان، حين نسأل عن كم من درب على الإنسان ان يقطعه قبل ان نعتبره انسانا؟ نجد الجواب فيما قاله أحد الدارسين للتاريخ الدموي للإنسان حين قال ويا للمهزلة: أن الجواب في مهاب الرياح!محمد حدوي