بغداد-“القدس العربي”:أصبح واضحا ان خلافات الكتل والأحزاب السياسية جراء تصاعد صراعها على المناصب والامتيازات، غدت السبب الرئيسي في عرقلة عمل حكومة عادل عبد المهدي وشل أعمال البرلمان وإلحاق أضرار إضافية بمصالح الشعب.
ومن أجل الاستحواذ على الوزارات الشاغرة، أكدت العديد من القوى والشخصيات السياسية، أن بعض القوى تسعى لإفشال حكومة عبد المهدي عبر تعمد عرقلة إكمال التشكيلة الحكومية رغم مرور أشهر على إعلانها، على أمل إعادة غربلة العملية السياسية والحصول على مناصب وامتيازات أكبر مما حصلت عليه. ما دفع عبد المهدي إلى تحذير الكتل السياسية من مخاطر الوضع السياسي الحالي، شاكيا من وجود خلل في الوزارات الشاغرة وأهمها الداخلية والدفاع والعدل والتربية.
وقد ألقى صراع الأحزاب على السلطة بظلاله على التحالفات القائمة أساسا على تقاسم المناصب والامتيازات، عبر تزايد الاتهامات والتهديدات المتبادلة، حيث نفى “ائتلاف النصر” بزعامة رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي ما أثاره قيادي سابق في حزب الدعوة من أن العبادي، يسعى للعودة إلى “ائتلاف دولة القانون” بزعامة نوري المالكي في حال اليأس من الحصول على رئاسة الوزراء للمرة الثانية إذا أطيح برئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي. علما بأن العبادي، الذي لم يؤد حتى الآن اليمين الدستورية كنائب في البرلمان، لم ينفِ في حوار صحافي، أنه “سيستمر في العمل لوصول ائتلافه إلى السلطة” مؤكدا “لقد نجحنا في إدارة البلاد وتحريرها في أصعب الأزمنة”.
وفي حين اتهم النائب فاضل جابر عن “تحالف الفتح” كتلاً سياسية، بمحاولة السعي لتشويه صورة عبد المهدي من أجل الإطاحة بحكومته، فان عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، عدنان الأسدي، وصف أمن الدولة بانه “ملغوم وعلى برميل بارود” مشيراً إلى “عدم حسم اسم مرشح وزارة الداخلية بعد، والمعطيات الحالية تؤكد بقاء الوزارات الأمنية خالية من الوزراء”. كما أدت الخلافات الحادة بين الكتل، إلى انسحاب بعضها من تحالفاتها ومنها انسحاب حزب الحل من تحالف البناء، بعد فشله في الاستحواذ على وزارة الدفاع.
ولم يقتصر صراع الأحزاب على الوزارات الشاغرة فحسب، بل انتقل إلى إعاقة تشكيل لجان البرلمان التي تعتبر أساس عمله، وبقاء المجلس من غير رؤساء لتلك اللجان منذ سبعة أشهر من بداية عمر الدورة الانتخابية الحالية. وأقر نواب أن القوى السياسية تحاول ربط ملف رئاسات اللجان النيابية بموضوع التوافقات، منتقدين دور رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي لدعمه هذا الخيار، فيما حذروا من أن استمرار الوضع بشكله الحالي يعطل العملية التشريعية.
وفي خضم هذه المعمعة، تصاعدت هذه الأيام دعوات من مراجع سياسية ودينية واجتماعية لإعادة النظر في العملية السياسية في العراق، لبحث إيجاد حلول جدية للأزمات والمشاكل المستعصية التي تعصف بالمشهد العراقي.
فقد عارض المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني مجدّدًا مشاركة رجال الدين في السياسة، أو تولي أي منهم مناصب تنفيذية في الحكومة، إضافة إلى مطالبته الحشد الشعبي بالابتعاد عن ممارسة النشاط الاقتصادي. بينما لم تساهم دعوة رئيس الجمهورية برهم صالح، رؤساء الأحزاب السياسية إلى “الاجتماع الوطني التشاوري الأول” قبل شهرين، الذي اعتبره “بداية لحوارات وطنية معنية بملفات حكومية تنهض بواقع حال البلاد نحو الأفضل” في تحريك الأزمة السياسية المعقدة، ولذا تجددت دعوات انقاذ العراق، ومن ذلك دعوة رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي القوى السياسية إلى عقد لقاء وطني عاجل بهدف إنقاذ العراق ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية. أما زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، فقد أعلن إطلاق حملة جديدة لإصلاح الآفات المنتشرة بين الشعب بدون استخدام السلاح. وقال الصدر” إن فساد الساسة في عراقنا لهو الحق اليقين وإنه لأوضح من شعاع الشمس، ولذا سارعت محاولا الإصلاح العام على الصعيد السياسي” محملا الشعب مسؤولياته وأخطاءه في مساندته للساسة الفاسدين.
وفي تطور خطير يعكس جوانب من الصراع على السلطة، شهدت بغداد تظاهرات لأعضاء منظمة بدر وانتقادات من بعض قادتها هاجمت فيها رئيسها هادي العامري “لحصوله والمقربين منه على الامتيازات وحرمان الآخرين منها” مما دفع بالأخير إلى انتقاد هذا الحراك ضده، وخاصة تهديد بعضهم بحمل السلاح للحصول على حقوقهم! كما أدان العضو السابق في منظمة بدر والمدرس الحالي في الحوزة الدينية في مدينة قم الإيرانية حسين الصافي، في بيان قيام “العامري وجلاوزته بضرب واعتقالات ضد المجاهدين البدريين المهمشين المسلوبة حقوقهم الذين خرجوا بمسيرة سلمية ويد فارغة ليوصلوا صوتهم ومظلوميتهم للرأي العام فهو عمل شنيع يراد منه إماتة شعيرة الجهاد”.
والمعروف لدى العراقيين أن منظمة بدر التي انشقت عن المجلس الإسلامي الأعلى، والتي تأسست في إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية، هي أكثر قوى المعارضة السابقة استفادة من التغيير بعد احتلال العراق عام 2003 حيث احتل قادتها وعناصرها مراكز قيادية في معظم الوزارات وخاصة الداخلية.
ولم يكن الوضع في إقليم كردستان بأفضل مما هو سائد في بغداد، حيث تسببت الخلافات والصراع حول المناصب الحكومية وإدارة برلمان الإقليم، بعرقلة تشكيل الحكومة الجديدة رغم مرور عدة أشهر على إعلان نتائج الانتخابات، وسط اتهامات للحزبين الحاكمين باحتكار السلطة والاستفراد بها وإقصاء الأحزاب الأخرى.
وهكذا يشعر العراقيون بالأسف والاحباط وهم يتابعون الصراع العلني والاقتتال على مناصب السلطة وامتيازاتها بين الأحزاب، التي لا تخجل من جعل خدمة المواطن وحل أزمات الوطن آخر اهتماماتها.