دمشق – «القدس العربي»: تهدد موسكو آخر منطقة للمعارضة شمال غربي سوريا، وتقترب قوات النظام شيئاً فشيئاً باتجاه المنطقة بعد استشعارها لتحالف القوى الدولية والمحلية ضدها، فيما تدعم أنقرة فصائل الجيش الحر وتفتح مخازن صواريخها وأسلحتها هناك، كل ذلك من أجل الوصول في لحظة معينة إلى مقايضة او نوع من تسوية او التأسيس لخارطة نفوذ جديدة في هذه المنطقة، ما يضع أكثر من علامة استفهام حول مستقبل شمال غربي سوريا الذي سيبقى مجهولاً لحين بلورة تفاهم دولي إقليمي سوف يأتي متأخراً على أنقاض مقدرات الشعب السوري.
سوريا المقسمة اليوم إلى ثلاث مناطق نفوذ، أهمها إقليم الشرق الذي تبلغ مساحته نحو ربع مساحة سوريا، ومعروف بغناه بالثروات الباطنية، يقع تحت الوصاية الأمريكية، وإقليم المركز تحت وصاية روسيا، إما إقليم الشمال فيقع تحت الوصاية التركية، وفق اتفاق غير محترم من قبل الأطراف الدولية الذي أبرمته، ما سرع في انزلاقه إلى تصعيد غير مسبوق.
وضمن أجواء الهدوء المتقطع شمال غربي سوريا، يشهد محور الكبانة في جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي، اشتباكات عنيفة بين قوات النظام والميليشيات المساندة لها من جهة، والفصائل الثورية والمجموعات القاعدية من جهة أخرى، بالتزامن مع قصف متبادل بين الطرفين، وفيما عدا ذلك يكمل الهدوء الحذر ساعاته الـ 12 دون قصف بري أو جوي يذكر، حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي أكد أن شبه وقف إطلاق نار يسود مناطق الهدنة في المحافظات الأربع، باستثناء قصف مدفعي من قبل قوات النظام بعدة قذائف طالت بلدات في ريف حماة الشمالي، وسط غياب تام للطائرات المروحية والحربية عن سماء المنطقة، بالتزامن مع توقف عمليات القصف البري والاشتباكات.
دوي انفجارات
في حين رصد المرصد السوري دوي انفجارات بين الحين والآخر ضمن محاور التماس في ريفي حماة الشمالي والشمالي الغربي، ناجمة عن استهدافات متبادلة بالقذائف المدفعية والصاروخية في محيط كفرنبودة ومحيط الحماميات ومحيط الحويز.
البروفيسور خطار أبو دياب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس والخبير والباحث في الجيوبوليتيك، يقول ان عناصر الفصائل المقاتلة في ريف حماة لم تكن متحمسة لهدنة في العمليات العسكرية، وكانت تطالب بتراجع قوات النظام عن المواقع التي تمكنت بالتعاون مع روسيا من السيطرة عليها، لافتاً إلى أهمية موقع جبل اللاذقية وجبل الأكراد وخروجهما عن الهدنة المفترضة، فهي حسب الخبير مواقع استراتيجية يريد منها النظام السوري والفرقة الرابعة والميليشيات الايرانية الموالية له، إيجاد خرق دائم فيها، من اجل الوصول إلى خان شيخون لان هناك «تكاملاً» ما بين الميليشيات الروسية والايرانية في محاولة احراز النقاط.
الموقف التركي
حول الموقف التركي، تحدث الخبير السياسي أبو دياب لـ»لقدس العربي» عن مجموعة خروقات لاتفاقية بوتين – اردوغان المبرمة في السابع عشر من أيلول/سبتمبر، «اذ ان كل طرف يحمّل الآخر المسؤولية، والاهم انه بالنسبة للفصائل فقد فتحت مخازنها وادخلت ذخائرها واسلحتها في اطار العمل فضلاً عن الدعم الذي وضعه الجيش الوطني «الفصائل السورية الموجودة تحت لواء تركيا في درع الفرات وغصن الزيتون» خدمة للعمليات.
وامام ما تقدم يبدو للمتحدث ان تركيا قد أخذت تدرك عدم الاحترام الروسي للخطط التي وضعت في «سوتشي» و»أستانة»، ولذلك، ومقابل ما تعتبره خرقاً من قبل روسيا والنظام للشروط السابقة، تقوم هي بعدم احترام كل الشروط، من اجل الوصول إلى وقت معين يجبر الأطراف على مقايضةٍ ما او تأسيس وضع آخر للمنطقة.
لكن ما ينسى في موضوع إدلب برأي أستاذ العلاقات الدولية هو المعاناة الإنسانية الكبيرة ومخاطر التهجير والإبادة بحق 3 ملايين مواطن تم تجميعهم من الكثير من المناطق السورية اضافة إلى السكان الاصليين، مضيفاً «في الماضي كانت إدلب ولكن الآن لا يوجد عملياً ما بعد ادلب، لذلك هناك اولوية في وقف المعارك والوصول إلى حلول تضمن وقف المعاناة الإنسانية». وأشار إلى ان الفصائل التي كانت اساساً في الجيش الحر، من أهالي ريف حماة وجبل شحشبو واهالي ريف اللاذقية، فقد سطروا جميعهم ملاحم بطولية بثباتهم امام كل التغول الروسي والايراني والبربرية من قبل النظام السوري، اذ ان كل هذه السنوات وبعد التهجير و»التغريب» والقتل الجماعي والأسلحة الكيميائية والمواد السامة لم يتم كسر إرادة الشعب السوري، حسب قوله.
وبعدما شن النظامان السوري والروسي عملية عسكرية واسعة في ريف حماة الشمالي الغربي في السادس من الشهر الجاري، واستولى خلالها على 16 بلدة وقرية استراتيجية مخترقاً بذلك الحدود الإدارية الجنوبية لمحافظة إدلب، المتاخم للمنطقة المنزوعة السلاح، حشدت فصائل الجيش الحر المدعومة من أنقرة وعلى رأسها الجيش الوطني والجبهة الوطنية للتحرير قواتها، وزادت الفصائل من تعزيزاتها امس حيث انطلقت المجموعات القتالية ضمن ارتال عسكرية ضخمة من شمال ريف حلب، إلى إدلب، وتوزعت على المحاور القتالية لمساندة الفصائل الثورية في معركتها ضد تحالف النظامين السوري والروسي.
أمام التصعيد السياسي والعسكري، يبقى مصير المنطقة مجهولاً لحين بلورة تفاهم واضح بين الفاعلين الدوليين والاقليميين، وهو ما لا يصب في مصلحة الشعب السوري، الذي ينتظر حلاً سياسياً لكنه سيأتي حسب ما قال المعارض السوري درويش خليفة لـ»لقدس العربي» «في وقت تكون فيه سوريا مجردة من عوامل النهوض بسبب سيطرة الروس على مقدرات البلاد في الوسط والجنوب وتحصيل مكاسبهم الاقتصادية من التدخل في سوريا، وسيطرة الأمريكان على السلة النفطية والغذائية في شمال شرقي سوريا».