ما الذي يدفع السعودية التي عرفت بسياستها الهادئة للخروج على ذلك المألوف والنزول الى الملعب السياسي الاقليمي والدولي بثقلها كله بشكل مكشوف وبدون الخشية من الانعكاسات السلبية لذلك على مستقبل حكم البيت السعودي؟ التدخلات السعودية في دول الجوار ليست جديدة بل تعود للعقود الاولى بعد تكوين الدولة السعودية الحالية قبل ثمانين عاما، بل ان الصراع الذي يتخذ احيانا ابعادا مذهبية يعود الى أيام محمد علي قبل حوالى مائتي عام، بعد الدعوة الوهابية الاولى.
وما تزال ذاكرة الجيل المتقدم في العمر تستحضر تدخلها قبل خمسين عاما في اليمن لمواجهة المد الناصري والتصدي للجمهوريين، ودخولها حربا طاحنة راح ضحيتها عشرات الآلاف من الطرفين. وعندما حدثت ازمة الكويت إثر الاجتياح العراقي لاراضيها في اغسطس 1990 شعر البيت السعودي بالتحدي الحقيقي لمنظومة حكمه، فلم يتردد في استدعاء التدخل الخارجي لخوض اكبر حرب تكنولوجية في العالم تصدرتها الولايات المتحدة الامريكية.
كانت تلك التجربة مضرة جدا بسمعة الحكم السعودي، فقد اظهرته غير قادر على الوفاء بالتزامات السعودية حيال امن دول مجلس التعاون عندما يتعرض للخطر، ولكنها كشفت كذلك استعداد النظام للتضحية بالسيادة الاقليمية اذا استدعى الامن السياسي للنظام ذلك. ولكن ما حدث بعد عامين كان مثيرا للاستغراب والتساؤل عن مدى حكمة بعض التصرفات السعودية. فالدخول في صراع مع قطر في 1992 حول مركز حدودي لا يعكس حنكة سياسية خصوصا انه لم يحقق ما تريده الرياض: اثبات قوة ذراعها العسكرية الضاربة وقدرتها على بسط النفوذ اقليميا. فقد ادت تلك الخطوة لتوتر في العلاقات ما تزال آثاره مستمرة حتى الآن، وربما كان احد الاسباب التي دفعت قطر للولوج الى عالم النفوذ الاقليمي بمستوى غير مسبوق، الامر الذي كان طوال العقدين الاخيرين مصدر انزعاج السعودية وغضبها. ولكن تجربة قطر لم تكن كافية، فسرعان ما دخلت الرياض في صراع مع الامارات حول حقل االشيبةب بالقرب من حدود البلدين مع سلطنة عمان. واذا كانت تلك التدخلات محدودة في حجمها وأثرها، فان مواقفها المعلنة والسرية تجاه الوضع في العراق بعد حرب 2003 تلها اهداف غير معلنة اهمها منع رياح التغيير من الوصول الى حدودها. ثم جاء اجتياحها العسكري السافر قبل ثلاثين شهرا لقمع ثورة شعب البحرين. ذلك التدخل كان الاكثر تعبيرا عن رغبة المملكة ليس في اثبات وجودها فحسب، بل في استعدادها للمغامرات وان كانت غير محسوبة اذا تعرض نظامها السياسي لتحديات جدية، او اصبح نفوذها السياسي الاقليمي خصوصا داخل مجلس التعاون مهددا. ويمكن القول ان الصمت الذي قوبل به ذلك التدخل شجع الرياض على انتهاج سياسات اكثر وضوحا وتوسعا، وأعمق رغبة في توسيع النفوذ الاقليمي.
والسؤال هنا: ما الذي يدفع الحكم السعودي لتوسيع نفوذه؟ أهو الحاجة المادية ام السعي لتغيير التوازن السياسي في الشرق الاوسط ام الدفاع عن الوجود؟ فالسعودية التي يبلغ دخلها السنوي من النفط حوالي 400 مليار دولار لا تحتاج لادارة الدولة اكثر من 100 مليار، وبالتالي فهي ليست محتاجة للمزيد من الثروة. ولا شك انها تسعى للحفاظ على التوازن السياسي بالشكل الذي يمنع محاولات التغيير فيها بشكل جوهري. وهذا نابع من الرغبة من الحفاظ على نظام الحكم القائم، ومنع محاولات تغييره. فمع علم السعودية بالتبعات السياسية المحتملة للتدخل في شؤون الدول المحيطة فقد هرعت بدافع السعي للحفاظ على النظام لكسر الثوابت في العلاقات بين الشعوب.
وجاء تدخلها العسكري السافر في البحرين ليدشن عهدا جديدا اكثر استقطابا ودموية. فالمنطقة لم تشهد في عقودها السابقة ما تشهده اليوم من حمامات دم في العديد من المناطق. فما يجري في العراق من تفجيرات يومية بعيد عن ثقافة الامة وتراث شعوبها، فلم يحدث ان استهدف العرب او المسلمون بعضهم بالقتل الجماعي في الاسواق والمساجد والطرقات والجامعات. ولم يحدث ان تصدى جيش عربي لمعارضي النظام بقتل اكثر من 3000 شخص في يوم واحد كما جرى في مصر. فذلك تعبير عن دموية وسادية غير معهودة في التاريخ المعاصر للعرب والمسلمين.
الامر الواضح ان الحكم السعودي رأى في النهضة السياسية التي تجسدت بثورات الربيع العربي تهديدا لنظامه السياسي ولا بد من مواجهته. وتدرك الرياض ان احدى انجع السبل لتحقيق ذلك بث حالة الفوضى الفكرية والايديولوجية والمذهبية وخلط الاوراق وترويج العنف، فكل تلك الظواهر مانعة عن النهوض السياسي. فالمجتمع المفكك الذي يتقاتل افراده وفق خطوط التمايز المذهبي والايديولوجي، وتسيل فيه حمامات الدم، لا يمكن ان ينهض باحثا عن الحرية او مطالبا بالحقوق.ت لقد كان هناك قدر من التماسك في المجتمعات التي ثارت ضد انظمة حكمها الاستبدادية، وهكذا كان المصريون والتونسيون والبحرانيون والليبيون واليمنيون والسوريون عند انطلاقهم للتغير. وتدخلت قوى الثورة المضادة التي تتصدرها السعودية لتعكر اجواء التغيير ولتدخل تلك المجتمعات في اتون التوترات الدينية والطائفية والايديولوجية، ليس على مستوى الفكر والسجال النظري، بل على مستوى القتل الجماعي والارهاب.
ثلاث ظواهر تجلت في الشهور الاخيرة في مجتمعات الثورة. اولها تنامي نزعات العنف والتطرف من قبل قطاعات واتجاهات يمكن ربط الكثير منها بالدعم السعودي، ثانيها: الابتعاد الجماهيري بشكل تدريجي عن مجالات السياسة والتغيير نتيجة انتشار العنف والتطرف، ثالثها: نزوع انظمة الحكم القائمة بعيدا عن الاصلاح السياسي والتوجه للمزيد من التشدد والاستبداد. ووجد الغربيون انفسهم في وضع حرج. فهم حلفاء لانظمة الاستبداد منذ عقود وقد احرجتهم ثورات التغيير، وحاولوا تشجيع اصدقائهم على تطوير انظمتهم السياسية ولكن بدون جدوى. وكان امامهم خيارات ثلاثة: اما الاستمرار في دعم الانظمة الاستبدادية لانها تضمن مصالح الغربيين وتبدو مستقرة، او دعم الثورات بشكل مكشوف وهذا ينطوي على مخاطر آنية تتمثل اساسا بتوتر العلاقات مع الحكومات الصديقة، او انتهاج سياسة اللاموقف واللامبالاة وترك الامور على عواهنها بانتظار ما يسفر الصراع عنه. اغلب الدول الغربية اختار الوقوف مع الانظمة وتخلى عن شعاراته التي رفعها بترويج الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان في العالم. السعودية مارست ضغوطا كبيرة مستغلة اموالها النفطية الهائلة، واستطاعت التأثير على مواقف تلك الدول بشكل واضح. المال النفطي استغل بشكل بشع لاستئجار شركات العلاقات العامة في العواصم الغربية، بالاضافة لصفقات السلاح العملاقة.
وجاءت قضية الصراع في سورية لتفجر العلاقات بين الدول الغربية ودول مجلس التعاون التي تتصدر الدعوة للتدخل العسكري الغربي لحسم الموقف ضد بشار الاسد. وهنا برزت الازمة بابشع اشكالها. فظهور المجموعات المسلحة ذات الاتجاه الديني المتطرف ا مر مقلق جدا للغربيين، الذين عاشوا الدرس الافغاني وادركوا ان دعم هؤلاء سينقلب عليهم. هذا من جهة.
ومن جهة اخرى فان اقرار السياسة السعودية بدعم المجموعات الارهابية يمثل تضاربا مع خيار االحرب ضد الارهابب. فكيف تحارب هذه المجموعات من جهة ويوفر لها الدعم من جهةت اخرى. وربما ادى هذا التضارب واللغط حول تسليح المجموعات المتطرفة لاقناع الغربيين بشكل اكبر بان السعودية تقف وراء موجات التطرف والعنف في العديد من البلدان: العراق وسورية وافغانستان وباكستان وليبيا وتونس. السعودية تسعى لاقناع الغربيين بانها تستطيع السيطرة على هذه المجموعات، وانها ستكون مفيدة في الوقوف ضد ايران وحلفائها.
وقد سعت الرياض لتسويق هذه الفكرة، وربما استطاعت اقناع بعض الدول الغربية خصوصا بريطانيا بامكان الاستفادة من المجموعات المسلحة ذات النزعات الدينية المتطرفة لمواجهة محور االاسلام السياسيب. السعودية خيرت الغربيين بين هذا المحور ومحور االاسلام الجهادي’، وبذلت جهودا كبيرة لتسويق هذه الفكرة. ولكن يبدو ان الامريكيين ادركوا انها فكرة لن يكتب لها النجاح لانها تنطوي على تناقض واضح: فكيف تدعم االارهابب بينما تشن حربا دولية ضده.
جاء قرار السعودية برفض مقعدها بمجلس الامن الدولي ليزيد الوضع غموضا وتوترا. وبررت الرياض ذلك بان مجلس الامن فشل في إقرار الحرب ضد سورية، ولم يقدم مشروعا واقعيا لحل المشكلة الفلسطينية او السماح باقامة الدولة الفلسطينية على بعض اجزاء فلسطين، بينما دعت الدول الغربية السعودية لقبول المقعد والاستفادة منه للتأثير على قرارات مجلس الامن الدولي. وفيما دعمت دول مجلس التعاون ومصر ذلك الرفض الذي ابلغته السعودية لسفراء دول العالم لدى الرياض، تتواصل الجهود لملء المقعد الشاغر قريبا اذا لم تتراجع السعودية عن قرارها، وهو امر ما يزال ممكنا.
ولم تخف السعودية امتعاضها من التقارب الامريكي – الايراني الذي قد يكون، اذا ما توفرت ظروفه، بديلا للمحور الامريكي – السعودي. وهذا التطور يعتبر ازمة للدول الثلاث: امريكا والسعودية وايران. فما تزال ادارة اوباما تسعى لمنع تصدع العلاقات مع السعودية، وسعى وزير خارجيته، جون كيري، لاقناع نظيره السعودي بالعدول عن قرار رفض المقعد. وفي الوقت نفسه بدا ان ايران قدمت تنازلات عديدة ازاء مشروعها النووي وفي الملفات السياسية الاقليمية الاخرى، وبرغم عدم وضوح طبيعة التنازلات الا ان الواضح ان طهران تصدر بين الحين والآخر تصريحات اقل تشددا تجاه السعودية. ومن جانبه استطاع الحكم السعودي، للمرة الاولى منذ عقود، تحريك المياه الراكدة في منطقة طالما كانت مسرحا للحرب ومنطلقا للمجموعات التي تهدد العالم وامنه، وتقدم صورا سلبية للغرب عن الاسلام. هذه السياسات السعودية معقدة وخطيرة، ومن شأنها ان تؤدي الى حروب اقليمية، برغم برود نقاط التماس في الازمة السورية. ايران متشبثة بالملف السوري وترفض التخلي عنه، بينما تريد السعودية مقايضة ذلك بترك البحرين تابعة لنفوذها، وعدم مطالبتها بسحب قواتها العسكرية التي يعتبرها البحرانيون ‘محتلة’. الايرانيون في موقف صعب، وتصريحات الرئيس الدكتور حسن روحاني ومبادراته لحل الازمة النووية وتبريد الخطوط الاقليمية الساخنة حظيت بقبول كبير لدى الغربيين، ولكنها قد تؤدي الى خلافات داخل ايران بسبب رفض تيارات اخرى لتقديم التنازلات. ووفقا لبعض المصادر فقد خففت ايران موقفها ازاء عدد من القضايا، فيما كسبت قرارا بابقاء الوضع السوري معلقا. فقد وافقت على وقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 بالمائة، وقلصت اهتمامها الاقليمي، خصوصا ازاء البحرين واليمن، وكلتاهما محاذيتان للسعودية. ومع عدم ضمان قدرة الرئيس روحاني على تنفيذ ذلك التفاهم، يبدو مسرح الشرق الاوسط مهيأ للمزيد من المفاجآت. فمن جهة تسعى الرياض وطهران لتهدئة التوتر بينهما، ولكن تصريحات الرياض بالابتعاد عن واشنطن ورفض مقعدها بمجلس الامن، بالاضافة لتكثيف القمع الداخلي وتحدي المطالبين بحقوق اكبر للمرأة، وزيادة الدعم المالي والسياسي للمجموعات المتطرفة في سورية، واستهداف حزب الله اللبناني والسعي لمنع تشكيل حكومة لبنانية بمشاركته، كل تلك التطورات لا تكشف توجها لتخفيف الصراع في المنطقة او بين البلدين، بل يكشف ان السعودية تسعى لتقوية موقعها السياسي لتستطيع التفاوض مع ايران بشكل مختلف.
وهكذا تبدو السياسة السعودية اليوم مختلفة في ممارساتها السياسية عما كانت عليه من هدوء وجنوح للعمل في الخفاء. وهذا يعكس شعورا جديدا لدى رموز الحكم السعودي، بان التطورات الاقليمية لا تسير وفق رغبتهم، وان الحلفاء الغربيين يتحركون وفق ما تقتضيه مصالحهم، ومن الممكن ان يطوروا العلاقات مع ايران التي تنظر السعودية الى نفوذها الاقليمي بقلق شديد. ولا تخفي الرياض امتعاضها من أربع خصائص تميز السياسة الايرانية: إتقان المناورة السياسية، وتشكيل التحالفات الاقليمية، والاعتماد على الذات لبناء القدرات العسكرية خصوصا الصاروخية والنووية، وتناغمها مع ثورات الربيع العربي بشكل واضح.
فالثورة من اجل التغيير انطلقت اساسا من ايران التي طالما اتهمها الحكام العرب بالسعي لما اطلق عليه ‘تصدير الثورة’. وعندما لم تستطع السعودية ركوب موجة التغيير الثوري سعت لافشاله او محاولة احتواء نتائجه او خلق فوضى سياسية وامنية غير مناسبة للخيار الثوري في التغيير. ولذلك تبدو المصالحة السعودية – الايرانية مستبعدة في الوقت الحاضر نظرا لطبيعة نظامي البلدين. والسؤال هنا: الى اين يتجه المشروع السياسي السعودي في المنطقة بعد اسقاط حكم الاخوان في مصر واستهداف بقية الثورات ؟ السعودية نزلت الى الميدان هذه المرة باسلوب ‘انتحاري’، فقد تحقق مكاسب سياسية كبيرة بهزيمة ثورات الشعوب من اجل التغيير، او قد لا يحالفها الحظ فتنتصر شعوب المنطقة على انظمتها الديكتاتورية، وتصبح منظومة الحكم التي تدافع السعودية عنها باستماته غير قادرة على الصمود امام اصرار الجماهير على التغيير. وتعلم الرياض وبقية العواصم العربية ان المعركة من اجل الاصلاح والتغيير ما تزال في بدايتها، وان القضاء عليها يتطلب اكثر مما فعله جنرالات مصر عندما قتلوا اكثر من الف شخص في يوم واحد.
” كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن