إسرائيل التي اعتادت على ارتكاب الجرائم البشعة بحق العرب منذ قدومها المشؤوم إلى المنطقة، لم تلق بالاً لما يمكن أن يترتب على تلك الجرائم من ردود الأفعال لأنها تعودت على الحماية الأمريكية والغربية في مجلس الأمن وكافة الهيئات الدولية، بينما استحوذت على الرعاية والحماية من قبل بعض الأنظمة العربية التي ارتهنت لذلك الغرب لتقوم بكبح جماح شعوبها التي ذاقت مرارة الإذلال والإهانات المتواصلة من قبل هذا الكيان الذي لم يتورع عن انتهاك كافة المحرمات بحقها حتى بلغ الأمر بالرئيس المخلوع مبارك أن يتحول إلى شريك وحليف لهذا الكيان، رغم أن الشعب المصري كان يتلوى ألماً وحزناً من تصرفاته المشينة هو وبطانته المنافقة التي استمرأت هذه الإهانات لقاء السماح لها بنهب خيرات هذا الشعب الطيب الأصيل.
أبناء هذا الشعب الذين طردوا هذا السفير الذي هو في حقيقة الأمر موظف لدى الموساد الإسرائيلي، كانوا حسبما أوردته التقارير الإخبارية في ريعان الشباب دون سن العشرين من العمر، مما يعني أنهم ولدوا وترعررعوا أثناء حقبة التطبيع التي تسارعت وتيرتها مع الكيان الغاصب وهم في سن المراهقة من حياتهم ومع هذا فإنهم لم يعتادوا على إسرائيل ولا على سياساتها التي تَعوَّدعليها مبارك وحاول فرضها عليهم.
هؤلاء سمعوا الزعيم التركي أردوغان وهو يعطي إسرائيل فترة زمنية محددة بالساعات لتقديم الإعتذار عن إجلاس السفير التركي على مقعد منخفض في وزارة الخارجية الإسرايلية ويحذرها من ردود تركية حاسمة لتضطر إسرائيل المتعجرفة إلى احترام الإرادة التركية وتقديم اعتذارها آنذاك. ولما قامت إسرائيل باقتحام السفينة التركية (مرمرة) وقتلت المواطنين الأتراك العزل فقد قامت تركيا بمطالبة إسرائيل بتقديم الإعتذار الرسمي والصريح على ارتكابها هذه الجريمة ودفع التعويضات الكاملة لأسر الضحايا وإلا فإن تركيا ستقوم بخطوات عقابية قاسية ضدها. وبالفعل قامت تركيا بطرد السفير وبعدها يخرج أردوغان ليعلن للعالم أن تركيا لن تسمح لإسرائيل بالعربدة في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط وبأن تركيا سترسل قافلة جديدة لأهل غزة ولكن هذه المرة بمرافقة البوارج الحربية التركية التي ستقوم بحمايتها، ويحذر من أنها ستقوم بالرد المناسب إذا ما حاولت السفن الحربية الإسرائيلية التعرض لها هذه المرة.
مصر ليست أقل عزة من تركيا، والدماء المصرية ليست أرخص من الدماء التي نزفت من الأخوة الأتراك الذين انتصروا لأهل غزة، ومصر ستبقى هي الأقرب والأولى بالإنتصار لدماء أبنائها الذين ظنت إسرائيل أن دمائهم أرخص بكثير من إعتذارها الذي رأت أن قيمته أعلى بكثير من قيمة تلك الأرواح التي أزهقتها على التراب المصري.
هذه هي إسرائيل البشعة تتكشف سوآتها الكثيرة من جديد، لأن الشباب المصري لم ينس جريمة تصفية إسرائيل للأسرى من الجنود المصريين في حرب حزيران على تراب سيناء، ولم ينس جريمة مدرسة أطفال بحر البقر ونحن على يقين أن ذاكرته لا زالت حافلة بمجازرها في فلسطين ولبنان لأنه لم ينس مجازر دير ياسين وقبيا وكفر قاسم ومئات القرى الفلسطينية التي مسحها من الوجود، فكيف له أن ينسى مجزرة قانا في لبنان وحرب الفسفور الأبيض التي ساحت معها أجساد الأطفال والنساء والشيوخ في غزة. إسرائيل اليوم مصابة بالذهول وهي ترى هذا العالم العربي الميت يبعث من جديد، وهي اليوم مضطرة لإعادة اكتشاف نفسها وإعادة اكتشاف الأرض التي تقف عليها، لأنها ستكتشف أنها قد ضلت الطريق وخانتها الجغرافيا، وأنها تقف اليوم أمام مصر الجديدة التي فتحت الطريق أمام العالم العربي الجديد، وتقف أيضاً أمام تركيا جديدة غير تركيا أتاتورك، وهذه الأخرى قد فتحت الطريق أمام شرق أوسط جديد، بالطبع ليس الشرق الأوسط الذي أراده جورج بوش.
الشرق الأوسط الذي أرادته شعوب المنطقة سيقوم بمحاسبة فورية لإسرائيل على كل قطرة دم تريقها وستقوم برد اللطمة بلطمة أشد، وهذه الحسبة لم تأخذها إسرائيل بعين الإعتبار لأنها ترى أنها ستفقد اعتبارها أمام شعبها إن لم تقم بنهب الأرض وتشريد أصحابها وسفك دمائِهم، لأن هذه الممارسات تعتبر الوقود الذي تستمد منه بقاءها وهي لا تستطيع أن تتخيل أنها ستقوم يوماً بالإمتناع عن إستباحة الدم العربي والمسلم خوفاً من ردة الفعل، لأن مبارك قد عودها استباحة تلك الدماء وعودها أيضاً أن تلك الدماء مثل غاز سيناء، سواء كانت مصرية أو فلسطينية فهي رخيصة ومتاحة حسب الرغبة الإسرائيلية بدون مقابل.
العالم الغربي الذي طالما وفر لها الغطاء الدولي يترنح اليوم تحت وطأة الأزمات الإقتصادية الخانقة التي جاءت نتيجة لتوريطها له من أجل خوض حروبٍ بالوكالة نيابة عنها وهو اليوم لا يملك الإرادة ولا الوسيلة لتكرار مثل هذه الحروب المكلفة في زمن العجز المزمن، وبهذا يكون غطاؤها الخارجي صعب المنال.
أما غطاء الأنظمة العربية التي طالما وفرت لها المظلة الإقليمية المثالية لممارسة جرائمها وسرقاتها، فهي اليوم تتساقط أمام زحف الربيع العربي الذي تمكن من الإطاحة بثلاثة أنظمة حتى الآن ومن بين الأنظمة الثلاثة تلك، نظام الرجل الذي وصفه قادتها بالكنز الإستراتيجي لإسرائيل، وها هو اليوم يستلقي على سريره في قفص الإتهام أمام الشعب المصري العظيم.
إسرائيل اليوم هي الأخرى ليست إسرائيل الأمس لأن إسرائيل الجديدة يجب أن تكون على مقاس العالم العربي الجديد الذي يعيد اليوم كتابة سياسةٍ شرق أوسطية جديدة، بأبجدية جديدة لم تألفها من قبل، وعما قريب ستكون الجغرافيا وخرائطها هي الأخرى أمام استحقاقاتٍ جديدة تقتضي إعادة الرسم على نحوٍ يسمح بإعادة التزاوج الشرعي بين الأرض وأصحابها الحقيقيين.
زياد علان العينبوسي- نيويورك[email protected]