الصفقة وتصفية القضية الفلسطينية وهدم بيوت وادي الحمص

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

هدم بيوت الفلسطينيين في وادي الحمص هو امتداد لتاريخ طويل من الاحتلال والمصادرة والاستيطان وتغيير الهوية القومية الفلسطينية. الجديد أنه يتم في إطار خطة تبلورت في إسرائيل، وتبناها الرئيس الحالي دونالد ترامب، بعد أن كان سلفه أوباما قد رفضها، وتواطأ حكام عرب على تنفيذها بصمت وبدون ضجيج. الهدف الكبير الذي تعمل إسرائيل على تحقيقه هو إنهاء وجود كل ما يمكن التفاوض عليه، وبذلك تصبح الدعوة للتفاوض مزحة سخيفة، وتتحول التسوية على أساس (حل الدولتين) إلى مجرد وهم.

كيف تحدثوا في مجلس الأمن؟

المناقشات التي جرت في مجلس الأمن مساء 23 تموز/يوليو بخصوص نسف بيوت الفلسطينيين في وادي الحمص جنوبي القدس الشرقية وتشريد أهلها، تلخص الوضع كله في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي:

-جيسون غرينبلات المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط قدم شهادة أمام أعضاء مجلس الأمن استبعد فيها أن تتم تسوية الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني على أساس القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وإنما على أساس ما يتراضى عليه الطرفان، بمقتضى ما تم الاصطلاح على تسميته “صفقة القرن”. بمعنى آخر أن يتم (صلح عرفي) برعاية الولايات المتحدة وتواطؤ أنظمة عربية، يتم فيه فرض إرادة القوي على الضعيف. المندوب الألماني في المجلس رد على غرينبلات ليذكره بأن القانون الدولي ومرجعيات الأمم المتحدة ليست قائمة طعام يختار منها الزبون ما يشاء، وإنما هي صدرت لكي تطبق على الجميع.

-مندوب جامعة الدول العربية الذي تحدث في الجلسة، نسي أنها كانت مخصصة للوضع في الضفة وهدم البيوت، فركز في كلمته على التهديد الإيراني للمنطقة، ودعا مجلس الأمن إلى تحميل إيران مسؤولية تدهور الوضع في الشرق الأوسط ككل.

-مندوبو الدول الأربع الكبرى في مجلس الأمن، غير الولايات المتحدة، أيدوا حل الدولتين، وأدانوا السلوك الإسرائيلي، ودعوا إلى ضرورة احترام قرارات مجلس الأمن، خصوصا القرار رقم 2334  لسنة 2016 الذي يدين إنشاء المستوطنات ويعتبرها غير شرعية، وهو القرار الذي شاركت الولايات المتحدة في صياغته ووافقت عليه قبل نهاية رئاسة باراك أوباما.

-المناقشات تضمنت بشكل عام إدانة الاستيطان ومصادرة أراضي الفلسطينيين وهدم بيوتهم وتهجيرهم أو تشريدهم. لكن من المهم أيضا أن بعض المتحدثين بما في ذلك الأردن وجنوب افريقيا، أشار إلى خطورة عمليات التنقيب التي تقوم بها إسرائيل في المنطقة ما بين سيلوان والقدس الشرقية، التي تهدف إلى تغيير طبيعة مدينة القدس التاريخية، تحت زعم إعادة بعث طريق الحجاج اليهود إلى “مدينة النبي داوود” قبل ألفي عام.

تواطؤ عربي

 

حكومة نتنياهو كشفت الغطاء عن كل شيء في الصفقة. لا وطن للفلسطينيين، ولكن مقبرة في غزة تحرسها منظمة (حماس) بمساعدة عربية. لا للقانون الدولي، لا للأمم المتحدة، لا لأي شرعية غير شرعية القوة الإسرائيلية المتحالفة مع جبروت الولايات المتحدة. الحقائق الدامغة على الأرض تقول ان الحكام العرب مشغولون بحلفهم مع إسرائيل، وحصارهم لقطر، وعدائهم لإيران، وحملاتهم للقصاص من اردوغان. هذه هي محاور سياسة الحكام العرب. نفطهم تحول إلى مجرد شراب في مجالس اللهو، وإلى مجرد بارود يجري إشعاله في ساحات الحروب المفتعلة. فهل يجد نتنياهو أفضل من ذلك حال لكي ينفذ مشروع سلام إسرائيلي، تصبح القدس بمقتضاه مركز صنع السياسة في العالم العربي، وتصبح إسرائيل هي قيادة المنطقة؟!

وفي مواجهة كل ذلك، فإن الفلسطينيين يفتقدون إلى وحدة القيادة، وإلى ظهير عربي لمساندة سلام دائم، يقوم على الحق والعدل. ونظرا لضعفهم، وتواطؤ حكامهم، فإن التأييد العالمي لقضيتهم لم يعد كما كان، وإن كان مطلب تسوية القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، ما يزال يتمتع بتأييد القوى الكبرى جميعا باستثناء الولايات المتحدة.

الحقائق على الأرض

 

تشير حقائق القضية الفلسطينية إلى ما يلي:

-تعايش العرب والمسيحيون والفرس والتركمان والأكراد واليهود والأرمن والشركس والافارقة والأمازيغ وغيرهم من الشعوب لمئات السنين تحت حكم الإمبراطوريات الإسلامية المختلفة. وفي سياق هذا التعايش أسهموا جميعا في إقامة وتطوير الحضارة الإسلامية، التي لم تكن أبدا من صنع العرب وحدهم.

-ظهرت النزعة القومية في العالم مع صلح ويستفاليا بين الممالك الأوروبية في القرن السابع عشر، ثم زحف مفهوم القومية أو الشعوبية ببطء إلى الإمبراطورية الإسلامية، وبلغ ذروته مع ضعف الدولة العثمانية، وتكالب القوى الأوروبية عليها، ثم ظهور حركة كمال أتاتورك في تركيا والحركة القومية العربية في شبه الجزيرة العربية بزعامة الشريف حسين. وترافق مع ذلك أيضا ظهور حركة قومية بين اليهود، بلغت نضجها بقيادة تيودور هرتزل، هدفها إقامة وطن قومي لهم، بعد أن كانوا قد تعرضوا للتشريد والتصفية منذ سقوط الممالك الإسلامية في الأندلس، ثم سقوط الدولة العثمانية في اسطنبول.

-زعماء الحركة القومية العربية، بشكل عام، باستثناءات محدودة، منذ الشريف حسين، تواطأوا عمليا مع الحركة القومية اليهودية، سعيا لحماية أملاكهم وعروشهم، لكن هذا التواطؤ انتهى إلى فقدان العرب لمقومات قوتهم، وتفتيت شعوب البلدان ذات الأغلبية العربية، واستفراد إسرائيل بفلسطين والفلسطينيين، وتكثيف حركة الاستيطان اليهودي في فلسطين، حتى ارتفع عدد السكان اليهود فيها من 8.1 في المئة عند وعد بلفور، إلى أكثر ممن 80 في المئة عند إعلان قيام الدولة.

-بدلا من أن يصلح الحكام العرب علاقاتهم مع شعوبهم، ومع الدول الإسلامية المجاورة مثل إيران وتركيا، لتعويض الضعف الذي تسببوا فيه، فإنهم انحازوا إلى إسرائيل، وأقاموا العداوات وأطلقوا الحروب ضد أشقائهم وضد شركائهم في حضارتهم.

-خرائط المستوطنات في الضفة الغربية الآن تشير إلى أن عددها يصل إلى 503 مستوطنات، منها 29 في القدس الشرقية، يبلغ عدد سكانها جميعا أكثر من مليون شخص. يضاف إلى ذلك تجمعات استيطانية أقيمت بدون تصريح حكومي يبلغ عددها 15 تجمعا، ويعتزم المستوطنون إقامة 35 تجمعا جديدا في الضفة، من المتوقع أن توافق الحكومة على تقنينها.

-أتيح لي أن التقي الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات خلال مفاوضات أوسلو، وكان عرفات وقتها يكرر في تصريحاته استخدام تعبير (دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف). واسترعى انتباهي أن عرفات رحمه الله استخدم تعبير (القدس الشريف) بدلا من (القدس)؛ فسألت أبا عمار عن مغزى ذلك، يومها ابتسم عرفات، وهو يشعر بالمرارة من موقف الحكام العرب، وقال لي: القدس التي بناها الإسرائيليون غير القدس التي احتلوها. نحن نريد (القدس الشريف) لأن الوضع لن يسمح بأكثر من ذلك. أما القدس التي أقاموها فلها شأن آخر.

-مساحة المدينة القديمة في القدس (أو القدس الشريف بالمعنى الواسع) لا تزيد عن كيلومتر مربع، وتوجد فيها كل الأماكن المقدسة، والأحياء الأربعة الرئيسية داخل السور التاريخي (حي المسلمين، حي النصارى، حي الأرمن، حي اليهود). أما مساحة القدس كما هي الآن فإنها تبلغ حوالي 130 كم مربع، وما تزال قابلة للتوسع، ويعيش فيها نحو 920 ألف شخص، أغلبيتهم من اليهود بنسبة 65 في المئة بينما يشكل الفلسطينيون (مسلمون ومسيحيون) 35 في المئة. ويتعرض الفلسطينيون في داخل حدود بلدية القدس، وفي القرى المحيطة بها مثل الخان الأحمر في الشرق وكفر عقب في الشمال وصور باهر في الجنوب وغيرها لإجراءات هدم البيوت وتشريد السكان. وتعمل إسرائيل حاليا على تغيير طابع المدينة التاريخية بإحياء طريق للحجاج يقال أن اليهود كانوا يسلكونه قبل ألفي عام.

 تقوم خطة تصفية القضية الفلسطينية التي طورها بنيامين نتنياهو وتبناها دونالد ترامب، على مفهوم أن إقامة (سلام عربي – إسرائيلي) هو المقدمة الطبيعية لإنهاء القضية الفلسطينية. وهو مفهوم يمثل افتراقا عن مفهوم (الأرض مقابل السلام) الذي قامت عليه عملية إدارة الصراع بين الطرفين بمشاركة المجتمع الدولي منذ نهاية حرب 1973. الآن لا يعترف نتنياهو بالتنازل عن أرض للحصول على سلام وإنما هو يدعو لإقامة (سلام القوة) مع الاحتفاظ بالأرض والتوسع. وفي هذا السياق جرى تفاهم بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تتولى بمقتضاه واشنطن ترويج خطة تصفية القضية الفلسطينية في العواصم العربية، خصوصا الرياض، كما تحصل على مكافآت وعطايا من الدول النفطية تقدر بمئات المليارات من الدولارات. وطبقا للمفهوم الذي تقوم عليه “صفقة القرن” فإن الضفة الغربية ليست أرضا محتلة، وإنما هي مناطق متنازع على ملكيتها، ولا تخضع للقانون الدولي. وهذا يفسر ما قاله غرينبلات في كلمته في مجلس الأمن من أن طرفي النزاع وحدهما يقرران التسوية بعيدا عن القانون الدولي. وتركز خطة التصفية حاليا على إنهاء وجود كل ما يمكن التفاوض عليه بشأن القدس على وجه التحديد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية