الصمت وانزياحاته في قصص «عم تبحث في مراكش» لمحمود الريماوي

■ صدق دي سوسير عندما قال إنه لا يوجد في اللغة غير الاختلاف، حيث يبدو هذا النسق الدلالي والصوتي حاضرا طيلة (نصف دقيقة) من القص على أعتاب مجموعة محمود الريماوي «عم تبحث في مراكش».
طيلة رحلة سردية شائقة تسربلت بين أصابع ذكية لماحة وعميقة، يركب الريماوي أساسات التقابل بين قيمة الكلام العاطفية؛ لحظة اللقاء الموعود بالكاتب الإسباني خوان غويتوسولو في أحد مقاهي محيط جامع الفنا في مراكش، وهو «مقهى فرنسا» حيث كان ينزوي وشلته المتحلقة حوله يرتادها كل يوم، وقيمته العقلية التي تدرك ما وراء لحظة العبء والثقل الرمزي الذي يحبل به الزمن وإيقاعه البطيء.
بلغته المحمولة المجازية يداعب الكاتب محمود الريماوي أسرار العوالم الخفية لنفسية الموصوف، وهو يتسلل شيئا فشيئا إلى قبو شخصيته الصموتة الغامضة، ينفذ بسحر رشيق إلى سيرورته المتغافلة «بدا أصغر من سنه بنحو عشر سنوات، ولون سحنته رمادي على أبيض بلون ملابسه غير المتأنقة، ويشبه صوره بعض الشبه مع محاكاة لهيئة شبح مسرحي شيكسبيري».
بدا المدخل غير المألوف لبناء درامي متناغم أكثر تصريحا ودافعية من تحويل أنظارنا إلى علامات تتقاطع فيها معاني صورة البطل المتخيل بالواقعي. صورة تهتز بين وعي الذات الكاتبة والذات الأخرى. علامات تكمن في اشتباك العلاقة داخل الكاتب نفسه، مادامت درجات الانتقال من المتخيل إلى الواقع تستدعي أكثر من سؤال حول حقيقة المتخيل وصدمته المتجردة، حتى ليصير اتقاد السريرة وثورتها هو سر قوة الكاتب وعبقربته. وأحسب أن معرفة محمود الريماوي بخوان غويتوسولو قراءة وسماعا تشي بالومضات الثاقبة التي احتدمت طيلة مشوار القصة (نصف دقيقة) بغير قليل من القلق والتوجس والريبة. رؤية تنبجس من تحت ركام درامي هادر وشفاف مثل ماء صافي رقراق.
ومن حدود تلك الومضات مقاطع ملفوظات سردية متتابعة مترابطة ترابطا منطقيا «حين لمحته وحتى خلال المصافحة لاحظته غارقا في أفكاره.. ذكرياته، سوانحه.. والآن في جلستي وراءه فإن جذعه يبدو منحدرا للأسفل، ورأسه غارقا في رقبته».
يمكن استعادة العملية إياها كفكرة من دائرة بناء الوظيفة والشخصية في النص. وهو الربط الذي دعاه كلود بريمون بالجرد الكامل المفصل الذي سماه بالأدوار السردية الرئيسية (المفعول والفاعل والمؤثر والمحسن والمفسد)، وكمؤول استيتيكي للدائرة يمكن اعتبار المفعول في « نصف دقيقة» تلك العلاقة الشائبة التي تروم اندغامها من وفرة التحلل على التحول. كما الفاعل القابض على جمر السرد. أما المؤثر فتستتبعه كل أشكال ومظاهر الانشداد إلى فضاء تعجه الأرواح ومتاهات الحوار وشرودات الصمت ومحيط جامع الفنا، أسطورة الحكي وأقاصيه الباردة الممتدة في سرديات المهمشين.
إن ما يثير حقيقة في النص القصصي «نصف دقيقة» ليس زمانه السابغ المندس «اعتصم هو ورفيقه بالصمت. أن يتبادلا في واقع الأمر كلمة واحدة طيلة أربعين دقيقة وأكثر «، بل انخطافه لا زمنيا تحت عجز قاطع عن محاصرة البنية الزمنية التي تمثلها الأنا وتتلبسها. وهي ذات محايثة للوعي، بالمعنى نفسه الذي يقول عنه هوسلر أننا نكون على وعي بما يجري في داخلنا ونشعر بأنه جزء من ذواتنا، فهي إذن محايثة لوجودنا الذاتي. وأما ما يوجد خارج الوجود المحايث للذاتية فهو الغير. وتحضر هذه الأنا المفارقة عند الاتجاه صوب المحمولات التي تحاكي زمنية العلاقة ما بين الأسبقية والتبعية. أسبقية تدوير الأنا وانعكاسها على المحيط أو الغيرية، وتبعية المتخيل الآخر الذي يفرض عزلته وانتظاريته تجاه ما ينهض على الوجود ذاته.

لقد استطاعت قصة «نصف دقيقة» أن تستدرجنا إلى جزء أساسي من تفاصيل علاقة الكاتب الإسباني خوان غويتوسولو بزواره الذين كانوا غالبا ما يتحاشون الجلوس معه، وهو واجم لا يتكلم.

يقول الريماوي «لا تسرني مراقبتي لغيري… فأنا أراه لأول مرة، وكذلك اسمي، حتى أنه لم يعمد إلى مجاملة صديقي.. لكم أتوجس ممن يطيلون الصمت.. وأخذت من ناحيتي أراقب حلقة حكواتي الخ». كما لو أن الحكي يخرج من زجاجة، تسترق الإضمار بأشياء تختفي فجأة لتحجب أتعاب النفس وهي تئن تحت لفح صمت قاتل، مثير للاشمئزاز. إن تكثيف حضور الأنا يتسع ليحيط بالجوار، بها تتركز العين اللاقطة وتنمو في إدراك حسي جماعي مبهر، كما تأخذنا إلى خارج مفازة الصمت الميؤوس «وأخذت من ناحيتي أراقب حلقة الحكواتي غير بعيدة في الساحة. إنه يرتجل التمثيل، التشخيص في كل مرة يحكي فيها». ذلك أن الحياة التي تتقمصها أحاسيس الكاتب أكبر من لحظة الحرج، الصمت الذي غمر المقهى وأغرق جانبا مهما من الاستشعار بغموض غير منتظر. ويحس القارئ وهو يستحضر قوة اقتراب الفرج، ودنو الرحيل عن المكان، أن ثمة أشياء تخفيها لمعات الكاتب من خلف نظارة سميكة تعلوها دهشة ودقة تصوير غويتوسولو كما لو أنه بين حاجبيك؛ تعيد تشكيل جلوسه وتجمد حركاته وصمته المستديم «فالرجل أمامي ثابت لا يريم. متجمد في جلسته ورفيقه يشايعه ويفعل مثله. حتى أنه زاهد في الحسيات الأولية. لا يتناول مشروبا ولا يدخن مثلي».
مأزق لا يناسب إرادة مدسوسة في عقل الكاتب وهو يخامر سؤال المغادرة بدون نتيجة مسبقة. لكن الأجمل والأبلغ تلك اللمسة البهية الرائقة التي فكت عقدة سيزيف وهو يضع الأغلال من على ظهر الحمل، الذي غادر من متردم. فقد سعا الكاتب إلى تحويل أنظارنا فجأة عن حيوات خفية غير معلنة، متنقلا بنا عبر دهشات ساحة جامع الفنا التي ما فتأ يرتادها غويتوسولو وهو يمني النفس بمحاكاة ممثلي حلقاتها.
وإذ يشعرك الريماوي عن قرب إفضاء الهاجس السيكولوجي، الذي اعتلى جبل الصمت زهاء أربعين دقيقة بالتمام والكمال، مستنفدا كل درجات الإصرار على وجود ما يتناقض مع مشهد المقهى وحركاته وسكناته. تأتي آخر القلاع التي تسقط بالضربة القاضية. فقد وضع الكاتب بين أيدينا صورة الرجل المهم وهو يتحول إلى متفرج متصنم، لا يستطيع حتى تقليد «حلايقية جامع الفنا»، يقول الريماوي مستهزئا «وأنى له أن ينجح في أداء الدور وهو يراقب نفسه، وبدا خلافا لما يعتمل في نفسه راضيا بما جرى». الأدهى أن تستمر عملية التحنيط بعد نهاية الحلقة المأساوية التي تقاطعت فيها كل أشكال الشفقة والمواساة، إلى طرح شر السؤال: ما حاجة كاتب كبير لأن يكون ممثلا هاويا في الثمانين من عمره؟
لقد استطاعت قصة» نصف دقيقة» أن تستدرجنا إلى جزء أساسي من تفاصيل علاقة الكاتب الإسباني خوان غويتوسولو بزواره الذين كانوا غالبا ما يتحاشون الجلوس معه، وهو واجم لا يتكلم، أو عالق بين الترفع عن مواكبة العديد ممن له الرغبة في التعرف عليه ومحادثته.
ولم تكن لتقاليد الكاتب إياها، وهو المنذور للثقافة الكونية وحارسها العتيد، أن تحجب هذا السر الغامض الذي ظل يضفي ظلالا بعيدة من الوجوم والدهشة، سوى الانغمار في تلابيبه، دونما إدراك لجوهره وأسباب تشكله. وهو ما لم يتقبله كاتب بحجم محمود الريماوي، الذي لم يخف جانيا من عتب الامتعاض والغضب والتبرم المؤدب.
«نصف دقيقة» في مجموعة «عم تبحث في مراكش» كأرنبة سارحة في غابة متوحشة شاسعة. يكفي أن ترى ظلها العاتي مستصرخا لتشم مسافة زمنية تقطعها حالة النفس الأبية، تريد أن تخرج من جسد ثاو، يختزل فعلا جائلا بين السماء والأرض، لكم سرعان ما يصدها غمام الوقت لتبلغ وقدتها الذكية غير عابئة بما تخبئه مقادير الصمت ومحاذيره.

٭ شاعر وإعلامي من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية