باسل أبو حمدة في خضم تجربة العمل الصحفي، يستقي المشتغلون في مهنة المتاعب، كما يقال، دروسا قد يصعب على كبار الاستراتيجيين والمنظرين ملاحظتها في وقتها على بساطتها، ويتجسد أحد أهم تلك الدروس، التي قد ترقى إلى مستوى وقفات مفصلية لا غنى عنها ساعة محاولة سبر ظاهرة ما، في عدم اهمال التفاصيل مهما بدت صغيرة متضائلة الحجم أو حتى ثانوية وتافهة طالما أنها علقت في الذهن وراحت تلح على ملاحظها وتحثه على طرقها ووضعها في سياقاتها العامة الأعلى شأنا، لا بل إنها قد تشكل في أحيان كثيرة مفتاح قضيةا قد يفتح الباب على أقرب تشخيص سليم لظاهرة معقدة على غرار حالة الانقسام التي يمر بها النظام السياسي الوطني الفلسطيني منذ ست سنوات إثر الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية والانقلاب المضاد عليه، الذي أعطى الخلاف السياسي بعدا جغرافيا بانفصال السلطات الفلسطينية في قطاع غزة عن نظيراتها في الضفة الغربية والذي أصبح العنوان العريض لاستعصاء سياسي فلسطيني وإقليمي وربما عالمي طال أمده. أحد أبرز تلك التفاصيل يجسده، على سبيل المثال لا الحصر، تصريح وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي في منتصف نوفمبر الماضي لإعلان نتائج إجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة حول العدوان الاسرائيلي الأخير (عامود السحاب) على قطاع غزة، والذي تمخض عن عدة قرارات وتوجهات من بينها زيارة تضامنية يقوم بها وفد وزاري عربي مكون وزراء خارجية عرب في اليوم التالي إلى القطاع الذي كانت تفتك به حمم الآلة الحربية الجهنمية الاسرائيلية على مدار الساعة، وحينها قال ممثل الدبلوماسية الفلسطينية العتيد إنه سيكون جزءا من ذلك الوفد، مؤكدا ،في الوقت نفسه، أنه عندما تطأ قدماه أرض غزة سيقوم بواجب استقبال الوفد العربي في إشارة واضحة إلى الخلاف على الجهة الفلسطينية الممثلة للحكومة الفلسطينية التي تتحمل مسؤولية استقبال مثل هكذا وفد رفيع المستوى وإلى أن عين الوزير لا ترى شلال الدم النازف إلا من خلال ثقب موقعه الرسمي في حكومة رام الله. في اليوم التالي، ذهب الوفد الوزاري العربي إلى غزة في الوقت المحدد واستقبل استقبال الأبطال، لكن السيد الوزير تخلف عنه وبقي في القاهرة، وربما كان حرصه الشديد على التذكير بموقعه الرسمي، الذي يقف من خلاله على طرفي نقيض مع الحكومة المقالة في غزة بقيادة حركة حماس، السبب الرئيسي الذي حال دون مشاركته الوفد العربي التضامن المباشر مع أهالي قطاع غزة الفلسطينيين في إشارة واضحة أيضا إلى أن عصبوية من نوع ما تتصدر سلم أولويات حكومته وانتمائه التنظيمي ما حال دون إمكانية أن ينظر إلى المسألة من منظور وطني عام خاصة وأنها مسألة تتعلق بلحظة حرجة دامية كان يمر بها جزء أساسي من الشعب الفلسطيني الذي يفترض أن حكومة الوزير تمثله وتتحرك في خدمته وخدمة قضيته.حادثة المالكي كان لها أن تمر مرور الكرام لو أنها لم تأت في السياق العام لحالة الانقسام الفلسطيني الحادة والمستفحلة وهي تشي، في الوقت نفسه، بصعوبة إن لم يكن إستحالة المضي قدما في مشروع المصالحة الوطنية، الذي طال أمد تأجيله وتسويفه، كما هو عليه بعد أن شهد العديد من المحاولات المضنية والفاشلة، للأسف، للوصول به إلى بر الأمان ولم الشمل بين الفلسطينيين بوساطات مختلفة، لكنها كانت تتعثر في كل مرة لأسباب مرتبطة بالطرفين بدء من اتفاق القاهرة 2005، ومرورا بوثيقة الوفاق الوطني 2006، واتفاق مكة 2007، وإعلان صنعاء 2008، والورقة المصرية 2009، واتفاق القاهرة 2011، وانتهاء بإعلان الدوحة 2012، ومن الطبيعي أن يدفع هذا الكم الهائل من محاولات إصلاح ذات البين الفلسطينيين والعرب والعالم إلى النظر إليها جميعا بعين الشك لكثرتها وعدم رؤية أي منها النور.يتبين من كل ذلك أن سقف مشروع المصالحة الوطنية قد ارتفع عاليا وأن ملفاته ضخمة وشائكة بحيث أصبح من الصعب ملامسته وبالتالي، فإنه من المنطقي والواقعي أن يهبط طرفا الانقسام بذلك السقف إلى الحد الذي يمكنهما من الاتفاق على شيء ولو بصيغة منخفضة أو صيغة الحد الأدنى خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن من تمكن من توقيع اتفاقات وتفاهمات وهدنات مع العدو التاريخي للشعب الفلسطيني متمثلا بالدولة العبرية، حري به أن يجد لغة مشتركة بينه وبين أبناء جلدته ممن يدفعون ثمن العدوان المتواصل منذ 65 عاما الذي يشنه ذلك العدو نفسه على الشعب الفلسطيني، حيث يمكن وضع أستراتيجية عمل مشتركة بأهداف وأدوات عمل مشتركة واضحة ومحددة يجمع عليها طرفي الانقسام الفلسطيني وبقية الفصائل الفلسطينية حتى لو نحيت منها لبعض الوقت تلك البنود التي تحول دون تطبيق أي من اتفاقات المصالحة آنفة الذكر والمرشحة إلى مزيد من الاخفاق حتى لو جاءت في ظل الجهود الحميدة التي تبذلها مصر لرأب الصدع في كنف البيت الفلسطيني وفي ظل المناخ الايجابي الفلسطيني والعربي الذي أعقب دحر العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وحصول فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة، فضلا عن الروح المتقدة الجديدة التي تتحلى بها المنطقة بعد الربيع العربي. وبينما نؤكد على أن اتفاقا ‘مرحليا’ ينهي بشكل جزئي حالة الانقسام الفلسطينية لن يكون نهاية المطاف، نرى أن هذا الاتفاق من شأنه تعزيز الإرادة السياسية الحقيقية للخروج من هذا النفق الفلسطيني المظلم، الذي يعد الانتصار الأكبر الذي حققته الدولة العبرية في تاريخها الحافل بالعدوان، لكن كي لا تبقى هذه الإرادة السياسية ناقصة وطوباوية، فإنه من باب الأولويات ألا تقتصر الشؤون التي يتم التحاور على أساسها على ترتيبات تتعلق بالأطر التنظيمية والإدارية والأمنية والانتخابات وتشكيل حكومة وحدة وطنية وما إلى ذلك من مسائل تضمنتها الاتفاقات السابقة، فمن باب الأولويات أيضا أن تفتح ملفات عالقة أخرى شكلت الخلفية السوداء التي قامت عليها حالة الانقسام عينها ومن دونها لا يمكن لأي اتفاق أن يرقى إلى مستوى المصالحة الوطنية أو حتى أن يسير على دربها. على رأس تلك الملفات ملف عملية أوسلو وأخواتها ومنتجها السياسي المتمثل في السلطة الفلسطينية وقبلها أو بعدها مبادرة السلام العربية ومآلاتها والمصائب التي انهالت على الشعب الفلسطيني تحت يافطتها وفشلها الذريع وإعادة قراءتها وتحديد مسؤولية من تبناها بشكل صريح وواضح ومدروس، وذلك للحليولة دون استمرار العقلية التجريبية التي شكلت حوامل سياسية قاتلة للقضية الفلسطينية طوال عشرين عاما وللخروج باستنتاجات واقعية تنأى بنفسها عن اللغة الاتهامية والتراشقية السائدة في الساحة السياسية الفسلطينية وترقى بمستوى الوعي بالمصالح الوطنية العليا للشعب الفسطيني. أما الملف الآخر، الذي يجب ألا يصار إلى القفز عنه بأي حال من الأحوال فهو ملف إجهاض العملية الديمقراطية والانتخابات التشريعية التي أوصلت عام 2006 حركة حماس إلى سدة الحكم وتحديد هوية الجهة المسؤولة عن هذا الانقلاب والانقلاب المضاد ومحاكمتها ومحاسبة ممثليها أمام الرأي العام وأمام القضاء أيضا لأن اضرارهما لم تقتصر على الشأن العام فقط، وإنما امتدت إلى أرواح الناس العاديين ومصالحهم. ‘ كاتب فلسطيني qmdqpt