«الصورة الأخيرة».. حكاية فلسطينية لم تصنعها السينما

تخلق المحنة فرصا أكبر للتنوع الإبداعي في السينما الفلسطينية، وكثيراً ما يخرج التناول عن طوره التقليدي في الرؤى الإنسانية، خاصة إذا كان الموضوع يمزج بين الدوكو دراما والصورة الحية المُستنبطة من الواقع المعيش، ولهذا النوع السينمائي شروط ومعطيات خاصة بما يتصل ببلورة الفكرة وصياغتها على النحو المؤثر فنياً ووجدانياً.
فيلم «الصورة الأخيرة» للسيناريست والمخرج الفلسطيني سعود مهنا هو محض تجريد لأحداث حقيقية، جمعت بين ثلاثة أبطال، فتاة وشابين في عمر الزهور صنعت منهم الظروف حكاية تراجيدية بالغة الحساسية. فالحكاية كما هي مروية في الفيلم التسجيلي – الروائي تبدأ فصولها من انبعاث الذكرى المؤلمة في مُخيلة البطلة الراوية للأحداث، وهي الفتاة الصديقة التي تستعرض تفاصيل علاقتها البريئة بالبطلين إبان فترة التقائهم قبل سنوات، فتتذكر وهي جالسة في حجرة مكتبها أمام مصدر الإضاءة الشحيح، كيف كانت هي وصديقاها، يعانقان الحياة في فرح غامر وأمل تمتد خيوطه إلى أبعد ما يصل إليه خيالهم، فكم مرة ذهبوا فيها إلى البحر وراقبوا أمواجه الهادرة في رهبة وترقب للحظة سقوط قرص الشمس في الماء، إيذاناً بانتهاء ساعات النهار وبداية نزول الليل وإحلال القمر محل الشمس، كأنه الموعد المُنعقد بين الأصدقاء الثلاثة يشهد عليه القمر الساطع فيغمره بضوئه لينير طريق المستقبل أمامهم.
ويثور السؤال مجدداً، متى كان الجلوس في ظلال الأشجار، وبين الحواري والأزقة القديمة مُتعة تقفز على معاناة القهر والإيواء، وقلق الانتظار الطويل في عتمة الخوف من المجهول المقبل بلا إنذار.. لم يدر بخلد الفتاة الجميلة، التي تربت بين صديقين شقيقين، أن الأقدار تخبئ لهما مصيراً مؤلماً، وتعدهم بمأساة تستدعي مزيداً من الصبر والاحتمال، كأن ما يعيشونه هو أقل من قدراتهم وأهون من عزيمتهم القوية.
تتباين المواقف الإنسانية في مسيرة البطلين، وتتصاعد الأحداث دون أن يكشف المخرج والكاتب عن المفاجأة التي تُمثل ذروة الأحداث، وتصل بالحكاية إلى نهايتها، فلا تزال الصورة المُفعمة بالأمل هي العنصر المُتجلي في الكادر السينمائي، تزينها ضحكات الأصدقاء الثلاثة أو بالأحرى الأشقاء، حسب ما تُنبئ به الإشارات الذكية الدالة على براءة العلاقة بينهم، إذ لا محل لضغينة، أو كراهية، أو غيرة، أو مشاعر خاصة ناشئة بين اثنين دون الآخر.
لقد حرص سعود مهنا على الحياد العاطفي بين الشابين تجاه الفتاة الجميلة الرقيقة، حتى لا يتخلق صراع آخر فيوجه التأثير الدرامي بعيداً عن الهدف الذي تتأسس عليه الانفعالات النفسية بالحدث الرئيسي، ويظل إيقاع الفيلم متراوحاً بين تأثيرات الإضاءة والألوان، ولغة الصورة والمؤثر الموسيقي، إلى أن تنتهي مدة التمهيد لما سوف يأتي بعد أجواء المسرة والمرح والانطلاق واحتضان الروح للروح في توأمة إنسانية صادقة تعقبها صدمة مروعة. وتبدأ مرحلة التأثير المفاجئ، حيث تتزلزل الأرض بالقصف العدواني الإسرائيلي وترتفع ألسنة اللهب في كل الأمكنة ولا يُسمع غير صوت القنابل والدانات، ولا يُرى من الصورة غير جانبها المُظلم الكاشف فقط عن انهيار البنايات وهرولة البشر في كل الاتجاهات بحثاً عن ملجأ أو مكان آمن يعتصمون به من الموت الساقط على رؤوسهم. وهنا يُميط المخرج اللثام عن الحقيقة المرة القابعة في ذاكرة البطلة الراوية، حيث تستفيق من شرودها فلا ترى غير صديقيها وقد بُترت ساقيهما من خلاف، فتقف عاجزة عن أي حراك، اللهم غير ما يُلهمها به ضميرها فتسرع إلى أقرب محل أحذية فتأتي بحذاء فتُلبس كل منهما فردة في ساقه التي ظلت قائمة كالوتد ليكتمل المعنى وتتكون الصورة الأخيرة للصديقين الحميمين، وقد جمع بينهما مُشترك واحد هو الإصابة، وذلك الحذاء الواقي لقدميهما من البرد الزمهرير والحر القائظ، كأنهما خُلقا ليكونا كياناً واحداً.
وفي مشهد النهاية يرسم الأبطال الثلاثة ابتسامة التحدي على شفاههم في مواجهة الكاميرا كعنوان بلاغي لمعنى الحياة التي لا يصلح العيش فيها إلا بالصمود والإيمان المُطلق بالقضاء والقدر.. إنه الاستلهام الإبداعي من الواقع، بلا أدنى تزييف أو تزيين، حيث لا حاجة لمن يؤلف أو يصوغ مشاهد أو مواقف خيالية، فالحقيقة جلية وواضحة لا تحتاج إلا للتأمل والإمعان في ما يبتكره صُناع الجمال الحقيقيون بأبسط الإمكانيات وأعمق الرؤى وأنبل المشاعر.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية