الصورة في البحرين..البيان الأول للمواجهة

حجم الخط
0

أثير السادةالأصابع التي مرت عبر اليوتيوب تركت أكثر من مليوني ضغطة على مشهد اطلاق النار الذي تعرضت له مجموعة من المتظاهرين في البحرين وهي ترفع أعلامها الوطنية وتؤكد سلمية الاحتجاج، لتجعل من هذا المقطع الملطخ بالدم والمسجل بالهاتف النقال واحداً من أكثر المقاطع مشاهدة على محرك البحث عن البحرين في الموقع الشهير.

لا أحد يتذكر اليوم صورة السيوف والأسياخ التي عرضتها قناة البحرين الفضائيةبعيد حادثة الخميس الدامي في داور اللؤلؤة، لأن صورة واخزة للشهيد علي خضير برأسه المهشم كانت كافية لنسيانها، ولا أحد يتذكر ماذا كان يقول عقيل سوار ومذيعو القناة الرسمية في الأستوديو في يوم الحادثة، لأن ارتعاد صوت الصحافيةريم الخليفة الباكي في مؤتمر وزير الخارجية البحريني كان كافياً لينفرط عقد الرواية الرسمية.. كانت تلك الجولة الأولى التي عرفنا معها أن فضاء الصورة مفتوح على فنون المناورة، وأن الشارع بات على دراية أن صورة واحدة تعادل آلاف الطلقات.

ستسهر القنوات الرسمية على حصار كل شيء بالصمت والمواربة، بالكر والفر بينالاسترضاء والتهديد، فيما يبدو استدعاء ً لدرس قديم في صناعة الإعلام من جيل ماقبل الإنترنت ووسائل الاتصال الذكية، في حين سيطلق المتظاهرون العنان للهواتفالنقالة لتكون المنصة التي يقف عليها العالم لمعاينة ظلال أحلامهم، والاستماعلهتافاتهم التي احتضتنها الشوارع بعد ارتوائها بالدم.

باتت الصورة مظلتهم الوحيدة في سماء إعلامية تلوثت بالخوف، حتى المحطات التيشاكست كل الدول العتيدة، ونادمت كل عناوين الحرية الإعلامية لم تسع جراحات هذا الشارع، فكان حضورها الباهت جزءاً من تجفيف ينابيع الحقيقة، لذلك انحاز الناس إلى خياراتهم، إلى خيار النشر السريع والفوري عبر قنوات التواصل الإلكتروني، واليوتيوب، والتي أكدت أن من يملك الصورة لا يسعه الغياب.

هكذا كان البيان الأول للمواجهة منذوراً للصورة، كل شيء يجري تهيئته ليكونصورة، وهذا ما يجعل مذيع القناة الرسمية يتأفف من مشاهد الورد التي يحملهاالمتظاهرون والتي حالت دون أن تكون المظاهرات حبل غسيل لنشر الاتهامات الجاهزة، وجعلت من مسألة النظر إلى الحدث بالنسبة للمشاهدين فرجة معصورة بالأسئلة، عن حقيقة وقيمة النظرات المختلسة التي تمررها القنوات الرسمية من ذلك المشهد.

بهذا الارتباك الرسمي وهذه الشجاعة الشعبية في المقاومة بالصورة رسمت الأحداثتفاصيلها على خارطة الإعلام العالمي، كلما تقدمت الصورة في ميدان الحدث تراجعالخوف خطوات، فلا مساحة متروكة للظلام، أضواء الكاميرات الجائلة تحاصر عقارب الوقت، تحبس أنفاس المرتعشين في الاستوديوهات المغلقة، وتوسع من ثقوب النظر إلى الشعار الذي بلغوا معه حد الثمالة: سلمية سلمية.

اليوم تجري محاولة التعويض لهذه الخسارة البصرية التي انتهت بشوط لم تنضبط فيه الصور داخل الإطار، شوط أُخذ عنوة الى لقطة فائضة بالعنف، ليعاد تدوير شروط اللعبة، وتصبح بعدها الصورة ذريعة لفتح الطريق لكل الاحتمالات، ولكل المغامرات التي ستبقى الصورة المضادة تحاصرها طمعاً في أحداق تنظر وتبصر من وراء انسانيتها، وحتى تصبح الصورة فعلاً مقاوماً للنسيان.

ناقد وكاتب سعودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية