الصورة والظل في رواية «تفاح المجانين» ليحيى يخلف

■ تُعنى الرواية الفلسطينية في مجمل خطابها باستعادة مركزية التجربة الفلسطينية الخاصة في اللجوء والنفي، وما صحبه من تداعيات مأساوية نتيجة النكبة التي شكلت منعطفا تاريخياً في وعي الإنسان الفلسطيني، بمن في ذلك الكتاب والروائيون الذين سعوا إلى تقديم إيقاعات متعددة لهذا الحدث؛ ما أوجد ثراء على مستوى المضامين والقوالب الفنية، ومع ذلك فثمة اضطراب في بعض الأحيان يطال صيغة البنية السردية التي تتضخم من أجل حشد الكثير من التفاصيل بغية تكريس مشهدية الحدث وتاريخيته عبر صيغ وثائقية، إذ دأبت الرواية الفلسطينية على إعادة إنتاج صورة الحدث المؤلم؛ ما أوقعها في التكرار، فضلاً عن بروز نسق من النمطية. ولعل من الروايات التي فارقت تلك النمطية رواية «تفاح المجانين» للروائي الفلسطيني يحيى يخلف، إذ اتسمت بمقاربة جديدة على مستوى كثافة النص الذي بدا متخففا من حشد التفاصيل التي تثقل كاهل النص، وتسهم في تراجع حدة جاذبيته، الرواية في تشكيلها العام تكاد لا تبتعد في تكوينها عن تداعيات اللجوء والاحتلال، كما النكبة، مع استحضار قيمة الذاكرة لعالم مفقود، غير أنها اتخذت سبيلاً بدا لي خارجاً عن المألوف، وهذا تحدد عبر الصيغة السردية التي اضطلعت بمهمة السرد، الذي يسند إلى طفل ينقل الأحداث، ويعلق عليها، كما يمارس جزءاً من توليد الأجواء السردية في قالب مبسط لا يعمد إلى نبرات السّخط بمقدار ما يحتمي بالسخرية في جزء منه.

دأبت الرواية الفلسطينية على إعادة إنتاج صورة الحدث المؤلم؛ ما أوقعها في التكرار، فضلاً عن بروز نسق من النمطية.

من خلال الإهداء الذي يضعه يحيى يخلف نقرأ وعياً أو نسقا يكاد يتخلل مجمل الرواية الفلسطينية، التي تبقي على قنوات شعورية مع جيل الآباء، الذين عايشوا النكبة، ولهذا يتقدم في الإهداء إلى تكريس هذا الحضور العاطفي المشوب بشيء من الإشفاق والتقدير، كون الأجداد أو الآباء قد تجرعوا المرارة، وقسوة الحياة، مع الإبقاء على معنى حلم العودة في زمن الخيانات العربية المستمرة إلى يومنا هذا؛ ما يعني أن التشكيل السردي يبدو ضمن الصيغة التي تكاد تتوافق عليه السردية الفلسطينية، التي ترى ضرورة عدم فصم سلسلة توارث الحكاية بين الأجيال، خاصة مع الجيل الذي شهد النكبة، وهذا يشكل جزءاً من الاستراتيجية الخطابية، التي تنتهجها الرواية الفلسطينية. تنهض الرواية بشكل محوري على طرافة الموروث الفلسطيني الذي يتعلق بتلك الفاكهة التي توجد في البيئة الفلسطينية، ولهذا يطلق عليها «تفاح المجانين» كونها تعمل على إطلاق طاقات الإنسان، والتخفيف من حدة العقل، مع مدّ الإنسان بطاقة جسدية هائلة. إن محورية ثمرة «تفاح المجانين» ما هي إلا نموذج رمزي معبر عن حاجتنا للتخلص من وهم الخوف الذي يسكن في داخلنا، في حين أن منظورنا قاصر عن إدراك ما نتمتع به لكوننا بتنا مستلبين في عالم يحتكم إلى هيمنة السلطة والبطش، كما الخوف، ففي أيام الجوع والجفاف يضطر الناس في المخيم إلى أكل ثمرة تفاح المجانين، وهي ثمرة تعرف باسم (بيض الجن)، لها تأثير المخدر، بالإضافة إلى أنها تؤدي إلى قوة جسدية هائلة، وتصيب الناس بالمس، وربما التصرف بسلوكيات غير معقولة: «يقولون بأن من يأكلها يصيبه الجنون ولا يكون مسؤولا عن أفعاله. ويقولون أيضا من يأكلها تصبح له قوة الأسود، ودهاء الثعالب، ومن يأكلها يصيبه زهو الطواويس وكبرياء النسور، وقد يدفعه ذلك إلى القيام بأعمال جنونية». هذا يأتي في علاقة أهل الحي مع المخفر أو النقطة الرابعة الذي يرمز إلى سلطة تمارس التعذيب والعمالة والخيانة، كما جسدتها شخصية «الفورمن»، و«الشاويش»، ولاسيما تعاملهم مع الإنكليز، غير أنه لا أحد من أهالي المخيم كان يجرؤ على الذهاب مع العم تحصيل دار، عند استدعائه من قبل مخفر النقطة الرابعة.

تقع الرواية ظاهرياً في سياق التقليدية التي تميز الرواية الفلسطينية من منطلق أن المقاومة هي الخيار الصحي أو الأكثر منطقية في مواجهة هذا الواقع الشاذ.

إن معظم الشخصيات التي تجتمع في مجلس العم «تحصيل دار» تبدو لنا في بنائها، أو فضائها الدلالي منسجمة مع الصيغة العامة للشعب، الذي يبدو مغلوبا على أمره خاضعا لواقع لا خلاص منه، فيلجأ السيدان: العم «تحصل دار» ووالد الراوي إلى فلسفة حياتهما الجديدة بكل ما تنطوي عليه من تفاهة، بعد أن اقتلعوا من أرضهم وبيوتهم، فيأتي فعل الاستذكار للخيول التي كانت في زمن بعيد جزءاً من مخيال وعنفوان هذا الشعب، الذي كان ينعم في أرضه، حيث جاء في الرواية: «يروي العم تحصيل دار للوالد وهو يلف سيكارة الهيشي بأوراق (الأوتومان) عن الحصان الذي كان يركبه أيام العز، وهو يلبس بنطلون الفرسان من نوع (بريشز) ويضع البندقية أمامه فوق السرج»، في حين يسارع والد الراوي لتذكر فرسه الشقراء. إن الفرس والخيل بما تحتمله من وعي جمعي ساكن في المخيال الشعبي الفلسطيني، يشكل لحظة توقف فيها الزمن، بل توقف ولم يتقدم، فالقيمة لمعنى الوجود لا يمكن أن يقاس في ظلال الإهانة والإذلال. ولعل مفردات الفرس والبندقية تحيل إلى متعالية قيمية اتصلت بوجود الوطن، وفي ظل فقدانها تلاشت ملامح القوة والعنفوان، لتبدأ الأشياء بالضمور والتلاشي شيئا فشيئا. إن الإهانة التي لحقت بالعم «تحصيل دار» تسببت في وفاته قهراً وحسرة وألماً، فبعد أيام العز والحصان الذي كان رمزا للزهو والقوة يظهر «طريف» الحمار الذي يطرأ على المخيم، هكذا تمسخ القوة إلى نموذج ضعيف (الحمار) الذي يحيل إلى انحطاط العالم وبؤسه، فضلاً عن الانكسار والتحول، وربما هذا يتقاطع مع ما يمكن أن ننعته بمعادل موضوعي للواقع المتردي، الذي آلت إليه أحوال الفلسطينيين، وبوجه خاص مع تمكّن قيم الفقد والخسران التي يستشعرها الفلسطيني في كل يوم من حياته، التي اتخذت وجهة جديدة عندما غادر أرضه، فمع شروق شمس صباح ستبقى ذكرى الوطن شوكة أو جرحاً يضغط على هذا الإنسان الذي تحول إلى كائن مقتلع، فهو لم يعد يملك وطنا أو بيتاً، وأنه سيبقى لاجئاً غريباً بمن في ذلك الأجيال التي ستأتي.
تقع الرواية ظاهرياً في سياق التقليدية التي تميز الرواية الفلسطينية من منطلق أن المقاومة هي الخيار الصحي أو الأكثر منطقية في مواجهة هذا الواقع الشاذ، وشديد التعقيد، كما رسمتها شخصية «الخال»، الذي خرج من الاعتقال غير أنه ينتهي به للعودة، أو للخروج من واقع الذل الذي تسببت به مسرحية تمثيل شخصية الذي توفي للحصول على الإعاشات من الأونروا. إن محاولة استبدال «العم تحصيل» بشخصية الخال المقاوم تنطوي على مؤشرات دلالية مهمة، صاغت الوعي السردي الذي انتهجه يحيى يخلف في عمله، فالعم تحصيل استدعي للنقطة الرابعة أكثر من مرة، وتلقى الإهانة تلو الإهانة، كما الضرب والاحتقار من قبل السلطة التي كانت قائمة هناك، في حين ثمة شخصية أخرى تقابله هي شخصية (الخال) ذاك المقاوم والمعتقل، الذي يعود إلى الحي، ليعمل أجيراً، وعندما يموت العم «تحصيل دار» والد بدر العنكبوت بالتزامن مع سعي وكالة الأونروا إحصاء الموجودين في المخيم، تطرأ فكرة أن يمثل «الخال» شخصية العم «تحصيل دار» كي يحتسب حقه في الإعاشة، ويحصل عليه ابنه «بدر العنكبوت»، غير أن الأمر ينتهي بصورة مأساوية حين ينكشف الأمر، وتتحقق الصدمة في وعي «الخال»، الذي آثر أن يرفض هذا التصور الجديد، أو الصورة التي حاولت أن تقوم بمسخه من مقاوم إلى متسول لحفنة من الطحين والسكر، وهذا ما يتنافى مع النموذج الإيجابي أو المطلق لمعيارية المقاومة، ورفض أن تختزل القضية إلى نموذج معيشي بائس، إذ يكنى عن هذا أيضا في جزئية الوالد الذي كان يرفض في بداية الأحداث أن يشمله الإحصاء، من منطلق الكبرياء، غير أن قسوة الحياة جعلته يتقدم للوكالة للحصول عليها.

ميّزت الرواية الفلسطينية في كثير من محطاتها، فضلاً عن قصورها في تحقيق وعي جديد لقراءة مستقبل الوجود الفلسطيني في عالم تحكمه المصالح.

إن رفض «الخال» لأن يتحول إلى متسول يتضح في صوة استعارية شكلتها تلك الكتل السردية التي قدمها الراوي الطفل لحكاية الحمار «طريف»، في حين أن القارئ لا تنقصه القدرة على تفكيك الإشارات الدلالية لهذا التكوين السردي الذي بدا موفقا من حيث تحديد آليات العمل الدلالي، وتقديمه بصورة لا تبدو شديدة الصخب على مستوى الوعظ والبكائية، التي ميّزت الرواية الفلسطينية في كثير من محطاتها، فضلاً عن قصورها في تحقيق وعي جديد لقراءة مستقبل الوجود الفلسطيني في عالم تحكمه المصالح، وعلى ما يبدو فإنه لا يكترث لقيم الحق والعدالة. إن صور تمثيل حالة اللجوء تتضح من خلال ذلك الانعكاس لواقع المخيم، حيث تمثل المعلمة صورة للنفور من الأطفال اللاجئين وروائحهم، وهذا ما يعمق صورة السلبية التي تحيط بواقع اللجوء، ورفضه، حيث تنفى القيم الإنسانية عن هؤلاء اللاجئين من جهة، ومن جهة أخرى تتخذ العلاقة مع السلطة ممثلة بالنقطة الرابعة، والشاويش، والفورمن، والمعلمين اتجاها واضحا من قبل الطفلين (الراوي وبدر العنكبوت) حيث نقرأ عن قسوة المعلمين في المدرسة، كما قسوة الشاويش، وغير ذلك من رموز السلطة في مجمل النص، ولهذا لجأ «بدر العنكبوت» لتناول تفاح المجانين من أجل اكتساب القوة لمهاجمة مخفر الشرطة، أو صنع بندقية من خشب، وغير ذلك من المحاولات لاستجلاب القوة التي تبرز في النص باعتبارها ثيمة جدلية، لكنها غير محسومة، فكيف يمكن أن تتجسد القوة من خلال قيم خارجية كتفاح المجانين، أو ربما ينبغي أن تأتي من الداخل، غير أن هذه القوة تتجسد حقيقة برفض حكم التسول والإهانة التي تجسدها وكالة الغوث، خاصة حين تفشل مسرحية تقمص الخال عمران لشخصية العم «تحصيل دار» ما يؤدي إلى غضب الخال وثورته، فينقض على مترجم وكالة الأونروا، ويدوسه بقدمه، ومن ثم يخرج إلى البراري حيث تنتهي الرواية بمؤشر دلالي واضح يتصل بسؤال البحث عن القوة، أو معنى الاختيار: «لم نستطع اللحاق بالخال. كان قد ابتعد وابتعد. وظللنا نراقبه وهو يصعد الجبل المقابل. كان يبدو بحجم رأس الدبوس، وظل يبتعد حتى اختفى تماما. قال المشط: إنه يعود إلى هناك مثلما تعود الطيور إلى أعشاشها».

٭ كاتب فلسطيني أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية