الصورة… وسيلة تجسّد مكنونات الفكر

كيف نرى الصورة؟ السؤال الذي يطرحه جاك أومون في كتابه «الصورة»، الصادر عن المنظمة العربية للترجمة عام 2013، ترجمة ريتا الخوري؟ والمؤلف أومون شغل منصب مدير معهد التعليم العالي للعلوم الاجتماعية في باريس، وأستاذ فخري في جامعة السوربون الجديدة، له أكثر من عشرين مؤلفاً في السينما والرسم والفوتوغراف.
الجديد الذي يقدمه هذا الكتاب، إلى جانب التحليل الدقيق للصورة، (ويعني بالصورة العمل الفني واللوحة) هو تناول آخر التقنيات التي توصل إليها عالم التكنولوجيا، إذ يستعرض المؤلف المجالات الحديثة المتصلة بعالم الصورة كوسيلة تعبير وتواصل، وكطريقة تجسّد مكنونات الفكر، وفي هذا السياق، يمكن اختصار المشكلات الكبيرة التي تطرحها الصورة ضمن ست مقاربات متتالية:
الصورة كظاهرة إدراكية، والأمر يتعلق بفزيولوجيا الإدراك، الصورة كغرض يراه المشاهد، أي العلاقة بعلم النفس، الصورة في إطار العلاقة مع المشاهد، من خلال وسيط ما وجهاز معين، وهنا يذهب المؤلف نحو علم الاجتماع والوسيطية، الصورة في استخداماتها المتعددة، وهذا مجال علم الإنسان، والصورة عبر التاريخ لها قدراتها التي تميزها عن اللغة، وعن سائر الرموز التي تتيح التعبير الجمالي. باختصار، تعد الصورة شكلاً من أشكال الفنون الناقلة لواقع ما، أو ابتكار مشهد آخر من نسج الخيال.
حاول جاك أومون إظهار كل الصفات التي تتمثل في الصورة (التشابه، التعبير، الانفعال، معرفة المرئي، هندسة الأشكال)، باختصار أراد الكشف عن ميدان واسع ومتنوع من نشاط الإنسان وخبرته، الصورة في اللغة تشير إلى حقائق عديدة، من الصورة الذهنية إلى صورة الحلم، ومن الصورة الشعرية إلى الصورة الرمزية، فكل هذه الاتجاهات، المهمة والأساسية يعبر عنها الفنان حين يعمد إلى الكشف عن الجوهر في أعماق الأشياء، فهو إنما يقصد البحث عن صفات الخلود في تلك الأشياء، ومعنى ذلك أنه يسعى إلى تأكيد العناصر الجمالية من خلال اللوحة، التي توصله إلى اقتناص لحظات الإيماض في ولادة الخلود.
منذ الأزل لا يكف الإنسان عن الاندهاش، العالم المحيط يثيره، والبصر، هذه المنحة العظيمة ما تفتأ تثير فيه إحساساً رائعاً باللون، ومنذ القدم، والإنسان يحب اليقظة، يحب النهار والضوء، ويحاول أن يختصر من النوم والظلام قدر المستطاع، ترى مزاجه يتغير نحو الأحسن عند شروق الشمس، ويكتئب عندما تغيب فالزمن يتحرك، ونحن نومض في مساره، أشكالاً وأفكاراً وأخيلة، غير أننا حينما نعبر ساحة الحياة، معتمدين في ذلك على إدراكنا الحسي للعالم، سنكون على يقين من أن الإدراك صحيح من الناحية الموضوعية، وأن هذا الانطباع نفسه، يشعر به أي إنسان آخر في الوقت ذاته. لكننا نعلم – كحقيقة علمية – أن أحاسيسنا اللابصرية، لا تزودنا بمعلومات مرئية.
إن الأوهام تؤكد أن العين أيضاً تزودنا بمعلومات غير صحيحة حسياً، وهذا هو البحث الذي قاد الفنانين البصريين إلى اكتشاف بعد آخر للحقيقة ما زال مخفياً بين قرنية العين والدماغ، وهي منطقة لم تكتشف بكاملها بعد.
إن اللوحة الفنية (الصورة) اليوم، تفيض وتمتد خارج إطارها الاعتيادي والزمني، ومع التقدم المادي والتقني للإنسانية، فالفنون والعلوم تلتقي من جديد لتأليف خيال يتناسق وينسجم مع حساسيتنا ومعرفتنا الراهنة، وثمة حوار بين الفنان والمتلقي، حوار غير متعادل حول ماهية الأثر الفني، ينطلق من موقع كل منهما ازاء الآخر، ولعل ذلك يعود إلى درجة ثقافة أي منهما، وامتلاكه لغة الفن، وإحساسه العميق بقدراته التعبيرية، وخياله الواسع في قراءة تلك الصورة (اللغة) وما ورائياتها.
من بين الاختراعات التقنية في مجال الصورة، يشير المؤلف إلى واحدة فقط أحدثت ثورة، وهي فن التصوير الفوتوغرافي، التي أتاحت إمكانية إنتاج صور اوتوماتيكية، تفلت بجزء منها على الأقل من التدخل البشري، يقول المصور الأمريكي لويس هاين: لو كنت أستطيع أن أروي القصة بالكلمات، لما استعنت بالكاميرا، المصور الفوتوغرافي يحرر المحتوى الإنساني من الأشياء الجامدة وعديمة الروح.
والصورة كأي نتاج بشري، يمكن أن يعامله اختصاصيو علم الإنسان، كمصدر معلومات أو شهادة، وغالباً ما تعد بمثابة رمز، وتطورت هذه الوظائف التوثيقية بشكل ملحوظ، واتسعت منذ مطلع العصر الحديث، مع ظهور أنواع الصور، مثل مناظر الطبيعة، والبورتريه التي تهدف إلى نقل الأشكال بأكثر أمانة ممكنة، فضلاً عن القيم الجمالية والفنية التي تتركها الصورة.
إن أهمية المادة التي قدمها هذا الكتاب من الناحية العلمية والفكرية والثقافية، تعد إضافة جيدة لمكتبتنا العربية التي تفتقر إلى دراسات من هذا القبيل، فنحن في باختصار في عصر الصورة.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية