الصور الدراميّةُ في ديوانِ المشاهد: ‘مشاهد من مخيم اللاجئين’ للشاعر أحمد نبوي

حجم الخط
1

الشاعر المصري أحمد نبوي من الشعراء الذين وهبوا حياتهم للشعر بعامة وقصيدة التفعيلة بخاصة، التي رسَّخَ لها الجيل الأول في الشعرية العربية الجديدة، قدم نبوي للساحة الشعرية مجموعة من الدواوين المهمة التي تقتنص لحظات البكاء الشعري، فالنص لديه جُمَّاعُ المآسي العربية التي تحياها الذات العربية بعامة والفلسطينية بخاصة / اللاجئين في كل مكان، لما تعانيه الشخصية من تمزق للهوية، وفقدان للحياة على المستويين، النفسي والاجتماعي .
جاء ديوان الشاعر أحمد نبوي بعنوان ( المَشَاهِدُ ) في أربعة عشر نصا شعريا، معتمدا على السرد الأليم / المبكي بكاء معنويا ــ في حقيقة الأمرــ لما يجسده الديوان شعرية درامية منسوجة بعناية ،لتمنح المتلقي دلالة مهمة مفادها أن الشاعر يلتحم بالأخر العربي اللاجيء الذي فقد وطنه، وأصبح يبحث عن وطن في الذكريات وكتب التاريخ والقصص العربية، وعلى صفحات المجلات والجرائد اليومية .
وقبل الولوج داخل المتن الديواني، ينبغي أن نقف على العتبة الأولى للنص وهي العنوان، فمفردة المشاهد جاءت في صيغة الجمع، لتدل على مشاهد مطلقة من الحياة، ولكنه الشاعر لجأ لتخصيص هذه المشاهد بوضع ال التعريف، ليعني من ورائها مشاهد من حياة اللاجئين في فلسطين تحديدا، بوصفه شاعرا مصريا عربيا، يدرك أهمية الكلمة ونبضها، في ملاحقة الأعداء الكيان الصهيوني الذي اغتصب الأرض العربية في فلسطين والجولان وجنوب لبنان، وأمعن الشاعر في التخصيص فلجأ إلي إضافة مخيم اللاجئين، وهي تشي أن النصوص التي يحملها الديوان هي من شعر المخيمات التي يعيش فيها اللاجئون الفلسطينيون في كل مكان.
وتطل العتبة الثانية للديوان لتفصح عن الكثير مما يحمله الديوان فيقول الشاعر في الإهداء :
‘ إلى من دفعوا حياتهم بلا ذنب جنوه أو جريمة ارتكبوها
إليكم أيها اللاجئون المشردون في الأرض ‘
تبدو صورة الإهداء جلية من خلال السياق الذي يحمل رسالة وطنية هادفة، إلى هؤلاء الناس الذين ضحوا بحياتهم دون ذنب يذكر أو جريمة قاموا بها، هؤلاء المشردون من البشر، يحملون أمتعتهم الصغيرة على ظهورهم باحثين عن مخيم يحتضنهم أو إنسانية تئن لحالهم .
تبدو الذات الشاعرة في النص الأول بعنوان لاجئون، ذاتا تبحث عن نفسها داخل أزمنة الفوضى، فقد انصرت آلام الآخر في تشكلاتها المعرفية والوجدانية، فيقول الشاعر أحمد نبوي :
‘مزامنون للزمن
مرحلون فى سفائن المحن
تضمنا مدينة ٌ
وتوصد الأبواب في وجوهنا
مدن
بلادنا
وإن أصابها
وماأدراك ما أصابها
تظل ُّ قبلة ً
للروح ِ والبدن
ياه
يا بصمة المكان في عروقنا
ياه
ياجاذبية َ الوطن ‘
يطرح النص السابق أوجاع المكان والزمان الذي تشعر به الذات لحظات البحث عن وطن يجذبها الحنين إليه، نلاحظ أنها ترتكز مفردات مشهدية داخل النص من هذه المفردات مثلا (سفائن المحن ــ توصد الأبواب ــ مرحلون ….. ) ترصد الذات الشاعرة في النص السابق المشهد المأساوي الأول في حياة اللاجئين وهو الانتقال من مكان إلى مكان بلاهدف أو مأوى، دون طريق محدد أو نية واضحة، تتخبطها الآلام والتشتت المقيم داخلها، فعلى الرغم من حال الضياع الذي يغلف حياة الذات، فإنها تلضم الحلم بالحلم والأمل بأخيه، رغبة في العودة إلى الوطن فرائحته تجذب القلب الشقي الذي تعذب بمحبة الوطن، ومن ثم فإن الشاعر يعتمد البناء الدرامي في حركية المشهد من خلال تجسيد الألم الواقع على الذات . ويقول الشاعر أحمد نبوي في نص آخر بعنوان (لاجئان):
‘شيخ ٌ وسيدة ٌ مُسِنَّهْ
يتوكآن ِعلى زمان ٍ مائل ٍ
يتوكآن على الأصيلْ
لم يبق من عمريهما
إلا القليلْ
زرعا الحياة َ محبة ً
في فسحة العمر المديدِ
وأنشآ بيتا ً صغيرْ
فى لحظةٍ
نسفت براكينُ المدافع
والصواريخُ الشريدة ُ
زرعة ُ العمر الطويل’

يرتكز النص الفائت على استدعاء المشهد الموجع الذي نشاهده كل يوم على صفحات الجرائد وشاشات المحطات العالمية، ومواقع الانترنت .. وغيرها حياة اللاجئين في كل مكان، يرتكز النص الفائت على بنية الحوار الدرامي بين الشيخ والسيدة العجوز المسنة، التي تبحث مع زوجها عن وطن كما طرح الشاعر من خلال نصه مفارقة درامية غاية في الألم، وهي الأمل في بداية النص واليأس والانهيار في نهايته، بعدما حلما معا ببناء بيت صغير، في لحظة انهار كل شيء، وأصبحا لاشيء، فقد دمر العدو بيوت اللاجئين وأجبرهم على الخروج من الوطن الأم فلسطين العربية، وهنا تبدو المفارقة جارحة وهادفة إلى من يضعون أيديهم في يد العدو الاسرائيلي الذي اغتصب أراضيهم وطرد اخوتهم العرب من أوطانهم .
ويقول الشاعر أحمد نبوي مستطردا المشهد الدرامي من خلال الحوار نفسه :
‘ ودنا المراسل ُ منهما
وأزال عن عينيه ِ ذرات الغبار ْ
ملمّا تهيّأ سائلا ً :
عمن تبقى من عشيرة أهلها
حضنت أخاها فى انكسار ْ
وتساقطت
من عمق ِعينيها الدموع
يشي المشهد السابق إلى الحزن المخيم على حياة الذات الشاعرة فقد حضنت الفتاة أخاها، وبدأت دموعها في السقوط ألما وحسرة على فقدان الأمن والأمان، فلم يبق من أسرتها سوى الأخ، والمراسل الذي يقف مندهشا، باحثا عن أشلاء البيوت في عيون الطفلة .
ويقول :
‘ يا مركبة العمر
انطلقى
وخذيني
من هذي المدن ِ
الخادعة العينين ِ
خذيني ‘
تبدو الذات الشاعرة منكفئة على حالها تناجي الزمن البعيد الذي يسير بطيئا بطيئا، وكأنه لايمر، نلاحظ صوت الذات الصاخب في النص (انطلقي وخذيني من هذي المدن) تبحثُ الذات عن خلاصها الأبدي والخروج من هذه الحياة المخادعة التي لم تعد تحمي لاجئا أو مسنا، طفلا، بنتا، فهل هذه حياة .
يعتمد الشاعر أحمد نبوي في جل نصوص الديوان على مشهدية الكلمات، وكأنه يصنع من الكلمة مشهدا قائما بذاته، فنلاحظ على سبيل المثال قوله: (خذيني) هذه الكلمة التي تضم في باطنها مشهدا، كما اعتمدالشاعر على الحكاية في بناء النص الشعري، موظفا آلياتها داخل النص الشعري فيقول : رضيع ٌ على رصيف المخيم
– أكلكم لم تعرفوه ؟!
– من أمه ُ ؟!
– ومن أبوه ؟!
– هل مات فيمن مات أهله سدى ؟!
– هل ضل فيمن ضل حاضنوه ؟!
– هل أخته ُ فيمن أصيب ؟!
– هل أخوه ؟!
– إذن دعوه نائما ً
– دعوه
– لا تفزعوا عيونه ُ
– لا تزعجوه
– …………………………………
تراه من يكون
ومن تكون أسرته ؟!
وما اسمه ُ ؟!
وما تكون ملته ؟!
ترفقي يا رحمة الإغاثة ْ
ترفقي به ِ
وليهنأ الذين شردوه
ليهنأ الذين شردوه
تبدأ القصيدة من خلال عنوانها رضيع على رصيف المخيم، ينسج الشاعر صورة هذا الرضيع الذي فقد أسرته كافة، ولن يكون له أحد كي يرعاه أو يضمه ويحضنه، مرتكزا الشاعر على الحس الدرامي المؤثر في الإنسانية كافة، معتمدا على شعرية التساؤل الحزينة؟ من أمه ومن أبوه ؟ هل ماتوا ؟ من الذي دمر بيوتهم ؟ داعيا في نهاية القصيدة على الكيان الصهيوني الذي شرد أطفال العرب في فلسطين . وساخرا أيضا من الذي يتشدقون بالإنسانية ورعاية الأطفال!
كتب الشاعر أحمد نبوي هذا الديوان مساهمة منه في الوقوف بجانب الشعب الفلسطيني واللاجئين في كل مكان، متبنيا قضيتهم، ومدافعا عن حقوقهم في كل مكان .
سيظل الشاعر المصري أحمد نبوي شاعرا فاعلا في حياتنا العربية، من خلال نصوصه التي تحتفي بالقارىء كثيرا مخاطبة وجدانات الأوطان وأهلها، مترجما مشاعرها في نصوصه الخالصة لوجه الإنسانية ..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية