الصومال: الأزمة الخليجية تفاقم الانقسام وتزيد الصراع على القرن الافريقي

حجم الخط
0

مقديشو-“القدس العربي”: الصومال في عام 2018 لا يختلف عن السنوات التي تلت الحرب الأهلية الطويلة التي اندلعت في تسعينات القرن الماضي بعد انهيار حكومة الرئيس محمد سياد بري، وأدت إلى حروب أهلية وقبلية وتدخلات خارجية وصعود المحاكم الشرعية إلى الحكم ومن ثم تدخل الجيش الأثيوبي وزمن حركة “الشباب” الصومالية التي استهدفت قوات حفظ السلام الافريقية خاصة يوغندا وكينيا.

وشردت الحرب الملايين من سكان البلاد إلى مخيمات في كينيا وحول أنحاء العالم. وعام 2018 مهم من ناحية الصومال وهو أن أبناء الشتات منهم حققوا إنجازات في مجالات عدة وكان آخرها انتخاب إلهان عمر، نائبة في الكونغرس عن الحزب الديمقراطي حيث شكلت ثنائيا مع رشيدة طليب الفلسطينية.

ولكن الصومال أصبح محل الاهتمام الدولي في الفترة الأخيرة ليس بسبب حربه الأهلية الطويلة التي بدأت تخفت في السنوات الماضية وانتقلت للمعترك السياسي حيث نقلت القبائل خلافاتها المسلحة إلى البرلمان، بل بسبب الأزمة الخليجية بين قطر وجاراتها. وهي الأزمة التي استدعت من الدول التي تتلقى الدعم من دول الخليج الغنية أن تبرز ورقة الولاء لأي من الطرفين ولا يمكنها والحالة هذه البقاء على الحياد كما حاول الرئيس الصومالي محمد عبد الله محمد العمل في البداية. إلا ان الصومال برز في السنوات الأخيرة كنقطة مهمة في صراع القوى الإقليمية والدولية على القرن الافريقي وبدا هذا واضحا في جيبوتي التي تسابقت الدول الكبرى والمحلية على إقامة قواعد بحرية فيها من الصين إلى فرنسا والولايات المتحدة إلى السعودية، فيما أقامت الإمارات التي سيطرت على موانئ اليمن قاعدة عسكرية لها في أرتيريا لتنظيم جهودها ضمن التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن. وبدا الصومال محوريا في صراع الأطراف والمراكز على القرن الافريقي وتأمين الملاحة الجوية ومحاربة القرصنة وتطوير الموانئ والتكالب على المصادر الطبيعية فيه. إلا أن الصومال الذي لم يستطع حل خلافاته ما زال يعاني من انقساماته الفصائلية، وهي ميزة الحياة السياسية في مقديشو، ومن نزاعات مع المناطق الانفصالية في الجنوب ومن علاقة متوترة مع الجمهورية التي انفصلت وأطلقت على نفسها صومالي لاند (جمهورية أرض الصومال) وهي المنطقة التي حكمتها بريطانيا أثناء الاستعمار. ولم يساعد الدستور المؤقت لعام 2012 على حل الخلافات المستعرة والصراع على السلطة بين العاصمة والأطراف بل زاد منها وأصبحت مزمنة. وضمن هذا الحال كان انتخاب محمد عبد الله محمد المعروف بفرماجو فرصة للتفاؤل لأنه جاء من خارج الانقسام القبلي والفصائلي وقاد البعض للاعتقاد أن زمن الحرب والخلاف ستطوى صفحته ويبدأ الصومال بالتعبير عن إمكانياته ودوره الاستراتيجي. لكن وبعد عام ويزيد لا يزال الصومال يعاني من نزاعات داخلية فاقمتها الأزمة الخليجية التي حاول فرماجو أن يظل خارجها ويقف على الحياد. وتلقى الصومال تقليديا دعما من دول الخليج خاصة السعودية والإمارات وقطر ومن تركيا الناشطة منذ سنوات في مشاريع تعليمية وبنى تحتية وتحديث لمطار مقديشو. ولم يكن دعم هذه الدول مرتبطا بالخلافات الخليجية-الخليجية لكن أزمة حصار قطر في حزيران (يونيو) 2017 وصلت إلى مقديشو، وبدت واضحة في نيسان (إبريل) الماضي عندما صادرت حكومة مقديشو ملايين الدولارات كانت في طريقها لقوات أمنية تدربها الإمارات وطردت المدربين. وفي أيار (مايو) 2018 الماضي زار فرماجو الدوحة ومتن علاقاته مع قطر بشكل أغضب الإمارات التي وصفت حكومته بالإخوانية. ومنذ البداية حين أعلن فرماجو الحياد اعتبرت السعودية والإمارات أنه يقف مع قطر ضدهما. ومع أن الموقف الذي أبداه الرئيس من الأزمة حيادي إلا أن السعودية اعتبرت رفض دولة ضعيفة طلبها تعاونا مع أعدائها. فعندما طلبت من مقديشو قطع علاقاتها مع إيران استجابت هذه فورا. ولفرماجو أسبابه بعدم دعم الحصار على قطر، فبعيدا عن اتهامات تلقي حملته الانتخابية دعما من الدوحة إلا أن قطر وتركيا تعتبران من أكبر المستثمرين والمانحين للصومال، وخاصة تركيا التي تقدم شهريا 2.5 مليون للحكومة وافتتحت أكبر سفارة لها في العالم في مقديشو ومشاركة في مشاريع ضخمة وتهدف من كل هذا تقوية الحكومة المركزية لا كما تدعي الإمارات أنها تسهم في عودة حركة الشباب، الاتهام الذي يصفه الأتراك بـ”السخيف”. فتركيا ومنذ عام 2011 تقوم بتدريب قوات الأمن في الصومال وتركيا وفي عام 2017 بدأت بإنشاء أكاديمية عسكرية كلفتها 150 مليون دولار لتدريب 10.000 جندي في السنوات المقبلة. وتعتبر تركيا لاعبا مهما في الأمن الصومالي. صحيح أن الإمارات بدأت برامج تدريب القوات الأمنية في عام 2014 لمكافحة القرصنة أولا ومن ثم لمواجهة حركة الشباب. وتفكر قطر بالمساهمة في البرامج الأمنية التي ابتعدت عنها تقليديا. وبعد زيارة وفد عسكري قالت إنها تفكر ببناء ثكنات عسكرية للجيش. والحقيقة أن الصومال يعاني من الصراعات القبلية والنزاع على السلطة منذ سنوات، وأزمة الخليج لم تفعل سوى أنها فاقمتها عندما وضعت الأطراف أمام بعضها البعض كما في حالة المواجهة بين رئيس الوزراء حسن علي خيري ورئيس البرلمان محمد عثمان جواري. كما وأدت الأزمة لمفاقمة المواجهة بين الرئيس فرماجو والولايات المنفصلة التي حظيت بدعم من الإمارات تحت ذريعة تقوية الاقتصاد والأمن. واتخذت هذه الولايات موقفا متشددا وناقدا من الرئيس فرماجو الذي جاء من خارج النخبة القبلية. وتتهم حكومة مقديشو الإمارات بتقديم الدعم للمناطق الانفصالية بدون استشارة الحكومة الفدرالية. ويعد خلاف فرماجو مع حكومة أرض الصومال الأشد، فقد كان موقفها الداعم لحصار قطر واضحا. ومنعت الطيران القطري من استخدام أجوائها. ووقعت مع مؤسسة دبي العالمية للموانئ عقدا لتطوير ميناء بربرة وهو ما رفضته حكومة مقديشو باعتبار أن حكومة هيرجيسيا لا سلطة لها على السيادة الصومالية. ويمكن القول ان الصومال هو المتأثر الأكبر بالأزمة الخليجية. فالإمارات الخائفة من فقدانها التأثير قررت دعم الجماعات المعارضة والمناطق المنفصلة بشكل زاد من فرص الانقسام وعدم الاستقرار.

 صحيح أن مشاكل الصومال لا يمكن حرفها كلها على الأزمة الخليجية إلا أنه المتأثر بها، وكشفت عن التكالب الإقليمي والدولي على القرن الافريقي وأمن البحر الأحمر. وما أفرزته الأزمة الخليجية أنها وضحت خطوط الصدع بين مقديشو والأطراف بشكل يجعل النزيف الصومالي مستمرا ولسنوات مقبلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية