الصويرة: مدينة الزرقة والرياح

حجم الخط
0

محمد الفحايم

تمتد الطريق من أكادير إلى الصويرة وهي تبعث في عابرها إحساسا بالجمال والسحر، الطريق شريط ساحلي متنوع يضم أجمل الشواطىء الرملية والصخرية المشهود لها بالصفاء والنقاء والعلامة الزرقاء كناية عن الجودة.. شواطىء أورير وتمراغت وإيمي وادار وأغروض وآيت تامر وإيمسوان حتى تافضنا وسيدي الكاوكي والديابات.. بعد شاطىء إمسوان تبدأ الطريق في الارتفاع والالتواء عبر الجبل، وكلما ارتفعت بدت الشواطىء من بعيد صغيرة في الأسفل، تمتزج زرقة الأقيانوس الصافية بخضرة الهضاب والمرتفعات النقية.. ومن هذا المزاج ينشأ نسيم رطب عليل يزاوج بين رائحة اليود المالحة المنعشة وعطر الأعشاب البرية الجبلية الذي من زعتر وشيح وخزامى.. نمضي في الطريق فتلوح في الأفق غابة كثيفة من أشجار الأرغان التي شرعت ثمارها تينع فتخضر.. شجرة الأرغان هي رمز الجنوب المغربي، الشجرة التي لا توجد في أي مكان في الدنيا، إلا في هذا الجنوب الطيب، الشجرة التي تغنى بها الراحل محمد خير الدين وذكرها في قصائده ورواياته.. تنهب السيارة الطريق التي تستمر ملتوية تارة ومنبسطة أخرى إلى أن تبدو في المدى القريب أشجار العرعار الكثيرة المتشابكة، فتشي أن موغادور باتت قريبة.. ثم تهب ريح الشرق الباردة القارسة فنتيقن من أننا لاحقون بالصويرة.. في مدخل المدينة يلوح أطفال يافعون وشباب بمفاتيح للوافدين على المدينة يبغون اكتراء دور أو شقق للإقامة.. أمرّ بالعديد منهم ثم أتوقف قرب فتى مراهق يدلني على منزل أكتريه بعد مماكسة صاحبته في السعر، الحي نظيف، هادئ، يقابل البحر ولا يبعد عنه إلا قليلا، والمنزل مكون من غرفتين وصالون ومطبخ وحمام تنبعث من جنباته رائحة النظافة.. سعدت خديجة بأناقة البيت وبدفئه الذي يمنحك، كأنك تألفه من قبل.. الساعة الثانية عشرة والميناء يعجّ بالناس مغاربة وأجانب، يقصدون مطاعمه الشهيرة بسمكها الطازج المشوي على الفحم الخشبي. طفنا على بضعة مطاعم صغيرة واخترنا واحدا منها.. كان طبق السمك متنوعا ولذيذا.. على الرصيف المحاذي للميناء، تتجمع نوارس عديدة تطير على منخفض، دانية من الناس آلفة صحبتهم، لا تجفل منهم ولا تنأى.. أخذت خديجة صورا لنا من هاتفها المحمول، وكانت الريح الشرقية الباردة تشتد فتهب قوية عنيفة أحيانا.. ا باب العشورب هو المدخل الأول الذي دلفنا منه إلى المدينة القديمة، وما الصويرة إلا قدامة وعتاقة، وهل غيرها يليق بها؟.. هو ذا المقهى الذي يحمل اسم الباب.. ما تزال كراسيه الصفراء التي من قصب هي ذاتها.. منذ خمس سنوات خلت تذكرني بزيارتنا الأخيرة، أنا وخديجة، للصويرة، بل إن الركن القصي الذي انتبذناه ذات مساء بارد ما برح يلوح ظاهرا أمامي، يجلس فيه، الآن، عاشقان شابان يحنوان على بعضهما ويدنوان من بعضهما فيبدوان جسدا واحدا لا اثنين.. لعلهما في بداية الرحلة كما كنا نحن من قبل.. ا الركن الجميلب محل بيع البتزا الشهير، والزنقة المؤدية إلى ا السقالةب نسلكها، ولمياء وليلى مأخوذتان بطابع المكان المتميز.. أثواب ذات ألوان زاهية متنوعة وأردية من صوف بهلوانية الشكل وطواق ٍ كبيرة نسجها متين، دافئة لمقاومة الريح الباردة التي تأتي مندفعة جامحة فتغزو الجسوم.. حوانيت مستطيلة الشكل تبيع لوحات فنية ذات رسومات فطرية انتشرت في أنحاء المدينة العتيقة كالفطر، يشجع عليها الأجانب الذين يستكثرون على الإنسان ا الشرقيب أن يصنع لوحة بالمعنى الأكاديمي لفن الرسم، يودون أن يحشروه في خانة الفن الساذج والفطري والإبداع الأول، وهذه حكاية تطول في مدينة الصويرة، رسّخها الناقد الفني الدانماركي ـ صاحب الرواق الشهير قبل أن يرحل ـ فريديريك دامغار، مؤلف كتاب: ا الصويرة: تاريخ وإبداعاتب والذي روج لهذا الفن ودافع عنه وحاضر في الخارج وجنى منه أموالا طائلة بحسب ما أخبرني بعض أبناء المدينة الخلص.

أدركنا ا السقالة’، وتذكرت صديقي ا ج. حب ودارة ا عائلته التي تحاذي سور السقالة العالي.. واسترجعت ندمه على بيعه بسبب من إلحاح الورثة على حفنة من مال زائل، يفرّط في المكان الذي يعبق برائحة الأجداد.. المال الذي يستهين بالذاكرة ويحتقر الجذور.. كانت الريح في هذا اليوم العاشر من نيسان (أبريل) قوية، تندفع عنيفة محمومة تصفع وجوهنا أحيانا برذاذ الموج الأطلسي.. أخذنا صورا للذكرى فوق المدافع الصامدة أمام الزمن، وعلى فتحات ا السقالةب التي تشرع نظرك على الزرقة القصية للأقيانوس ـ هذا الشيخ المهيب ـ كما وصفه ذات قصيدة الشاعر أبولينير، الزرقة التي تشي بان هناك عالما آخر كان جديدا في ما مضى.. نعود من جهة ا الملاحب الذي أقوت بيوته وأقفرت من ساكنيها اليهود المغاربة الذين تفرقوا في البسيطة شيعا.. ومنهم من عاوده حنين الجذور فعاد إلى الصويرة للإقامة واقتناء الدور، ومنهم من يأتي ليقف على أطلال منازل دارسة تعاورتها أيادي الزمن.. ندلف إلى ا مغارةب اليهودي الأخير، الشاب ا أندريهب الذي يدير محلا يتخذ شكل كهف معتم، يبيع فيه كتبا منتقاة تشمل آخر الإصدارات وأشهرها في جنس الرواية والدراسات الثقافية والتاريخية، تجدها عنده مرتبة بعناية ومغلفة بالبلاستيك حتى لا تنخرها رطوبة البحر. تراجعت نسبة الكتب في المحل بخلاف الماضي، وأضحت التحف المصنوعة من خشب العرعار أو النحاس تتكاثر وتتزاحم فيه.. بحثت بين رفوفه، بلا جدوى، عن الروايات الثلاث للكاتب المكسيكي ا ألبيرتو روي سانشيث’، الذي اتخذ من المدينة إطارا لأحداث رواياته، هذا الكاتب الذي فتنته الصويرة، تلميذ ا بارتب و ا دولوزب وب رانسيير’، مدير مجلة تعنى بالفنون ( فنون المكسيك)، أحب الصويرة، واستعار لها في حوار معه، صورة امرأة صعبة الوصل، لا ندعي امتلاكها، بل نقع في حبالها، فنضيع في متاهتها.. في رف آخر ما تزال نسخة من كتاب ا المقهى الأزرقب للراحل ادموند عمران المالح – ابن الصويرة ـ تنتظر من يقرأها.. ويأنس بمقارباتها التي تعانق الفني والأدبي والفلسفي، كاشفة عن سعة وعمق نظر صاحبها.. نعرج على المحل المعروف ببيع الحلوى المغربية التقليدية، فنشتري منه ا الأكعابب و ا البريواتب و ا غريبةب وأنواعا أخرى من حلوى اللوز، ثم نقصد مقهى ننعم فيه بجلسة هادئة لا يعكر صفوها إلا تلك اللافتة التي كتب عليها اسم حزب سياسي.. النغمة النشاز التي تكدر صفو الإيقاع المتناغم في هذه الساحة.. الشاي الأخضر وحلوى اللوز متعة كبيرة.. تمر جماعات أمام المقهى، مغاربة قادمون من مختلف المدن، تعرف هذا من تنوع لهجاتهم ولكناتهم، وأجانب يلهجون بلغات شتى.. هي ذي الصويرة، برج بابل حقيقي.. تشف هذه الوجوه عن هناءة وطمأنينة يهبها المكان للناس جميعا.. فالصويرة هي المدينة التي لا يشعر فيها الكائن أنه غريب.. مساء نختلس، أنا وخديجة، جلسة حميمة في مقهى ا باب العشور’، انتبذنا، هذه المرة، مكانا في أقصى المقهى المحاذي للزقاق الذي فيه ا كهف اليهودي الأخير’، تنساب أنغام موسيقى أندلسية من المسجلة تعزفها جوقة المرحوم الحاج عبد الكريم الرايس على نوبة رمل الماية التي تلائم الأصائل، يبعث فينا المكان شجنا جميلا.. كنا اثنين في زيارات سابقة، وها نحن، الآن، مع السنونوتين.. إن رؤية مكان عزيز علينا لتنعش الروح، وتهيج فيها أحاسيس الجمال والحب والوفاء.. تحررها من أوجال العمل واليومي والمؤسسة واكراهاتها.. هي فسحة نتحرر فيها من ربقة كل هذه الكوابح والموانع التي تفسد الوجود وتؤرق الكينونة.. السفر إلى مكان أثير جناح نحلق به بعيدا عن فساد الأمكنة الأخرى التي تنم على كل موبوء، رمادي.. قاتم.. السفر إبداع صيغ جديدة للوجود، تحرير للذات من أوزارها.. صباحا نحزم أمتعتنا، نودعها السيارة ونعيد مفتاح المنزل إلى صاحبته السيدة ا جليلة’، وهي امرأة ودود، طيبة كطيبة ووداعة أهل الصويرة، نتناول فطورنا في مقهى قريب من المنزل، حديث وأنيق، كان معظم رواده في هذا الصباح من الموظفين، يقرؤون الجرائد أو يشاهدون أخبار الربيع العربي على شاشة الجزيرة، هذه القناة أمست ذات وظيفة مزدوجة في المغرب ـ ولعلها كذلك في سائر بلاد العرب ـ في الصباح تنقل الانتفاضات من ميادين التحرير التي اتسع مداها، وفي المساء تنقل المباريات من ساحات الملاعب العديدة.. اخترنا فطورا أمازيغيا شهيا عبارة عن براد شاي أخضر بالنعناع البلدي وخبز ريفي طازج مع أطباق صغيرة من عسل طبيعي وزيت أرغان وزيت زيتون وأملو وهو خليط من لوز وزيت أرغان تكفي منه لقيمات لابن آدم كي تقيم أوده.. نذرع ا الكورنيشب حتى نبلغ منه شأوا بعيدا، الريح باردة كديدنها، تناوش حرارة الشمس اللافحة، تمتزج البرودة والسخونة.. نلتقط بعض الصور لمطعم بديع طبعت عليه رسوم من أصداف البحر وعظام السمك.. على الكورنيش كان عجوز أجنبي يراود فتاة ويلحّ في المراودة، وهو لا يعير بالا للمارة، ومنهم من كان يحدجه بنظرات شزراء غاضبة، تعجب من وقاحة هذا العجوز وخفته التي لا تحتمل.. نقصد الميناء فترى النوارس تحلق قريبا من الكائن، ألفته وألفها، نوارس رمادية وبيضاء تتهادى على أرصفة الميناء، جميلة ووديعة.. يخرج بحار شاب من أحد المخازن يلقي لها قطعا من الخبز منقوعة في زيت السمك فتنقرها فرحة ثم تطفق في ازدرادها.. نطوف في أزقة المدينة القديمة في هذا الصباح وقد بدأت تصحو بعد ليل ضاج بالحركة.. تقتني خديجة أسطوانة للمعلم ا محمود كينيا’، أحد أعمدة موسيقى ا كناوةب في الصويرة، نتوقف أمام محل لبيع التحف التي نحتت على خشب العرعار ـ الشجرة التي باتت علامة ورمزا كبيرا لهذه المدينة المنذورة للرمل والصخر والريح..- تدلف ا خب والبنتان إلى داخله، أقف منتظرا في الزنقة.. أرفع بصري إلى أعلى المحل المجاور، فلا أكاد أصدق حين أقرأ: ا فندق ومطعم الأصدقاء ا.. تعود بي الذكرى إلى ماض بعيد.. هو ذا الفندق الصويري الذي نزلت فيه ليومين ذات مساء خريفي بارد من 1984، وأنا طالب في كلية الآداب في مراكش.. ضاق بي المكان الجامعي. غربة وضياع بين أسوار الحي الجامعي.. مطعم نصطف في طابور طويل، يطول الانتظار لبلوغ وجبته الهزيلة، وب حرسب أو بالأحرى بوليس جامعي ( الأواكس في التسمية الطلابية الشائعة) يفسد اللحظة الجامعية.. وتناحر زائف بين الفصائل الطلابية، بعضها يقصي الآخر…. يهتف في داخلي نداء الصويرة، مدينة الرياح والزرقة والبحر، أزورها وأقيم بهذا الفندق الذي أراه، الآن، شاخصا أمامي.. لا أنسى وجبة السمك في ا باب دكالةب والعجوز الذي كان يبيع أكواب اللبن الطرية.. بين الماضي والحاضر ( 2011) تغيرت ا موغادورب كثيرا، وجرت مياه كثيرة تحت جسورها. منذ تلك الزيارة البعيدة وأنا أعشق الصويرة.. أشعر فيها بالدفء والألفة، وحين أنأى عنها بالشوق والحنين.. تغادر المدينة عائدا.. فتبدو لك الطريق السالكة إلى شاطئ ا الدياباتب.. فتتذكر القوافل من الشباب الغربي ا الهيبيب المتمرد الذي كان هذا الشاطئ ملاذه وموئله.. ولعل اسما شهيرا ( باكا) لن تنساه، كان يتحف المجموعة المسرحية المعروفة ( living theatre ) التي قدمت إلى الصويرة أواخر الستينيات، بعزفه موسيقى غناوة على آلة الكنبري، ثم انضم إلى مجموعة ا ناس الغيوانب فظل يطرب الجماهير حتى أقعده المرض.. ترى ماذا فعل القدر بالمعلم عبد الرحمن قيروش الملقب بـ ا باكوب أو ا باكاب كما يحلو للصويريين الخلص الذين عرفوا الرجل قبل الشهرة.. ماذا فعل به القدر بعد أن أضحى طريح الفراش، ينهش جسده المرض العتيّ؟ ما حكايته مع رحلة المرض القاسي؟ لماذا يترك الفنان والمبدع للعتمة، وحيدا غريبا أعزل؟ تغادر وفي النفس بقية من هذه المدينة التي أنجبت أعلاما كبارا في المسرح ا الطيب الصديقي’، وفي الفن التشكيلي ا بوجمعة الأخضر والحسين الميلودي… ب وفي الغناء والعزف ا عبدالرحمن باكو’، وفي الموسيقى الأندلسية ا عبد الرحيم الصويري’، وفي حقل الأدب الروائي والدراسات النقدية والفلسفية الراحل الكبير ا إدموند عمران المالح ا..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية