الصين الرابح الأكبر على حساب روسيا والغرب في حرب أوكرانيا

حسين مجدوبي
حجم الخط
1

سيجر الموقف الأمريكي من الحرب الروسية-الأوكرانية الأوروبيين إلى إعادة تقييم العلاقات مع واشنطن وإلى التفكير هذه المرة في استراتيجية عسكرية تعتمد على الذات بدل مظلة البنتاغون.

لندن ـ «القدس العربي»: يشهد ملف الحرب الأوكرانية-الروسية تطورات غير مرتقبة مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ويستمر التساؤل منصبا حول ما بعد الحرب وما تشكله من نتائج تخص القوى الكبرى أساسا ومنها الصين، التي تعتبر رابحة من هذه الحرب وبالنسبة لمستقبل تايوان وخاسرة بدرجة ثانية في ملفات أخرى ومنها المعادن النادرة في أوكرانيا.

وتبقى أبرز التطورات هي قرار ترامب وضع حد للحرب بالتفاهم مع روسيا على حساب المصالح الحيوية لأوكرانيا وخاصة الأوروبيين، ما يعرض لأول مرة العلاقات الأطلسية بين الطرفين إلى أزمة شائكة لم تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية عندما انقسمت أوروبا إلى قسمين متحاربين. وسيجر الموقف الأمريكي الأوروبيين إلى إعادة تقييم العلاقات مع واشنطن وإلى التفكير هذه المرة في استراتيجية عسكرية تعتمد على الذات بدل مظلة البنتاغون. وحول هذا التطور، قال الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند في حوار مع جريدة «لوموند» الجمعة من الأسبوع الجاري «ترامب لم يعد حليفا لنا الأوروبيين، ونحن أمام شرخ عميق». وكان الاستقبال المهين من طرف ترامب لنظيره الأوكراني فلوديمير زيلينسكي يوم الجمعة من الأسبوع الجاري والمشادة الكلامية دالا للغاية عن الشرخ المشار إليه.

التوازن الصيني المنحاز

وسط كل هذه التطورات، تتابع الصين باهتمام فائق ما يجري لأنه يمس مصالحها الحالية والمستقبلية، ويكفي أن ترامب يريد إنهاء الحرب الأوكرانية-الروسية تحت مبرر أن الخصم الحقيقي لواشنطن هي الصين. كما أن ترامب يؤمن بتلك الأطروحة الجيوسياسية القائلة بضرورة فصل روسيا عن الصين حتى تكون موسكو أول جدار لاحتواء بكين التي تنازع واشنطن الريادة على العالم. وتطور الموقف الصيني في الحرب الأوكرانية-الروسية بذكاء بدون انحياز، وذلك للحفاظ على المصالح الاقتصادية وتجنب المواجهة مع الغرب.
في هذا الصدد، نهجت بكين الحياد في المرحلة الأولى، حيث تجنبت إدانة قرار موسكو بغزو أوكرانيا. ونهجت هذا الموقف للحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع روسيا وسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. إذ اعتبرت الحرب شأنا داخليا بين أوكرانيا وروسيا لاسيما وأنهما كانتا دولة واحدة إبان الاتحاد السوفييتي. واستغلت الحرب، وقامت بكين بتعزيز التحالف الاقتصادي والعسكري مع روسيا، وكأنها تخلت عن حيادها بشكل غير مباشر. فقد عززت التعاون العسكري ومنه دوريات مشتركة في المحيط الهادي، ومناورات عسكرية في المتوسط والأطلسي والهندي والهادي. ورفعت من وارداتها من روسيا لاسيما من الطاقة. إذ أن الأسعار المنخفضة للغاز والبترول ساهمت في تخفيض تكاليف الإنتاج وشكلت متنفسا للاقتصاد الصيني، وبالتالي رفع النمو في وقت كان الاقتصاد الصيني قد بدأ يعاني من نوع من الانكماش.
وحاولت الصين لعب دور الوساطة تماشيا مع فلسفتها السلمية، فقد طرحت خلال شباط/فبراير 2023 وثيقة من 12 نقطة بعنوان «الموقف من الحل السياسي للأزمة الأوكرانية»، والتي دعت إلى وقف إطلاق النار وإجراء مفاوضات. وبهذا، طرحت نفسها كوسيط في هذا النزاع، وتزامن ذلك مع غياب وسيط له ثقل في الساحة الدولية. فمن جهة، تبنى الغرب مواقف متصلبة تدعو لمزيد من الحرب بتزويد أوكرانيا بشتى الأسلحة المتنوعة، ومن جهة أخرى، حاولت بعض الدول ومنها الأفريقية والعربية لعب دور الوساطة، إلا أنها لا تتمتع بالثقل السياسي لإقناع الغرب الذي أصر على الحرب بل وإفشال مبادرات السلام. وكادت تركيا إنجاح مفاوضات السلام، إلا أن لندن تدخلت بقوة لعرقلتها.
ونهجت سياسة الذكاء في الدعم العسكري لروسيا من خلال عدم تزويد هذا البلد بأسلحة بشكل مباشر بل عبر أطراف ثالثة مثل كوريا الشمالية وإيران، وذلك لتفادي الاصطدام مع الغرب والتعرض لعقوبات اقتصادية. وينظر الغرب دائما للموقف الصيني بنوع من الشك والريبة، وضغط عليها لكي تتخذ موقفا واضحا من الغزو الروسي لأوكرانيا. وازدادت شكوك الغرب بسبب الرواية الرسمية لبكين في مخاطبة الرأي العام الصيني وهي: أن الصين داعية سلام واستقرار، وأن الحرب الأوكرانية-الروسية هو صراع هو نتيجة لعوامل معقدة، بما في ذلك توسع حلف شمال الأطلسي وإضعاف روسيا. وروجت الصحافة الصينية الموجهة للرأي العام الدولي مثل «شاينا دايلي» هذه الرواية طيلة الثلاث سنوات الماضية. ونشرت هذه الجريدة يوم 17 شباط/فبراير الماضي تحليلا يطور هذه الأطروحة أكثر بالتنصيص في مقال بعنوان «مقترح السلام الأمريكي قد يشكل ضربة كبيرة»، مبرزة أن «سياسة الولايات المتحدة والناتو – بتشجيع من المملكة المتحدة وبولندا، وبدعم على مضض إلى حد ما من فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا – هي تسليح أوكرانيا بشكل كبير ضد روسيا على أمل أن تستنزف أوكرانيا الجيش الروسي وتجبر موسكو على حل النزاع بشروط الولايات المتحدة والناتو، حتى أنها قد تؤدي إلى الإطاحة بحكومة بوتين».
وكان الغرب يسعى إلى تحقيق هدفين من الضغط على الصين، الأول وهو أن أي إدانة صينية لموسكو قد تجر دول من الجنوب إلى إدانة روسيا كذلك، نظرا لتأثير بكين على عدد من هذه الأمم. ويتجلى الهدف الآخر، في أن إقناع الصين بإدانة روسيا هي إدانة للحل العسكري في التعاطي مع النزاعات، الأمر الذي سيقلل من الحل العسكري من طرف الصين في معالجة ملف تايوان. وخلال بداية الحرب في شباط/فبراير 2022، كان العالم يترقب مغامرة صينية ضد تايوان لتشتيت مجهودات الغرب في مواجهة دولتين كبيرتين، لكن بكين لم تفعل ذلك لأنها تمتلك سياسة خاصة بها بشأن استعادة تايوان.

الأرباح الاستراتيجية للصين

وبعد مرور ثلاث سنوات على الحرب الأوكرانية-الروسية، تبقى الصين هي الرابح الحقيقي من هذه الحرب للأسباب التالية:
في المقام الأول، حافظت الصين على علاقات اقتصادية متينة مع روسيا والغرب من دون التعرض لعقوبات اقتصادية غربية بسبب انحيازها اللين إلى روسيا. فقد ضمنت الطاقة الروسية من غاز وبترول لسنوات طويلة.
في المقام الثاني، نتج عن الحرب تصدع خطير في العلاقات ما بين مكوني الأطلسي، أوروبا والولايات المتحدة مع قدوم دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. إذ أنه أمام تخلي واشنطن عن الأوروبيين في مواجهة روسيا، سيعني أن الأوروبيين قد لا ينضمون إلى الأمريكيين في مواجهة الصين مستقبلا في منطقة الهادي-الهندي، وذلك لأن الأوروبيين سيتولون بناء قوتهم العسكرية والتركيز على أوروبا تحسبا للخطر الروسي، لاسيما وأن قادة أوروبا يعتقدون أن سياسة ترامب ستتحول إلى سياسة تيار صلب وقائم سيتناوب على رئاسة البيت الأبيض ولن ترحل هذه السياسة مع الرئيس الجمهوري.
في المقام الثالث، إن قبول الولايات المتحدة بضم روسيا لكل من شبه جزيرة القرم وإقليم دونباس شرق أوكرانيا إلى وحدة الأراضي الروسية، سيسهل مهمة الصين في الضغط على استعادة جزيرة تايوان إلى الوحدة الصينية، سواء عبر الدبلوماسية أو الضغط العسكري.
ومن جهة أخرى، توجد بعض السلبيات وهي أن أوكرانيا التي كانت قد منحت للصين عقود الاستثمار بما في ذلك المعادن النادرة، أعادت النظر في الكثير من هذه الاستثمارات التي قد تنفرد بها الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
في غضون ذلك، تبقى الصين الرابح الأكبر من الحرب الأوكرانية-الروسية على حساب كل من روسيا والولايات المتحدة وأوروبا لأنها تجنبت الاستنزاف العسكري وحافظت على علاقاتها الاقتصادية مع الغرب ولم تتأثر استراتيجتها لاستعادة تايوان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية