لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: أعلنت الصين، الثلاثاء، استمرار «التعاون الاستراتيجي» مع روسيا، رغم التحذيرات الأمريكية المتكررة لبكين، من دعم موسكو ومساعدتها بعد فرض عقوبات غربية عليها عقب غزوها أوكرانيا. وتزامن ذلك مع خطوة جديدة، ستثير استياء أمريكياً، تمثلت بتوقيع الصين اتفاقا أمنيا واسعا مع جزر سليمان، بينما تشعر دول غربية عدة على رأسها الولايات المتحدة بالقلق من الطموحات العسكرية لبكين في المحيط الهادئ.
وقالت وزارة الخارجية الصينية في بيان، الثلاثاء، إن الصين أبلغت روسيا بأنها ستواصل زيادة «التعاون الاستراتيجي» معها بصرف النظر عن تقلبات الوضع الدولي.
وجاء في البيان أن له يو تشنغ نائب وزير الخارجية الصيني أبلغ أندريه دينيسوف السفير الروسي في الصين بهذا التأكيد.
وأضاف أن له أشار إلى الزيادة التي تقترب من 30 ٪ في التجارة الصينية الروسية في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري باعتبارها دليلا على «القوة المتينة والأصيلة» التي يتسم بها التعاون بين البلدين.
كذلك، أعلنت الصين، الثلاثاء، أنها وقعت اتفاقا أمنيا واسعا مع جزر سليمان.
أعمال شغب
وشهدت جزر سليمان في نهاية 2021 أعمال شغب سقط فيها قتلى تسبب بها استياء جزء من السكان من النفوذ المتزايد للصين. وتعرضت شركات مملوكة لصينيين للتخريب والحرق في هونيارا عاصمة هذا الأرخبيل الواقع في جنوب المحيط الهادئ على بعد حوالى 1500 كيلومتر عن أستراليا.
وكانت أستراليا من الأطراف الفاعلة في المنطقة لنشر قوات لحفظ السلام في جزر سليمان بطلب من حكومة الأرخبيل. منذ ذلك الحين، سعت بكين التي أرسلت مدربين للشرطة ومعدات لمكافحة الشغب، إلى تعزيز وسائل حفظ الأمن في الجزيرة.
وسُرّبت الشهر الماضي مسودة للاتفاق أثارت صدى لدى استراليا لأنه يتضمن مقترحات تجيز نشر قوات من الشرطة والبحرية الصينية في الأرخبيل. وتشعر كانبيرا منذ فترة طويلة بالقلق من إمكانية بناء الصين قاعدة بحرية في جنوب المحيط الهادئ من شأنها أن تسمح لها بنشر قوتها البحرية خارج حدودها.
«تعاون عادي»
وأكد ماناسيه سوغافاري رئيس وزراء، جزر سليمان، الشهر الماضي، أن الاتفاق الأمني مع بكين يجري إعداده، لكنه نفى وجود خطط لبناء قاعدة بحرية.
وصرح وزير الخارجية الصيني وانغ وينبين، لصحافيين، الثلاثاء، أن «وزيري خارجية الصين وجزر سليمان وقعا مؤخرا اتفاق إطار للتعاون في مجال الأمن». وأضاف مدافعا عن النص أنه «تعاون طبيعي بين دولتين مستقلتين وتتمتعان بالسيادة».
وتابع أن الاتفاق سيدعم «الاستقرار على الأمد الطويل» في جزر سليمان.
في الأسابيع الأخيرة كثفت أستراليا والولايات المتحدة الجهود الدبلوماسية لثني جزر سليمان عن التقرب من بكين.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، الإثنين «نعتقد أن توقيع اتفاق كهذا يمكن أن يؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار داخل جزر سليمان وأن يشكل سابقة مقلقة لمنطقة جزر المحيط الهادئ برمتها».
في الوقت نفسه أعلنت الولايات المتحدة إرسال وفد دبلوماسي رفيع المستوى في جولة في المحيط الهادئ، على أن تُعطى لجزر سليمان أولوية لمواجهة طموحات بكين.
والأسبوع الماضي، أرسلت كانبيرا وعلى نحو غير معهود وزير منطقة المحيط الهادئ زيد سيسيليا إلى هونيارا لعقد اجتماع مع رئيس وزراء الجزيرة.
الهدف تايوان
وهزت أعمال شغب استمرت ثلاثة أيام في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه 800 ألف نسمة.
وكانت أسباب هذا العنف متعددة. فبالإضافة إلى الغضب من الحكومة والصعوبات الاقتصادية التي تفاقمت بسبب جائحة كورونا، كان وراء الاضطرابات التنافس التاريخي بين سكان مالايتا الجزيرة التي تضم أكبر من عدد السكان، وغوادالكانال حيث تقع العاصمة الإدارية للبلاد.
أبرمت اتفاقا أمنيا مع جزر سليمان… ومحلل أمريكي يقترح تسليح تايوان
وواجه رئيس الوزراء أيضا انتقادات لرغبته في إقامة علاقات أقوى مع بكين بعد أن قطع فجأة العلاقات التي أقيمت منذ فترة طويلة مع تايوان في 2019.
وتعارض الصين أي اعتراف دبلوماسي بتايوان التي تعتبرها جزءا من أراضيها. وهي تعتبر ذلك شرطا أساسيا مسبقا لإقامة علاقات دبلوماسية مع أي دولة. وبينما تسعى واشنطن إلى تعزيز وجودها في المنطقة لمواجهة النفوذ الصيني، أعلنت الولايات المتحدة في شباط/فبراير أنها ستعيد فتح سفارتها في جزر سليمان، بعد 29 عاما على إغلاقها.
في الوقت الذي يشهد فيه العالم أزمة غزو روسيا لأوكرانيا التي لا تلوح لها نهاية في الأفق، تثار قضية تايوان التي يمكن أن يسفر غزو الصين لها عن نتائج لن تختلف كثيرا عما يحدث الآن. وقد أدت زيارة وفد من الكونغرس الأمريكي مؤخرا لتايوان لردود فعل صينية قوية قولا وفعلا. فقد أكدت الصين مرارا وتكرار أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وتوقع الكثيرون قيام الصين في وقت ما بغزو تايوان، ربما بتشجيع من سيناريو غزو روسيا لأوكرانيا، بينما يستبعد آخرون ذلك في ضوء ما واجهته روسيا من ضغوط مختلفة تجسدت في عقوبات سياسية واقتصادية كارثية.
وحسب الباحث والكاتب الأمريكي جوردون ج. تشانغ، أحد كبار زملاء معهد جيتستون للأبحاث والدراسات السياسية وأحد أعضاء مجلسه الاستشاري، فإن الجيش الصيني أرسل طائرات مقاتلة وقاذفات قنابل وفرقاطات بالقرب من تايوان في إطار تدريبات عسكرية وصفها المتحدث باسم وزارة الخارجية تشاو ليجيان بأنها إجراءات مضادة للتصرفات الأمريكية السلبية مؤخرا، بما في ذلك زيارة وفد الكونغرس الأمريكي لتايوان. وأضاف المتحدث أن بكين «سوف تواصل اتخاذ إجراءات قوية من أجل الضمان المطلق لسيادتها ووحدة أراضيها».
وفي الوقت الذي كان يدلي فيه المتحدث بتصريحاته كان ستة من أعضاء الكونغرس بقيادة السيناتور ليندساي غراهام، والسيناتور روبرت مينينديز رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ يجتمعان مع رئيسة تايوان تساي انغ ـ ون وكبار المسؤولين. وكانت الزيارة التي استغرقت يومين غير معلنة ووصفتها وزارة الدفاع الصينية بأنها» متسترة».
وقال تشانغ في تقرير نشره معهد «غيتستون» إن صحيفة «غلوبال تايمز» التابعة لصحيفة الشعب الصينية، كانت أكثر مباشرة؛ إذ قالت إن التدريبات لم تكن فقط « تحذيرا» لأعضاء كونغرس آخرين يعتزمون زيارة تايوان ولكنها أيضا» تجاوزت الردع بالإعداد لأعمال حقيقية محتملة من شأنها أن تحسم قضية تايوان تماما عندما يكون ذلك ضروريا».
وأضاف أنه سواء كانت الصين تخطط لغزو تايوان الآن أم لا، فإن الوقت قد حان لأن تتخلى الولايات المتحدة عن عقود من سياستها الخاطئة تجاه قضية تايوان. ومن بين أمور أخرى، يتعين على واشنطن، على أساس عاجل، البدء في تسليح تايوان بالأسلحة التي تحتاجها بصورة ملحة. فقد قالت القيادة الميدانية الشرقية الصينية في بيان لها» إن جمهورية الصين الشعبية تحتفظ لنفسها بحق استخدام القوة لضم جمهورية الصين، وهو الاسم الرسمي لتايوان. فتايوان جزء مقدس لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وليس هناك أي مجال لتدخل أجنبي بالنسبة لقضية تايوان». ومع أن الكثير من المحللين اعتبروا أن المقاومة البطولية الأوكرانية في مواجهة الغزاة الروس جعلت غزو الصين لتايون أقل احتمالا. ولكن للأسف قد يشعر شي جين بينغ، الرئيس الصيني الطموح والجسور للغاية بتشجيع من الأحداث الأخيرة في أوروبا الشرقية. وكان أحد زعماء الطلبة في أحداث تيانانمين كتب آواخر الشهر الماضي يقول» يجب ألا نتوقع اتخاذ قرارات عقلانية من جانب الديكتاتورين ونظم الحكم السلطوية».فمن الممكن أن يقرر شي تماما أن الحرب الأوكرانية توضح أن لديه الآن ضوء أخضر لغزو تايوان.
وعموما فإن الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي الـ27 وبريطانيا – تلك الـ29 دولة التي كان اقتصادها أكبر 25 مرة من اقتصاد روسيا العام الماضي- لم تستطع ممارسة قوتها لردع فلاديمير بوتين، لذلك قد يشعر شي أنهم سوف يفشلون بالمثل بالنسبة للصين.
وأوضح تشانغ أنه علاوة على ذلك، لم تكن العقوبات التي فرضت على موسكو بعد الغزو شاملة، وما زالت كذلك. ومن ثم، فإنه من الممكن أن يعتقد شي أنه لن تجرأ أي دولة على فرض تكاليف هائلة على دولته العظيمة. وقد يعتقد أن غزو بوتين تسبب في قدر كاف من الفوضى والإرباك مما يؤدي إلى عدم إقدام الآخرين على الوقوف في وجه أعماله العدوانية.
وحسب تشانغ، فإن القادة الصينيين يعطون انطباعا بأن الأحداث الأخيرة جرّأتهم. فعلى سبيل المثال، سقوط كابول العام الماضي، أدى إلى أن ترى بكين أن الولايات المتحدة عاجزة، لدرجة أن صحيفة «غلوبال تايمز» تساءلت «كيف يمكن لأمريكا أن تواجه الصين القوية بينما لم تستطع حتى التعامل مع طالبان ؟».
الردع أفضل ضمان
وأكد أنه ليس معنى كل ما تم ذكره أن الصين سوف تغزو تايوان ـ وهناك أسباب كثيرة وراء عدم قيامها بذلك ـ ولكن الردع الآن أكثر أهمية في مضيق تايوان. فبعد سقوط أفغانستان وغزو أوكرانيا تعتبر تايوان في أنحاء العالم اختبارا لمصداقية أمريكا.
وأكد أن الولايات المتحدة اتبعت طوال عقود سياسة «الغموض الاستراتيجي» ولم توضح للصين أو لتايوان ما ستفعله في حالة أي صراع وشيك. ولم يعد هذا الغموض مجديا الآن. فمن أجل منع حدوث غزو صيني لتايوان يتعين على الرئيس جو بايدن أن يعلن على الملأ أن أمريكا سوف تدافع عن تايوان.
وبالإضافة إلى ذلك يجب على الولايات المتحدة التعاون مع الحليفتين اليابان واستراليا و إبرام معاهدة دفاع متعددة الأطراف لصالح تايوان.
واختتم تقريره بالقول إنه للتأكد من أن حسم وضع تايوان سيتم بطريقة سلمية، يتعين على إدارة بايدن البدء في شحن أسلحة لتايوان، خاصة الصواريخ طويلة المدى. كما يتعين أن يكون لأمريكا والدول الصديقة قوات في تايوان. فالردع هو أفضل ضمان للسلام.