إذا أردت التعرف بطريقة سهلة وبسيطة على التغيرات الاجتماعية في العالم، وسبر أغوار ما سوف يحدث مستقبلاً في أي من المجتمعات أو الدول، ينبغي ألا تلتفت فقط لكل تغيير سياسي أو اقتصادي في المنطقة أو المنطقة المحيطة بهذا المجتمع، أو التعمُّق في تحليلات الخبراء، التي تناقش الأوضاع والمتغيِّرات. فالتقرير الأكثر صحة هو الالتفات لما يجذب الأطفال، الذين غالبا ما تقع أقوالهم خارج دائرة الضوء، على الرغم من أنهم بناة المستقبل، الذين تحدد أحلامهم وطموحاتهم خريطة طريق أي مجتمع.
فعلى سبيل المثال، بعد ما مرّ به العالم من أهوال تسببت فيها الحربان العالمية الأولى والثانية، صار حلم أي طفل أن يصيردكتورا أو مهندسا، ليس فقط بسبب المكاسب المادية التي تحققها تلك المناصب كما ترسخ في أذهان العامة في العصر الحديث لكن لأن تلك الفئة ضمَّت الأبطال الفعليين الذين حققوا نجاحا مذهلا أدهش البشرية وأنقذها من براثن الدمار، أي أن النجم والبطل الحقيقي عند الأطفال ليس فقط هو النجم الأوحد؛ لأن الأطفال بطبيعتهم يعشقون المشاركة واللعب الجماعي، في ما خلا النماذج الشاذة ذات الميول السيكوباثية. فكرة البطل عند الأطفال هي كل فرد فاعل ومؤثر في المجتمع قبل أي شيء، وتوابع ذلك قد تكون النجومية أو الشهرة الفردية، وكذلك إمكانية تحقيق المكاسب المادية.
وفي أعقاب الحرب الباردة، وهبوط نيل أرمسترونج رائد الفضاء الأمريكي على سطح القمر في 20 يوليو/تموز 1969، تبدلت أحلام الصغار، وصار الحلم المتداول هو أن يصير رائد فضاء؛ لتطأ قدمه سطح القمر، ويحقق الشهرة والمكاسب لبلده. وبالتأكيد، لم يقتصر هذا الحلم على الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي فقط، بل انتشر في جميع أنحاء العالم الغربي. لكن حدث مؤخرا ما قلب الموازين رأسا على عقب. فبمناسبة الاحتفال بمرور خمسين عاما على هبوط أول رائد أمريكي على سطح القمر، أجرى الباحثون في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة استقصاء تم توزيعه على أكثر من ثلاثة آلاف طفل أعمارهم تتراوح بين 8-12 عاما، واستهدف الاستقصاء معرفة ميول الأطفال تجاه الوظائف التي يودون شغلها في المستقبل. وكان على الطفل أن يختار وظيفة من خمس وظائف محببة لدى الأطفال والكبار، وتلك الوظائف مرتبة على النحو التالي: رائد فضاء، موسيقار، معلِّم، رياضي محترف، مدوِّن فيديو/ صانع محتوى على اليوتيوب Vlogger/ Youtuber. وكانت المفاجأة الكبرى هي اختيار الأطفال مهنة مدوِّن فيديو/ صانع محتوى على اليوتيوب، كأفضل مهنة يحلمون الوصول إليها، تعقبها مهنة المعلِّم، ثم الرياضي المحترف، ثم الموسيقار، وفي المرتبة الأخيرة كانت مهنة رائد الفضاء.
المفاجأة الأكبر، بعد إجراء الاستقصاء نفسه على الفئة العمرية نفسها من الأطفال في الصين، ظهرت في مرتبة الاختيار الأولى مهنة رائد الفضاء، تعقبها مهنة المعلِّم، ثم الموسيقار، ثم الرياضي المحترف، وأخيرا كانت مهنة مدوِّن فيديو/ صانع محتوى على اليوتيوب. فالطفل الصيني الذي كان يحلم بوصوله لمرتبة صانع ماهر، تبدل حلمه إلى ريادة الفضاء. ويعد الاستقصاء نذيرا بتغييرات جذرية في هذين المجتمعين.
ويجب ملاحظة أن حلم ريادة الفضاء في الصين لا يأتي من فراغ؛ فالصين تعي تماما أن الحرب المقبلة لن تكون على سطح الكرة الأرضية، وأن الزعامة الحقيقية سوف تكون في الفضاء الخارجي.
فالمجتمع الغربي، خاصة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة صاحبتي الصدارة في المجتمع السياسي الدولي، يجنح الجيل الناشئ فيهما إلى الواقعية الشديدة؛ فمن خلال مهنة صانع المحتوى سوف يحافظ الطفل على السطوة والهيمنة والريادة. وإرجاع الأطفال مهنتي الموسيقار ورائد الفضاء للمراتب الأخيرة؛ لأن رومانسية الجيل السابق وخياله الفياض لا مكان لها لديهم. وبالنسبة للجيل الناشئ في الصين فإن الخيال وحلم الوصول لمستقبل أفضل هو نصب الأعين. في حين أن حلمي القوة المفرطة والسطوة التي يحققها الإعلام، تراجعت لآخر مرتبة؛ للإيمان بأن أحلام الشهرة والنجومية قد تتحقق من خلال العِلم والتعلُّم.
ويجب ملاحظة أن حلم ريادة الفضاء في الصين لا يأتي من فراغ؛ فالصين تعي تماما أن الحرب المقبلة لن تكون على سطح الكرة الأرضية، وأن الزعامة الحقيقية سوف تكون في الفضاء الخارجي. ولهذا نجد أن أباطرة الرقمنة، وعلى رأسهم العالم إيلون ماسك، ورجل الأعمال واسع الثراء جيف بيزوس، في سباق مرير طوال الوقت على اقتناص الهيمنة على العالم الرقمي الجديد، وعلى رقمنة سكان كوكب الأرض من خلال تطبيق اكتشافات تكنولوجية، أو دعمها، لأن من شأنها تغيير وجه الحياة على سطح الأرض، مع محاولة نقل كل هذه التكنولوجيا إلى كوكب المريخ أو المشترى. وعلى الرغم من أن مشروعهما قد قوبل بسخرية في مستهل الأمر، بيد أن رجال الأعمال والمستثمرين آمنوا بفكرهما، لدرجة أنه كلما طرح إيلون ماسك أو جيف بيزوس أفكاراً جديدة من شأنها نقل جوهر الحياة إلى سطح المريخ يهرول المستثمرون لتمويل تلك المشروعات، على الرغم من عدم توافر رؤية واضحة لها. وتلك الثقة انتقلت للمضاربين في البورصة، الذين يخاطرون برؤوس أموالهم في تلك المشروعات عند طرحها بالبورصات العالمية، لدرجة أن الأسهم ترتفع قيمتها كل دقيقة. ومرجع ذاك الإيمان تصريحات العالم إيلون ماسك ورجل الأعمال جيف بيزوس، وليس رجال السياسة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلا من إيلون ماسك وجيف بيزوس يؤثرون في شعوب العالم الغربي، وعالم رجال المال والأعمال من خلال رسائلهم التي يبثونها عبر قنواتهم على اليوتيوب.
أما الصين، كعادتها، تحاول الوصول لأهدافها دون لفت الأنظار، ولو كانت خطوات رقمنة العالم تُطبَّق في إطار من الحملات الإعلامية والإعلانية في العالم الغربي، إلا أنها تسري في تكتُّم وهدوء في الصين، التي تسعى إلى حجز مكان ذي أفضلية يحقق لها الريادة نفسها في عالم الفضاء، سواء على كوكب المشترى أو كوكب المريخ كما اقتنصتها على كوكب الأرض. ولأن التخطيط للمستقبل في الصين ممنهج ونابع من القيادة السياسية التي لا تعطي الأفراد حرية التعبير عن طموحاتهم، نجد أنه تمت برمجة عقول الصغار بأحلام الدولة الأم، من خلال بث مناهج دراسية وأنشطة تساند ذاك التوجه.
ومن الجدير بالذكر ملاحظة أن مرتبة مهنة المعلم لم تتغيير في كلا المجتمعين المتناحرين؛ والسبب في ذلك الإيمان الراسخ بأن المعلم قادر على قلب الموازين في أي لحظة؛ لأن دوره محوري لا يمكن إغفاله. ويدل ذلك أيضا على أن جميع الاعتبارات بالإمكان تغييرها، حسب ما تقضيه الظروف، لطالما تم حفظ مكانة المعلِّم. وهنا يجدر التساؤل، هل أعدت الشعوب العربية العدة لمجابهة عالم المستقبل، من خلال إعداد الكادر التعليمي وحفظ مكانته؟ أم سترتضي مسايرة أمواج المستقبل حتى تعبر إلى بر قد تجد فيه الأمان؟
كاتبة مصرية