الصين في الثقافة العربية
محمود سعيدالصين في الثقافة العربيةيقول المرحوم هادي العلوي: في عام 1976 عاد الشيخ جلال الحنفي (البغدادي) من الصين، حيث كان يدرّس العربية في جامعاتها، وأخبرني أن الصينيين طلبوا منه أن يرشح لهم من يحلّ محله ممن يرضي خلقه ودينه فاختارني . كان ذلك المنفذ الي الحرية الذي كان العلوي ينتظره لأنه كان يريد الهرب بأي شكل من الأشكال، وهناك أتقن اللغة الصينية، ودرس الفلسفة الصينية، وعرفها لقراء العربية، ويري العلوي أن نقاط الالتقاء بين الفلسفة الصينية وقرينتها الاسلامية لم تكن بالقليلة، فكلتاهما بنيتا علي أساس واحد يتمثل بوحدة الذهن الشرقي، وكلتاهما تلجآن الي التعبير الرمزي الأدبي وتمزجانه بالتعبير الفلسفي المباشر، وكلتاهما توصلتا الي النتيجة المهمة نفسها التي تقضي بـألا ثابت في الكون.اكتشف العلوي في الصين عمق العلاقة بين العراق بمختلف عصوره وبين الصين، ففي العراق لم تكن لفظة صين مستعملة قبل نصف قرن. كان الناس يلفظونها تشين وما تشين 1 ولعل أول خبر يوثق العلاقة بين العرب والصين يرجع الي ذي القرنين الوارد ذكره في النص القرآني الكريم قالوا يا ذا القرنين ان ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض، فهل نجعل لك خرجاً علي أن تجعل بيننا وبينهم سداً . ويكشف العلوي عن هوية ذي القرنين الذي بني سور الصين فهو لم يكن سوي الامبراطور الصيني الشهير: تشين شي هوانك، الذي بني السد ليوقف هجمات قبائل الهون، وقد التبست تلك الهوية عند بعض المؤرخين المسلمين بشخصية الاسكندر المقدوني، فالأخير لم يصل الي الصين مطلقاً، وكانت الأمم في ذلك الوقت تتناقل الأخبار وكثيراً ما تندمج أسماء الحكام بأوطانها، فغلب لفظ تشين علي الصين لانجازه العظيم الذي حمي الصين.وهناك مثال آخر يعزز منحي العلوي وهو اطلاق كلمة قوري علي وعاء اعداد الشاي وهو اسم لامبراطور آخر اُستورد ذلك الوعاء في زمانه. ولقد مات الامبراطور منذ مئات السنين لكن العراقيين ما زالوا يحيون اسمه علي وعاء في غاية الجمال لأعز شراب لهم.يقول العلوي ان للعراق اسمين في اللغة الصينية، قديم: تياو جييه، وحديث اي لاكو. فاللغة الصينية لغة مقاطع لا حروف كالسومرية، ولا تهضم الاسم الأجنبي الا بعد تفكيكه، ولقد ورث العراقيون عن السومريين تفكيك بعض الاسماء الأوروبية واعادة صياغتها فكانوا يطلقون: افرنج علي الفرنسيين، والمسقوف علي الروس، والبرتيش علي البرتغاليين، ويرجح علي الشوك أن كلمة الملاّ تعود الي أصل سومري أيضاً، فالمقطعان السومريان: mu-laاستعملت مرتل المزامير بعد أن كانت في الأصل تعني: سيدا، رجلا حرا.. وهي بالأكدية قالوا القوال.. وهو المردد للنصوص الدينية.ويذكر الثعالبي في كتابه لطائف المعارف أن الصينيين يقولون: ان جميع الأمم ما عدانا عميان الا أهل بابل العراقيين فانهم عور. ويقول العلوي: لهذا القول أساس تاريخي متين، فالصينيون القدماء كانوا يعتبرون الشعوب الأخري برابرة، وقد أسموا بلادهم: البلد المركز، مركز الدنيا وفات العلوي أن يذكر أن معظم الشعوب القديمة تطلق علي نفسها أوصافاً كهذه، فالقاهرة في نظر المصريين هي أم الدنيا، وبعد بناء بغداد ذكر بعض المؤرخين أنه شاع مثل عند الناس أن من لم يرَ بغداد لم يرَ من الدنيا شيئاً.والتقيت أحد العراقيين في باريس سنة 1966 قال لي ان قريته الواقعة في جنوب العراق أجمل بقعة علي سطح الأرض، وعندما رجعت بعد سنة صممت علي رؤية القرية فلم أرَ سوي بضعة وعشرين كوخا يعيشون في بيئة متخلفة أشبه ببيئة العصر الحجري.وكانت الصلات دائبة بين البلدين العراق والصين ، ومما يعزز العلاقة بينهما كون البلدين دائماً امبراطورية عظمي ولمدة تنوف علي بضعة آلاف السنين.مما هو معروف لدي الجميع أن أهم الطرق التجارية العالمية في تاريخ البشرية هما طريقان 1 ـ الطريق البحري، وهو طريق التوابل ويأتي من الهند الي ميناء البصرة فبغداد ثم يتجه الي الموصل فتركيا فأوروبا الشمالية ثم الي حلب والبحر المتوسط فأوروبا المتوسطية وما يليها شمالاً، أو من بغداد الي الجزيرة العربية فمصر فأفريقيا. 2 ـ الطريق البري وهو طريق الحرير العالمي وكان يمر في شمال الهند الحالية فشمال الباكستان فأفغانستان فايران فالعراق ثم يتفرع بعدئذ من منطقة الوسط بغداد وما حولها الي الطريقين السابقين، وهو أكثر أماناً لديمومته في عهود غارقة في القدم كانت تخلو من الابحار في أوقات تتكاثر فيها الأعاصير والرياح الموسمية العاتية التي تعيق الابحار بشكل دائم. وكما يذكر المسعودي في مروج الذهب ومعادن الفضة أن سفن الصين التجارية كانت تصل الي بحر النجف قبل الاسلام وقد سجل ذلك في وثائق حتي عصر المناذرة . 2 ولعل أقدم سفارة للصين في العراق، والتي أهمل ذكرها المؤرخون العرب لشديد الأسف، ربما لأن الصين كانت بعيدة جداً في وقت لم تكن الكتابة العربية تعني الا بما يفهمه العامة. ويري الحنفي أن السبب ليس اهمالاً فقد كان كل شيء يسجل لدي ديوان الخليفة، لكن حرق الوثائق في دار الخلافة بعد سيطرة المغول والقاء ما تبقي منها في دجلة أضاع تلك التوثيقات والوثائق. لكننا بعد تلك النكبة أخذنا نقوّم الوثائق الصينية ونحترمها بالغ الاحترام. المهم أن السفارة كما يقول العلوي كأنك بينك وصلت عن طريق البر الي بغداد.سدّت كتابات العلوي عن الصين فراغاً كبيراً في المكتبة العربية، عرفتنا علي الفلسفة الصينية، وجزءاً مهما من تاريخ وعادات الصين والعلاقات الصينية العربية، وأشارت الي موضوعات مهمة خاصة بالشعبين العربي والصيني، وذكرت العراقيين بجذور ألفاظ صينية ما زالت تستعمل في العراق حتي الآن.ولعل المستقبل سيكشف الكثير مما سجله جلال الحنفي عن الصين أيضاً فلم يتيسر للحنفي لكبر سنه وزهده في الدنيا وفقره الشديد الي أن توفي ما توفر للعلوي من مجالات.ملاحظة: يميل العلوي الي كتابة الكلمة العامية المفهومة حتي لو كانت تخالف القاعدة المتبعة، فهو يستعمل علي سبيل المثال نفس وعين في أول الكلمة: نفس الأسلوب، مع أن البعض يفضل: الأسلوب نفسه.ـ جلال الحنفي: أحد أعظم الموسوعيين العرب في هذا العصر ان لم يكن أعظمهم وآخرهم اطلاقاً. ورصيده عشرات الكتب التراثية في النغم الموسيقي العربي، والأمثال العربية والعراقية والكويتية والخليجية، والتاريخ واللغة والمقامات الغنائية، وكان أفرد عصره في المقامات ومن يقرأ مقالاته الصحفية الأسبوعية يذهل لقوة ملاحظاته الدقيقة التي كان ينبه قراء القرآن علي مناهج المقام العراقية التقليدية الي أخطائهم في ما يسمعه من تلاوة، لأنه كان أعلم الأحياء بهذه المقامات، وكانت ملاحظاته دقيقة وصائبة الي حد معجز. وكتب أول قاموس عربي صيني، صيني عربي. لم يرَ النور مع الأسف. ولا أدري ما السبب، وتوفي عن عمر جاوز التسعين في سنة 2006. 1 وتلفظ عادة من دون تاء شين وما شين وفي الموصل يقولون: جين وما جين و ج ليست الحرف العربي بل هي الحرف اللاتيني. ch. ـ وسكان العراق من أهل الموصل المواصلة يقولون برتكيش.(بعد نشر كتابه عن الصين اتصلتُ به وأخبرته بأني أفضل كلمة همج أو متوحش علي كلمة برابرة فالبربر شعب شقيق للعرب وهم يسكنون شمال أفريقيا، ولأنهم قاوموا التوسع الروماني في شمال أفريقيا بشدة فقد قرن الرومان البربر بالوحشية والهمجية، كما يفعل الأوروبيون الآن بالشعوب العربية، وسرت اللفظة الي لغتنا العربية بعد شيوع الترجمة غير الواعية، ولقد آن لنا أن نتخلص منها. وكان رد العلوي أنه تنبّه الي ذلك بعد نشر الكتاب وأنه سينشر هذا التصحيح وغيره الكثير مما تناولناه في أحاديثنا الهاتفية اضافة الي هذه النقطة والي الموقف من المرحوم عبد الكريم قاسم اذ كان يتحفظ علي الكثير من مواقفه لكنه غيرها بعد اتصالاتي به، وبنقطة ثالثة ذكرني بها في رسالة بريدية وهي أنه كان الرقيب الذي أجاز روايتي قضية قديمة في نهاية سنة 1962 وكانت قد نشرت في اتحاد الأدباء العراق ـ1/3/1963 وحدث انقلاب 8 شباط (فبراير) بعد ثمانية أيام قبل التوزيع.ـ بحر النجف: كان بحيرة كبيرة تتفرع من الفرات، لكن الفرات بتغيير مجراه ابتعد عنها فجفت لكنها بقيت الآن واديا شاسعا كبيرا يذكر المراقب بماضٍ مزدهر بائد، ولقد أعاد المهندسون في العهد العباسي المزدهر فتح قنوات من الفرات اليها فعادت اليها المياه وازدهرت الزراعة، لكن تدمير العراق علي يد هولاكو ومن تعاون معه قضي علي مستقبل البحيرة، فتصحرت. لكن بعض الدراسات الحالية ترمي الي اعادة الحياة اليها. وآمل أن يتم ذلك في أقرب فرصة. 2 وفي دراسة موثقة للماجستير في بغداد في السبعينيات عن التجارة بين العراق في العصر العباسي وبين مختلف مناطق العالم يوثق المؤلف اكثر من أربعين مادة كانت تستورد من الصين منها الأقفال، وما زالت تستورد حتي الآن.كاتب من العراق0