الصين وروسيا نحو علاقات اقتصادية واسعة

حجم الخط
0

الصين وروسيا نحو علاقات اقتصادية واسعة

محمد خليفةالصين وروسيا نحو علاقات اقتصادية واسعة وقعت الصين وروسيا علي اتفاق تعاون في مجال الطاقة، وبموجب هذا الاتفاق ستقوم روسيا ببناء خطي أنابيب كبيرين لنقل الغاز الروسي باتجاه الصين خلال خمس سنوات، وقال الكسي ميللر رئيس شركة غاز بروم الروسية ان أحد خطي الأنابيب سينقل الغاز من غرب سيبيريا بينما سينقل الخط الثاني الغاز من أقصي شرق روسيا. ويعتبر هذا الاتفاق واحداً من بين خمسة عشر اتفاقاً تم التوقيع عليها بين روسيا والصين خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الي الصين مؤخراً، وتسعي روسيا والصين الي تحسين العلاقات بينهما وبما يخدم مصالح كلّ منهما. وهناك نقاط كثيرة تجمع بينهما، فهما دولتان كبيرتان بالمساحة والسكان والقدرات. وهما في نفس الوقت دولتان جارتان، وتتعرضان لمؤامرات تحوكها الولايات المتحدة ضدهما بهدف اضعافهما وتفتيتهما الي مجموعة غير متناهية من الدول وازاحتهما من طريق سيطرتها العالمية لأنهما الدولتان الوحيدتان القادرتان علي تحدي هذه السيطرة. وتعلم كل منهما أن أية دولة منهما لن تكون قادرة بمفردها علي تحدي الهيمنة الأمريكية، بل لا بدّ من العمل سوية لكبح جماح الولايات المتحدة وخلق عالم متعدد الأقطاب لا تكون الهيمنة فيه لقطب واحد. ولم تكن العلاقات بين روسيا والصين في الماضي جيدة، بل كانت عدائية يشوبها الخوف والتوجّس. فبعد ظهور روسيا القيصرية كقوة عالمية ابتداءً من القرن الثامن عشر، بدأ الروس يمدون بصرهم للسيطرة علي الصين، بعد أن كانوا سيطروا علي كامل سيبيريا ووصلوا الي المحيط الهادئ وسيطروا أيضاً علي كامل آسيا الوسطي الاسلامية المجاورة للصين. وفي عام 1903 بدأ الروس بمشروع لمدّ سكة حديد من موسكو عبر سيبيريا الي ميناء فلاديفستك علي المحيط الهادئ، وذلك لربط الامبراطورية الروسية مع بعضها. وكان جزء من هذه السكة سوف يمرّ عبر اقليم منشوريا التابع للصين، لذلك قامت روسيا بالسيطرة علي هذا الاقليم، وتطلعت للسيطرة علي كوريا التابعة للصين أيضاً، ولم تكن الامبراطورية الصينية قادرة علي صدّ الزحف الروسي لأنها كانت علي وشك الانهيار. لكن أطماع اليابان في الصين جعلتها تتحدي روسيا وتعمل علي منعها من التقدم في الشرق الأقصي وخصوصاً في منشوريا وكوريا. وهكذا نشبت الحرب بين اليابان وروسيا عام 1905، حول الصين، وانتصر اليابانيون في هذه الحرب وانهزم الروس، وتضعضعت امبراطوريتهم. وكانت هذه الهزيمة سبباً رئيسياً في ظهور الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917. والتي قضت علي الدولة القيصرية وأقامت الاتحاد السوفييتي الذي تبني نهجاً معادياً للاستعمار ومناصراً للشعوب المقهورة والمستعمرة. وسعي الشيوعيون السوفييت الي نشر الشيوعية في العالم، وكانت الصين في العشرينات من القرن الماضي تعاني من الهيمنة الاستعمارية المتمثلة بالاستعمار البريطاني والفرنسي والأمريكي والياباني، كما كانت تعاني من الانقسام الداخلي والحرب الأهلية. واستغل السوفييت الفوضي التي كانت في الصين آنذاك، وشكلوا حزباً شيوعياً من الشباب الصيني المعادي للاستعمار. وسرعان ما أصبح للشيوعيين الصينيين حضورهم في شمال الصين، وبدأوا كفاحهم ضد المستعمرين وضد حلفائهم في الداخل. وقدّم السوفييت مساعدات كبيرة للشيوعيين وخاصة بعد اندحار اليابانيين عن منشوريا علي يد السوفييت في نهاية الحرب العالمية الثانية. اذ ترك هؤلاء وراءهم كل معداتهم من الأسلحة الخفيفة والثقيلة، وقد سلم السوفييت هذه المعدات للشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ، واستطاع ماو بهذه الأسلحة اجتياح الصين كلها واقامة جمهورية الصين الشعبية الشيوعية عام 1949. لكن ماو سرعان ما تنكر للمعروف السوفييتي، فعمل علي احداث تغيير في النظرية الماركسية، فجعل الفلاحين وليس العمال هم أساس الدولة الشيوعية. وذلك بخلاف الاتحاد السوفييتي الذي كان يعمل علي اقامة ديكتاتورية الطبقة العاملة البروليتاريا . ورفض ماو ربط الصين بالفلك السوفييتي لأن الصين دولة كبيرة وهي قطب بحدّ ذاتها. وهكذا ساءت العلاقات بين الدولتين الشيوعيتين، وظهر العداء بينهما، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، ظلت الصين محافظة علي نظامها الشيوعي وان كانت قد تخلّت عن تطبيق الاشتراكية، واتجهت الي اتباع نظام اقتصاد السوق الرأسمالي، وخرجت روسيا من تحت أنقاض الاتحاد السوفييتي دولة فقيرة اقتصادياً وبحاجة الي المساعدات الاقتصادية العاجلة. وأما الصين، فانها ظهرت كقوة عظمي صاعدة، فقد تسارعت وتيرة النمو الاقتصادي فيها خلال التسعينات من القرن الماضي كما زاد فيها حجم الاستثمارات الأجنبية. ولأول مرة منذ اشتركت الصين وروسيا بحدود رسمية تكون الصين هي الطرف الأنشط اقتصادياً والأقوي سياسياً. فقد ازداد تغلغل المهاجرين والتجار الصينيين في المنطقة الروسية، وبلغ نسباً ملحوظة، وبات الوقت الآن ملائماً جداً لتحسين تكتيكي في العلاقات الصينية ـ الروسية خصوصاً أن روسيا الآن أضعف من الصين. وبناء علي ذلك، التقي البلدان في نيسان (ابريل) 1997 ليدينا الهيمنة ويعلنا أن توسيع حلف الناتو أمر لا يمكن السماح به. لكن من غير المحتمل أن تفكر الصين جدياً بتحالف روسي ـ صيني شامل وبعيد الأمد ضد أمريكا، لأن ذلك سيعمّق ويوسّع مجال التحالف الأمريكي ـ الياباني الذي تريد الصين أن تذوّبه بسرعة. كما أن من شأنه أن يعزل الصين عن مصادر رأس المال والتكنولوجيا الحديثة اللذين لهما أهمية حاسمة بالنسبة لمستقبل الصين. ولذلك، فان العلاقات بين الدولتين ستبقي عند حدود التعاون البنّاء دون الوصول الي مرحلة التحالف الاستراتيجي. وفي هذا التعاون هناك مصلحة متبادلة لكل منهما، حيث سيسمح لهما هذا التعاون في رصد التدخل الأمريكي في منطقة آسيا الوسطي وتطويقه، وبالتالي محاصرة المؤامرات الأمريكية ضدهما والتي تنطلق من منطقة آسيا الوسطي المتاخمة لحدود كل منهما. كما أن الصين تستطيع من خلال العلاقة المميزة مع روسيا، أن تحصل علي النفط والغاز الروسيين، وهي التي تفتقر الي الطاقة بشكل مخيف مع أنها أصبحت تستهلك في اليوم ستة ملايين برميل من النفط وهذه النسبة في ازدياد مع ازدياد النمو الاقتصادي فيها. ويشكّل توقيع اتفاقية التعاون في مجال الطاقة بين الدولتين فاتحة عهد جديد للعلاقات المميزة بينهما وفاتحة عهد جديد للعالم أجمع الذي سيشهد تغييراً، لا محالة، مع التقاء المصالح بين روسيا والصين.ہ كاتب من الامارات [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية