الضحية الخرساء

حجم الخط
0

الضحية الخرساء

خيري منصورالضحية الخرساء تزامن يثير الشجن بين تموز الذي فاض عن عدد أيامه وبين النكوص القومي الذي حول البلدان الي مصغرات جغرافية تضيق بساكنيها، ويحكمها قانون الضرورة المضاد للحرية، بحيث يعيش الانسان بالعلف وحده!وقد كانت جدلية الموت والقيامة جذر التاريخ والاسطورة معا، ولعلها الوحيدة التي آخت بينهما، لهذا استلهمها الشعر التموزي والثورة التموزية ايضا، خصوصا في الحضارات المائية ذات التراث العريق الذي يمتد عدة ألفيات في الزمن!وأول المفارقات التي يثيرها هذا التزامن الملغز بين تموز وحالة الاستنقاع السياسي والثقافي تتعلق بالشاعر أولا، هذا الكائن الرائي الذي إذا أعطب الواقع بصيرته وحذف حدسه يتحول إلي وتر ساقط عن ربابة!ولا أظن أن هناك شاعرا عربيا الآن لا يعاني من صراع سري يشبه الحرب الأهلية بين عقله ووجدانه، وبين ما يقول علي نحو بالغ التجريد وما يشعر به من تبكيت ضميري وذاكرة شقية!فقد احتفل الكثير من هذا الشعر قبل أعوام بوداع التاريخ ودلف إلي الفانتازيا من كوة أو صدع في الجدار، لأن الأبواب مرسومة علي الجدران وطالما خدعت أنصاف العميان فارتطموا بها وعادوا الي رشدهم، وهذه ليست دعوة في غير أوانها بل بعد أوانها بثلاث مذابح علي الأقل لعودة الشاعر إلي الملكوت الذي هاجر منه، حين حمل تاريخه علي ظهره كالحطاب حسب تعبير ماغوطي مرير.والشاعر ليس حطابا ينتظر خريف الغابة ولا هو بائع منمنمات أو عجائب بحيث يصطاد العنقاء أو يزعم ذلك، وقد عف عن الصقر والغراب، انه كثافة تتقطر لتقول للناس بأنه رغم عزلته مبثوث في تضاعيف النسيج كله، من الحقل والمعمل الي الجامعة والمخيم والرصيف، وإن كان يلمح الخنادق المهجورة أحيانا فيشعر بما نشعر به الآن من خجل مشوب بالندم، فكم هو هامشي ومهجور، وكم هو هناك في منفي ما بعيدا عن هذا الملكوت الذي يعج برائحة الفحم البشري والدم النيء في شهور القنص!ولم يكن معظم شعراء الحداثة وما بعدها من العرب بحاجة إلي اصدار بيانات يودعون فيها التاريخ والواقع لصالح الهجرة غير الموعودة بأية عودة وبأي فتح لكنهم عبروا عن الطلاق البائن بينونة شعرية كبري مع الواقع من خلال العزوف مع سبق الاصرار عن كل ما هو ممهور بالواقعة، أو المقترن بحدث، لأن المناسباتية تحولت بفضل غلو الشعراء الذين تغذوا عليها الي فوبيا، تستثير لدي شعراء الحداثة مضادات الواقعية، والاقلاع المباغت عن عادات شعرية لم تعد حميدة ولا هي مدرجة في خانات الحداثة وما بعدها!والأرجح أن تفريغ الضحية من صوتها وتحويلها إلي خرساء، شمل الثقافة ايضا فهي ذلك الصوت الذي قد يكون أنينا أو تحديا أو استغاثة، لكنه في كل الحالات مقاومة للصمت، وافتضاح لجرائم يراد لها أن تكون كاملة بغياب الشهود أو بمعني أدق تغييبهم !وبالعودة الي التزامن المثير للشجون كلها السياسية والشعرية والاجتماعية بين تموز وهذا الصقيع الذي يحجب شمسه السليطة، فإن مبررات الثورات المتعاقبة خلال عقدين في النصف الثاني من القرن العشرين يقشرها التاريخ بطرف أظفره لا بسبب قوته بل بسبب هشاشة المبررات لأنها انقطعت عن كل مقدماتها.وورث شهاب الدين أخاه، وسرعان ما عادت حليمة العرب الي عادتها القديمة، وكل ما حدث هو أن التكرار هذه المرة قدر تعلقه بالتاريخ في بعده الحدثي كان كوميديا وما يزال.لهذا فالكوميديا العربية، التي تستأهل أن تكون الثالثة بعد كوميديا دانتي الإلهية وكوميديا بلزاك الأرضية، تبحث الآن عن مؤلف، فالشخوص جاهزون للتصوير والوقائع مرتبة كأيام الاسبوع بالنسبة لموظف داجن!لقد كان الانقلاب علي نظم باترياركية متواطئة مع الأعداء وعداً بزمن عربي محرر من هذه الباترياركية، ومن سدنة العهود التي وصفت في أدبيات الثورة بأنها بائدة!لكن ما حدث خلال أربعة عقود فقط هو أن القصور التي تم الاستيلاء عليها اصبحت أكواخا إذا قورنت بالقصور الجديدة وتماهي الثائر مع ما انقلب عليه وأضاف إليه سايكولوجيا ثأرية، تحاول استرداد مديونيات قديمة، وقد أضيف اليها الربا السلطوي، وما سال عليه اللعاب من مظاهر البذخ!ولم يخطر ببال التموزيين العرب أن صيفا ما بانتظارهم ليقول لهم بأنهم كذبوا وسرقوا مقاعد كي يضاعفوا من طلائها بالذهب، لهذا فان هذا الصيف العربي الذي زاوج علي نحو غير مسبوق بين لهب المقاومة وجليد النظام السياسي أصبح مرشحا لإذابة هذا الجليد، لكن ليس بالطريقة التي بشر بها الروسي اهرنبورغ، فإذابة الجليد في هذه القارة الساخنة قد تدفع السيل الي تجاوز الزبي وبالتالي الي الطوفان وثمة من يرددون الآن همسا او بصوت جهوري ما قاله لويس الغارب، بعدنا الطوفان، لكنهم سيكتشفون أن الطوفان سيجرفهم كجذوع أشجار ميتة قضمها السوس علي مهل طوال عقود من البطالة السياسية والتنبلة!منظومة من كرنفالات تنكرية، واستثمار كلبي للدم، أصبحت الموسم التقليدي الذي يعقب كل مجزرة، يتحول فيها الاطفال العرب الي ذبائح تتأرجح علي الشاشات، وما أن تطفأ الأضواء، ويتلاشي آخر شخير في اسرة حي توابيت مزركشة حتي نعود إلي الصفر، وكأن هذه الذاكرة الرملية غربال لا يمكث فيه الدم أو الماء.فنانون كانوا للتو يرفهون في اليخوت عن العاطلين بالوراثة، وينسجون من لعابهم كالعناكب مصائد لضحايا الكبت يرتدون ابهي الثياب ويأخذون زينتهم للتصوير قريبا من الاطلال، لكأن الموتي مخدوعون ضلوا الطريق الي نافذة الهرب وكأن من يسقط عليه أن ينتظر السلخ من ذويه بعد الذبح، لأن الاسخريوطية لم تعد جريمة مقترنة بالصلب فقط، بل تحولت الي مهنة في ربيع روماني جديد، قياصرته يثرثرون عن حقوق الانسان والحرية في اختيار درجة الانحناء، وأحيانا المطالبة بالإعدام رميا بالرصاص بدلا من الشنق!كم كان هنري ميشو أفاقا في أزقة التاريخ المسدودة. عندما أخرج لسانه لم يعدموه شنقا، وهو الذي يزهو بتراث المقصلة، لأنها لا تقطع اللسان فقط بل الرأس كله.وكم كانت شارلوت كوردييه جديرة بعدة تماثيل في هذه المدن الأشبه بالمقابر الرخامية، عندما احتفظ وجهها بآثار الصفعة من ماجن قبيل قطع الرأس بدقيقة واحدة!!تداعيات تقتادنا كما يقتاد الثور خرزة علقت بذيله لا بعنقه، فنجد أنفسنا موزعين بالتساوي، غزالا مذبوحا في شهوات الضباع التي تتربص بما يبقي من أشلائه وبما يعف النمر عنه من جلد وأظلاف!فالذبح الذي علفت به الوكالات الكاميرات وأضاف أجرة مضاعفة لمن استبقوا سواهم في النقل، نستشعره في أعناقنا وما الخجل الذي يدفعنا الي التستر وراء الكتابة بالأبيض إلا دفاعنا البائس عن بطالة انسانية، وشلل ضميري يتسلل إلي نخاعنا!والتقاويم قدر تعلقها بالتراجيديا لا تنتظم في ايام او اسابيع، ولا تعترف بعطلة الجمعة والسبت والأحد. انها هذه المرة قادمة من جهة الموت حيث الأيام رتيبة ومتشابهة، وحيث الشوارع بين القبور لا تجتذب العشاق رغم هدوئها وبعدها عن عين الرقيب، بل تجتذب ثعابين ضالة، وغربانا ما خلقت إلا لكي تدل علي الاطلال والخرائب!أين هي القصيدة من هذا السياق الجنائزي؟ وهل تقوي علي حمولة تنوء بها ملاحم الأقدمين؟انها الآن تجتر عشبا قديما زعم النقد بأنه عسير الهضم علي الأذهان المدللة، فمن كان من طراز مارفيلِ يعلف غزلانه بالزنابق عليه أن يتوقف الآن، فالغزلان يتدلي ما تبقي منها خارج الفك وكأنه أبجدية تتوغل في الصمت.انه الخجل المشوب بالندم، والاصابع التي ما ان تكتب كلمة واحدة حتي تعود الي النواجذ التي تعضها حتي النزيف!فالتزامن تراجيكوميدي بين تموز الثورات وبيانات منع التجول وبين تموز الناس المذبوحين من الوريد إلي الوليد ومن ماء محتل إلي ماء ما عاد يصلح للوضوء وغسل الموتي!!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية