الضحية تمارس دور الجلاد ونبوءة التاريخ تعرّي الوحدة الكاذبة للعراق

حجم الخط
0

في ‘هوركي أرض آشور’ لصبري هاشملندن ـ عدنان حسين أحمد: تلعب المخيّلة دوراً كبيراً في روايات صبري هاشم، فهي التي تكيّف الحدث الرئيسي، وتقوده إلى المسافة الفاصلة التي يندغم فيها الواقع بالخيال إلى درجة التماهي بحيث يصعب على المتلقي أن يفرز العناصر السردية الواقعية عن شقيقتها الخيالية. تقوم رواية ‘هوركي أرض آشور’ على بنية متداخلة يمتزج فيها الواقع بالحلم حتى تأخذ في بعض الأحيان شكلاً ضبابياً يخالطه نوع من الغموض المُستحَب الذي يفرض على القارئ قراءة جدية متفحصة قادرة على الفرز التحليل والتأويل.

فعلى الصعيد الواقعي يدين الروائي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) الذي شنَّ في الأول من أيار/مايو 1983 هجوماً واسع النطاق على قرية بشت آشان وارتكب مجزرة كبيرة راح ضحيتها العشرات من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي (الأنصار) الذين كانوا يقاتلون النظام الدكتاتوري السابق. وينتقد بشدة كل ما من شأنه تمزيق وحدة البلاد المعروفة بهيكليتها الفسيفسائية المعروفة. وعلى الصعيد الحُلمي يرى سهيل في منامه الملك آشور ناصر بال الذي حكم ميسوبوتاميا للفترة من 883 ق.

م إلى 859 ق.

م وهو يخبره بنبوءة مخيفة مفادها: أنّ العراق الذي تعيشون فيه سيتمزق إن عاجلاً أم آجلاً! ثم يتوسّع في حديثه عن (الوحدة الكاذبة للعراق)، ويبدو أن سهيلاً قد تغيرت قناعته الآن وصار يؤمن فعلاً بأنّ العراق يتكون من مجموعة أقوام وطوائف وأديان ومذاهب مختلفة، فلاغرابة أن تتعدد الولاءات، ويضعف الانتماء إلى الوطن، ويكون الدخلاء سبباً رئيسياً لتمزّق البلاد، تماماً مثل آشور وبابل التي دمّرها الدخلاء قبل الأعداء. لا نريد أن نتحدث هنا عن الملك المتجبِّر آشور ناصر بال الثاني، فهو معروف بوحشيته، وسيطرته المطلقة على أطراف إمبراطوريته الآشورية مترامية الأطراف، لكن يجب التنويه إلى أن هوركي وسلاسل الجبال الشاهقة المتاخمة له كانت خاضعة لسيطرته، والأهم من ذلك أنه بنى حضارة لاتزال آثارها شاخصة حتى يومنا هذا، فيما لم يخلِّف الطارئون آثاراً تُذكر.

يتناوب على فصول الرواية التسعة راويان بصيغة ضمير المتكلم، الأول هو سهيل بن حبيب الأنصاري الذي يتبنى رواية النصوص الخمسة، فيما تقع مسؤولية رواية الأصداء الأربعة على عاتق هاني بن رواحة الشيباني، ذلك أن الرواية بمجملها تتكون من خمسة نصوص وأربعة أصداء. ولو شئنا الدقة لقلنا إن أحداث الرواية تسير بخطين متوازيين، الأول هو خط سهيل الذي يتابع بقلق كبير، وشغف لا محدود زوجته نائلة الحميري التي تزامن طلَقها مع هجوم قوات الزعيم الكردي جلال الطالباني على قرية بشت آشان من جهة، وهجوم الجندرمة الأتراك على المنطقة الجبلية ذاتها. أما الخط الثاني الذي يكتنفه الغموض، ويشوبه النَفَس الحُلمي فهو خط هاني بن رواحة الشيباني الذي أحبَ أروى، وتعلّق بها حد الجنون، وقرر أن يتزوجها. لابد من الوقوف قليلاً عند الجانب الفنتازي في هذه العلاقة على وجه التحديد. إذ نجح صبري هاشم بلغته المجنّحة أن يتعاطى مع هذه الفتاة الحُلمية التي وصفها بالمرأة / الموجة، والمرأة / الريح. وقد دعا إلى حفل زواجها الباذخ ثلاثين رجلاً وامرأة أو حبيباً وحبيبة على الأصح. وقد شربت أروى، وارتوت، وغنّت، ورقصت، وحينما شعرت بالضيق خرجت لكي تشمّ الهواء. (خرجتْ إلى الحديقة تستنشق هواءً نظيفاً، نقياً. خرجت لتعود. انتظرتها ساعة ومعي الحفل ينتظر، لكن أروى لم تعد)! بحثوا عنها في الحديقة، وفي غرف المنزل. أطلقوا لأرجلهم العنان في شوارع البصرة، لكنهم لم يجدوا لها أثراً، وكأنّ أروى سرقتها الريح أو ابتلعها الهواء! يُحار القارئ أي الخطين يتابع فكلاهما مكتنز بالدهشة، ومشحون بالمفاجآت. وعلى الرغم من خطورة الحدثين، إلاّ أن حرفية الروائي المبدع صبري هاشم تتجسّد في السيطرة على آلية السرد وتطويعها لمصلحة عناصر الشد والإثارة والتشويق التي لا يتقنها إلاّ الكاتب المحترف الذي يتوفر على خبرات متراكمة في هذا المضمار، وصبري هاشم هو أحدهم من دون شك. يفيدنا الاستهلال النصي الأول الذي يرِد على لسان سهيل بن حبيب الأنصاري بأنه مبحر إلى أعالي الفرات حيث يقول: (يا بني / لو عني سألتْ ثمود / فأنا مبحرٌ / بناقة صالح / إلى أعالي الفرات). معظم الشخصيات الرئيسية في هذا النص مطاردة، ولا ملاذ لها إلاّ الجبال الشاهقة في شمال الوطن. وقد شاء الروائي صبري هاشم أن يوثق جانباً من تجربة الحزب الشيوعي العراقي الذي كان ينتمي إليه، ويعرف تفاصيله الصغيرة أكثر من أي شخص آخر لأنه عاش أيام العمل السري، كما عاش أيام (الجبهة الوطنية) التي لم تدم طويلاً، وبعدها انغمس في مقاومة الحكم الاستبدادي كمقاتل في فصائل الأنصار التي اتخذت من شمالي العراق قاعدة لانطلاق عملياتها النضالية ضد الربايا والثكنات العسكرية وبعض مؤسسات الدولة التي كان باستطاعتهم أن يطالوها بين أوانٍ وآخر. يفيد صبري هاشم دائماً من سيرته الذاتية التي تنطوي على غنى ملحوظ فهي أشبه بعين الماء الدفّاقة التي لا تنضب. فبالإضافة إلى ثقافته العميقة، وانتمائه لحزب يساري ترجّح بين مهادنة السلطة الاستبدادية حيناً، ومقارعتها حيناً آخر، وبين المصادفات الحياتية الغريبة مثل التحاقة بفصائل الأنصار قبل أيام معدوة من شنّ الهجوم على بشت آشان، وإنجاب زوجته لطفلها البكر على قمة هوركي شاهقة الإرتفاع، سواء في الواقع أو في النص الروائي، كل هذه المعطيات وسواها وضعت القارئ أما مناخ فنتازي بامتياز. تدين هذه الرواية وتعرّي القيادات الشيوعية التي خانت مبادئها، وتواطأت مع الجلاد ضد الضحايا الأبرياء من أعضائها ومقاتليها الذين لم يفارقوا الحياة حسب، وإنما تعرضوا إلى مختلف صنوف التعذيب على أيدي الميليشيات الطالبانية التي تواطأت مع جزّار بغداد ضد شريحة وطنية كانت تطالب بالحرية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، فلاغرابة أن تتحول (أروى) حبيبة (هاني) إلى سجينة أو مغيّبة في أرض الوطن، حيث تتوارى على مدار النص ولا نعرف لها أثراً، مثلما يتوارى هاني إثر اختطاف حبيبته أروى ولا يطل علينا إلاّ قبيل الجملة الختامية بقليل. يكثف صبري هاشم أحداثه في أثناء حلّ العقدة الروائية. فالقارئ الذي ينتظر على أحرّ من الجمر لحظات الطلَق التي تمر بها نائلة ليعرف إمكانية وجود قابلة تستطيع أن تنقذ هذا القادم الجديد في ظل ظروف معقدة، أم أن الثلاثة سيكونون طعماً لنيران المليشيات الطالبانية من جهة، ونيران الجندرمة الأتراك من جهة أخرى. في هذه اللحظة الحرجة يصل هاني ليعانق سهيلاً، ثم يضع الوليد في حضنه، ويحلق إلى أعالي السماء. وعلى الرغم من النهاية المأساوية للمعركة، واحتلال الجندرمة الأتراك لقمة هوركي، وتوغل الأنصار إلى العمق العراقي الذي سيضعهم على مقربة من حدّ السكين ثانية، إلا أن قدوم الوليد ونجاته بهذا الشكل الأسطوري يمنح أهالي الضحايا والمعذبين أملاً بالاقتصاص من المجرمين الذين خانوا الوطن، وأوغلوا في دماء هذه الثلة الوطنية التي كانت تدافع عن وجودها، وحقها في حياة حرة كريمة لم يتوفر عليها المواطن العراقي حتى الآن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية