يمكن أن نحب امريكا أو أن نغضب عليها، لكن يجب أن نفهم أن لامريكا ايقاعا يختلف عن ايقاعنا، ومُهلاً تختلف عن مهلنا وطول فتيل يختلف. فهكذا تكون الحال حينما تكون هذه القوة قوة عظمى: إنها تستطيع أن تُبيح لنفسها ذلك. في ذروة حرب لبنان الاولى، حينما كانت قوات الجيش الاسرائيلي موجودة في بيروت، وكانت سفن الاسطول السادس راسية هناك، دعا ضباط الاسطول السادس ضباطنا من سلاح البحرية الى لقاء على متن واحدة من سفنهم، وخلال المساء عُرض على الطرفين سؤال وهو: لنفرض أنكم تلقيتم أمرا باحتلال ساحل جونية المقابل، من البحر، فما هو الوقت الذي ستحتاجون اليه؟ وتشاور الاسرائيليون بينهم وأجابوا آخر الامر: حوالي 36 ساعة؛ وتشاور الامريكيون بينهم وأجابوا: ثلاثة اسابيع على الأقل، ابتسم الاسرائيليون في تفوق قائلين هل تحتاجون الى هذا القدر الكبير من الوقت؟ ‘عندكم ساحل واحد فقط تحتلونه’، أجاب أحد الامريكيين، ‘هل تعلمون كم ساحلا عندنا؟’. نشبت المواجهة بين النظام السوري والادارة الامريكية قبل عشرة ايام، حينما ظهرت النتائج القاتلة لاستعمال السلاح الكيميائي بهجوم على مواطنين في ريف دمشق. ومنذ ذلك الحين تتحرك الادارة الامريكية في بطء نحو عملية عسكرية. ويتم التحرك في مسارين متوازيين: ففي الصعيد السياسي تبحث الادارة عن شرعية امريكية داخلية ودولية. وفي الصعيد العسكري تعزز القوات وتتفحص الأهداف. وقد لقيت الادارة في الساحة الدولية صعابا لا يُستهان بها، فروسيا والصين تحجزانها في مجلس الامن. واستقرار رأي البرلمان البريطاني على معارضة مشاركة بريطانيا في هجوم يُبعد عنها حلفاءها في حلف شمال الاطلسي، ويؤثر في الرأي العام في الداخل. فاستطلاعات الرأي غير مشجعة. ومن السخرية الشديدة أن اوباما يدفع الآن ثمن غزو الرئيس بوش للعراق، وهو غزو كان من بين القليلين الذين عارضوه. وهو يدفع مرتين: مرة لأن البريطانيين الذين كانوا في فترة توني بلير أيدوا الغزو الامريكي فهم يعاقبونه؛ ومرة ثانية لأنه حينما كان سيناتورا دعا الى الاتيان بكل قرار على عملية عسكرية ليصادق عليه مجلس النواب. فما قاله آنذاك يرتد عليه كعصا مرتدة اليوم. إن رئيس الولايات المتحدة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. والقوة التي يسيطر عليها بيديه ضخمة، لكنها ليست غير محدودة. فهو مُحتاج الى دعم إن لم يكن من الامم المتحدة فمن حلفائه، وإن لم يكن من حلفائه فمن الكثرة في مجلسي النواب. وهو مُحتاج الى دعم لأن الرأي العام في امريكا مُنقسم، ولأن العملية العسكرية المتحدث عنها الآن لن تحل المشكلة، فهي في أفضل السيناريوهات ستردع وفي اسوئها ستُثبت أن الاسد يتجاوز الهجوم الامريكي ايضا. كانت نغمة خطبة اوباما قوية صارمة مهيمنة وزعامية. والكلام الذي قاله عن مسؤولية امريكا في الحفاظ على المعايير الدولية كان صحيحا، وشجع كل من يعتقد أن العالم بغير زعامة امريكا سيكون مكانا العيش فيه أخطر. لكن ليس من المؤكد أنهم في طهران ودمشق وموسكو فهموا الخطبة على هذا النحو. فمن الممكن جدا أن تكون الخطبة قد فُهمت في هذه العواصم على أنها إظهار ضعف وانطواء امريكي ورخصة بالقتل. أصبح الوقت الآن لاعبا في المعركة. فهو يستطيع أن يؤثر في النتائج بسبل مختلفة بأن يفتح الباب لتفاوض يُنهي الحرب الأهلية أو يفضي بالامريكيين على العكس الى استقرار الرأي على عملية عسكرية أنجح لا تعاقب فقط، بل تفضي الى نتائج ايضا. تشعر حكومات اسرائيل دائما بأن الزمن هو العدو: فهي تخشى من أنه اذا لم يعمل الجيش الاسرائيلي فورا فان الضربة التي وجهها العدو ستختفي من نشرات الاخبار وتُتهم اسرائيل بالتحرش؛ وهي تخشى من أنها اذا لم تُنه سريعا فسيضطرها العالم الى أن تقف في المنتصف. وليس هذان التهديدان موجودين في برنامج العمل الامريكي، فلو أنني كنت مستشار الاسد لما اقترحت عليه أن يسارع الى الاحتفال. إن قنوات التلفاز في اسرائيل مليئة في الاسبوع الاخير بخطب حماسية لمحللين يسارعون الى الزناد، لا الزناد الاسرائيلي بالطبع، بل زناد جهة اخرى ومخاطرة جهة اخرى. فالجميع يريدون أن يكونوا كلينت إيستوود؛ والجميع يريدون أن يكونوا رامبو وتشفارتسنيغر، حتى اولئك الذين أنهوا الخدمة في صفوف الجيش الاسرائيلي بصعوبة. فمن حسن الحظ أن الذين يحكمون في امريكا وفي اسرائيل الى الآن ساسة وليسوا صحافيين، فأصابع الصحافيين خفيفة جدا على الزناد.