الضربة الأمريكية لسورية الخط الأحمر الايراني وخيارات الرد

في سورية تتشابك الخطوط الحمر بشكل عجائبي ورهيب . الخط الأحمر الأمريكي الذي كسر بفعل فاعل مجهول حتى الآن، من خلال استخدام السلاح الكيماوي ومقتل أكثر من 1400 سوري، وما تبعه من حشد أمريكي عسكري لتوجيه ضربة مباشرة للنظام في سورية. مقابل ذلك وببراغماتية عالية تجاوز النظام الايراني الحديث عن الضربة الأمريكية لسورية وربط خطه الأحمر هناك بطبيعة وحدود وأهداف الضربة العسكرية. كل من زار ايران هذه الأيام، من مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية الأمريكي جيفري فيلتمان الى سلطان عمان قابوس بن سعيد، سمع كلاما ايرانيا واضحا بأن طهران لن تسمح باسقاط الرئيس الأسد واستبدال نظامه، على الطريقة الليبية، عبر ضربة عسكرية تقودها أمريكا وحلفاؤها في حلف الناتو، وأن القيادة الايرانية ستتعامل مع التطورات على الأرض ولن تطلق مواقف استباقية. هذا سمح لطهران بوضع مجموعة خيارات مفتوحة على طاولة المرشد الأعلى وقادة الحرس الثوري وصناع القرار السياسي. سياسا عبر المرشد آية الله علي خامنئي عن ذلك بقوله إنه ليس بمقدور أحد أن يتوقع إلى أين تتجه الأمور في سورية والمنطقة، بينما دعا الرئيس حسن روحاني دول العالم لانتظار تقرير مفتشي الأمم المتحدة والتحرك على ضوء ما يتوصلون له من نتائج في سورية، عسكريا لم يتجاوز قادة الحرس الثوري هذا المنطق، وهم يتوعدون الأمريكيين بفيتنام ثانية في سورية إن هي تجاوزت الخطوط الحمر.
ينطلق مثلث الخيارات الايرانية من أن الضربة الأمريكية ـ الغربية لسورية قادمة ولو تأخرت، ويعتمدون على خيارات متدرجة في الحدة، عبر رسم حدود الرد ضمن دائرة ردة الفعل التي ستفرضها ماهية وأهداف ضرب النظام السوري عسكريا:

اولا.. خيار الصمت العسكري
في حال صدق ما هو معلن بأن الضربة العسكرية ستكون موضعية وستستمر أياما معدودة، وستجري تحت سقف التنبيه والتحذير فقط، من دون أن تغير بشكل جذري المعادلة العسكرية القائمة بين النظام والمعارضة المسلحة، وبأن هدفها الأساس إضعاف النظام السوري وجره إلى طاولة المفاوضات، لفرض تسوية سياسية ما في سورية، هنا ستتبنى إيران ما يمكن تسمتيه بالصمت العسكري، أي عدم التحرك عسكريا والاكتفاء باطلاق مواقف سياسية حادة جدا، تقوم على التنديد والادانة والتحذير، فضلا عن الضغط على حلفائها في المنطقة بعدم توسيع دائرة النار والسماح للنظام السوري بتجاوز الضربة العسكرية وإعادة صياغة نفسه وخياراته، استعدادا لمرحلة ما بعد الضربة الأمريكية، التي ستدار بأدوات السياسة. هذا الخيار الايراني ينطلق من عاملين اثنين، الأول أن لدى النظام الايراني سياسة إقليمية ودولية جديدة بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، تقوم على تبني سياسات الانخراط في الدبلوماسية والحوار، والابتعاد عن التوتر ولغة التحدي التي سادت مرحلة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. أما العامل الثاني فيتلخص بان ايران اليوم تستعد لفتح صفحة جديدة في ما يخص التفاوض بشأن ملفها النووي مع دول 5+1 , هذه السياسة التي تعول عليها طهران كثيرا في الخروج من دائرة الحصار الغربي والعقوبات الدولية، التي أرهقت اقتصادها بشكل كبير ربما تنهار دفعة واحدة في حال أخطأ الايرانيون في حساباتهم تجاه ما يحدث في سورية.

ثانيا.. خيار المصالح الحيوية
والتدخل العسكري غير المباشر
هذا الخيار سيكون مطروحا في حال تجاوز الأمريكيون حدود أن تكون الضربة عقابية وسريعة وخاطفة وبأهداف محدودة . تجاوز هذا الحاجز بالنسبة للايرانيين يكون عبر خلق واقع عسكري جديد على الأرض، عبر استهداف الجيش السوري بشكل كبير وواسع بهدف شله كليا، فضلا عن تسليح مباشر للمعارضة السورية والسماح لها باطلاق عملية عسكرية شاملة لاسقاط النظام تحت مظلة أطلسية. هذا التوجه سيفرض على طهران تدخلا عسكريا بشكل غير مباشر في ما يجري بسورية تكون حدوده تحريك منظمات وأحزاب، كحزب الله اللبناني المنخرط عمليا في المعركة الدائرة في سورية، لاستهداف جزئي لاسرائيل، وربما ضرب بعض المصالح الحيوية الأمريكية والغربية في أكثر من مكان في المنطقة، فضلا عن حركة الجهاد الاسلامي في فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القادة العامة بقيادة أحمد جبريل، التي تتخذ من دمشق مقرا لها، والتي عززت علاقاتها كثيرا بطهران في الآونة الأخيرة. هذه الجهبة تبدو مستعدة لتنفيذ مهام انتحارية في حال سمحت لها الظروف بذلك وتوفرت لها الامكانيات المطلوبة. تحرك ايراني كهذا سيكون بهدف منع تحقيق مكاسب عسكرية كبيرة وسريعة للمعارضة السورية المسلحة، في الوقت الذي تقوم به أمريكا وحلفاؤها باضعاف نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

ثالثا.. خيار التدخل
العسكري المباشر
من الصعب رؤية هذا الخيار واقعا على الأرض، نظـــرا لتداخل الحسابات الايرانية إقليميا ودوليا بشكل معـــقد جدا، هذا فضلا عن أن أكثر من ثلاثة عقود هي عمر الجمهورية الاسلامية ونظام ولاية الفقيه في ايران لا تدعم هذا التوجه، فلطالما تجنب النظام الايراني الحالي الخيارات العسكرية المباشرة خارج حدوده، لكن ربما تغامر طهران بفعل كهذا في حال أعلنت امريكا والناتو من خلفها بأن الضربة العسكرية بدأت ولن تتوقف إلا بعد تنحي الرئيس الأسد، تمهيدا لاستبدال النظام كليا في سورية، حيث سيفهم الايرانيون ذلك بانه استهداف مباشر لمصالحهم الحيوية والاستراتيجية في محيط اسرائيل، وتجاوز متعمد لكل خطوطهم الحمراء في الشرق الأوسط. خيار كهذا سيكون بمثابة إعلان رسمي ببدء حرب مفتوحة تشمل المنطقة برمتها، وربما تتجاوزها لتبادل الضربات عبر خريطة العالم ومن دون وجود لأي من الخطوط الحمراء .

‘ كاتب فلسطيني متخصص
في الشؤون الايرانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية