النظر الى الوضع في المنطقة بمنظار ظاهر الحال يشير الى ان الضربة العسكرية الامريكية لسورية واقعة لا محالة.
النظر الى الوضع بمنظار الخبراء والمحللين الإستراتيجيين، ولا سيما الامريكيين منهم، يشير الى ان الضربة العسكرية الامريكية سواء كانت محدودة او جراحية غير مجدية، وان الخيار الافضل للولايات المتحدة هو استمرار حرب الاستنزاف القائمة من دون الانحياز المؤثر الى ايٍّ من طرفيها الرئيسين، النظام والمعارضة المسلحة، إلاّ من اجل الحؤول دون غلبة احدهما على الآخر.
مؤشرات مبكرة للضربة العسكرية المفترضة تجلّت في تصريحات لقادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وتركيا ومساعديهم، وكلها تتهم الحكومة السورية باستعمال قواتها اسلحة كيميائية في القتال، وتتحدث عن ضرورة اتفاق المجتمع الدولي على ‘رد مناسب’ على الهجوم الكيميائي المفترض.
الى ذلك، نشرت اجهزة الاعلام العالمية اخباراً وصوراً وتحقيقات حول تحركات قوات واساطيل واسراب طائرات لدول اعضاء في حلف ‘الناتو’، تشير الى خطوات جادة جرى اتخاذها ويمكن ترجمتها الى وقائع ميدانية خلال ايام او ساعات.
اكثر من ذلك، تحدّثت مصادر حضرت اجتماعاً بين مبعوثين غربيين و’الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية’ في اسطنبول عن ابلاغ القوى الغربية المعارضةَ السورية ان تتوقع توجيه ضربة لقوات النظام السوري في غضون ايام.
مصادر عسكرية واستخبارية في عواصم حلف ‘الناتو’ تحدثت عن اهداف محتملة للضربة المفترضة تركّزت، في معظمها، على مطارات ومقارّ قيادة ومخازن صواريخ. غير ان ما نُسب الى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون كان الاكثر وضوحاً ودقة بقوله، إن الضربة تهدف الى تعطــيل قدرة الحكومة السورية على استخــدام الاسلحة الكيميائية، من دون ان يعني ذلك بالضرورة ضرب مخازن هذه الاسلحة.
غير ان جدلاً واسعاً اثاره مبدأ التدخل العسكري، كما جدوى الضربات المفترضة. المحلل العسكري المرموق كريستوفر هارمر شكّك في حديث لمجلة ‘فورن بوليسي’ بجدوى الخطط الامريكية المتداولة. حذّر من ان تحركات تكتيكية في غياب اهداف استراتيجية تكون عادةً بلا فائدة. جزم بأن ‘عملية تأديبية هي الاكثر حماقة لأنه اذا بدأنا ضرب الاسلحة الكيميائية في سورية، سيكون الرد المنطقي ان يبدأ الاسد توزيع اية اسلحة باقية في المستودعات على قواته، إن لم يكن قد فعل ذلك اصلاً… وبذلك، نكون قد تأخرنا كثيراً على المعركة’.
المحلل العسكري المحنّك في مركز ‘الدراسات الدولية والإستراتيجية’ (واشنطن) انطوني كوردسمان شاطر هارمر التشكيك في جدوى الضربات الجراحية المفترضة بقوله، إنه ‘لا فرصة حقيقية في ان تتمكن الولايات المتحدة من تحديد مكان كل الممتلكات (الاسلحة) السورية وتدميرها، من دون حملة جوية مكثفة وبعض القوات البرية. وحتى اذا لم يكن الاسد قد لجأ الى تشتيت جزء كبير من اسلحته في الاشهر الاخيرة، لا تتمتع صواريخ كروز بتلك القدرة التدميرية’.
هل ستردّ سورية على الضربة المفترضة وكيف؟
من مراجعة تحليلات خبراء ومعلقين عسكريين، ارى ان مبدأ الرد وطبيعته ومداه يتوقف على حجم الضربة، وان للهدف المستهدف بالضربة دوراً كبيراً في حسم مبدأ الرد من عدمه.
يمكن تصنيف الاهداف السورية المراد ضربها ضمن ثلاث فئات:
الاولى، تضم مراكز القيادة والسيطرة، المركزية منها كما الفرعية.
الثانية، تضم مخازن الاسلحة الكيميائية وآليات ووسائل استعمالها.
الثالثة، القدرات والبنى التحتية الجوية من مطارات وطائرات ومخازن صواريخ.
اذا استهدفت الضربة المفترضة اهدافاً من الفئة الاولى، فالارجح ان تستوعب سورية الضربة من دون ان تجد نفسها مضطرة الى الرد خارج مسارح العمليات في الداخل. السبب؟ لأن لا اثر وازناً لمفاعيل الضربة على ميزان القوى العسكري. وقد حدث في الماضي ان استوعبت سورية مفاعيل ضربات لأهداف مماثلة.
اذا استهدفت الضربة اهدافاً من الفئة الثانية، فالارجح ان تردّ سورية لكون الضربة موجعة ومن شأنها تلويث البيئة وتعريض حياة السكان وصحتهم قرب المواقع المضروبة الى اخطار مميتة.
اذا استهدفت الضربة مواقع ومنشآت ومخازن اسلحة ضمن الفئة الثالثة، فالاكيد ان تردّ سورية لأن من شأن الضربة الإخلال بميزان القوى العسكري، ليس مع المعارضة المسلحة في الداخل فحسب، بل مع ‘اسرائيل’ ايضاً اذْ تؤدي الى تدمير قوة سورية الجوية وتعطيل قدرتها على استعمال المطارات لاستقبال شحنات الغذاء والدواء والاسلحة المرسلة إليها من حلفائها.
اين يُحتمل ان تردّ سورية؟
المنطق يقضي بأن يقوم الطرف المضروب بالرد على الطرف الضارب. لكن الطرف الضارب هو الولايات المتحدة البعيدة بموقعها الجغرافي واساطيلها البحرية وقواعدها العسكرية، وهي ليست تالياً في متناول القدرات العسكرية السورية، فضلاً عن عدم التكافؤ الفاقع في القدرات بين الطرفين. فهل يعني ذلك امتناع سورية عن الرد؟
ارى، في ضوء هذه الواقعات والمعطيات، ان سورية ستجد نفسها مضطرة الى الرد ليس على امربكا، بل على حليفتها ‘اسرائيل’. وكانت ‘اسرائيل’ ارسلت وفداً امنياً رفيعاً الى واشنطن ‘لمناقشة آخر التطورات في منطقة الشرق الاوسط، خصوصاً في سورية ومصر، بما في ذلك مسألة الضربة الامريكية المرتقبة لسورية وضرورة التنسيق بين الطرفين، واحاطة قيادتها علماً بتوقيت الضربة، بغية اتخاذ الاحتياطات اللازمة، كما اعطاء ‘اسرائيل’، حرية العمل في حال تعرضها لأي هجوم عسكري سوري’،
(راجع مقالة المحلل العسكري يوسي يهوشواع في صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ 27/8/2013 ) .
هل تستطيع سورية
الرد على امريكا في ‘اسرائيل’؟
موسكو تقول إنها تستطيع ، فقد نقلت وكالة ‘انتر فاكس’ عن مصدر عسكري روسي قوله إن اي تدخل غربي ‘لن يحقق نصراً سهلاً، لأن سورية تمتلك ما يصل الى 10 بطاريات من نظام بوك- ام2، اي صواريخ متوسطة المدى مصممة لاعتراض صواريخ ‘كروز’ والقنابل والطائرات من دون طيار’. هذا ما تستطيعه سورية بقواها الذاتية. لكن فعالية ردها ستزداد اذا ما شاركها حزب الله الدفاع عن نفسه وعنها في اي مواجهة ضد ‘اسرائيل’.
هل من جدوى للتدخل العسكري طالما انه ينطوي على كل هذه التعقيدات والمخاطر والحساسيات؟
المحلل العسكري في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن وصاحب كتاب ‘ الإستراتيجية: منطق الحرب والسلام’ ادوارد لتفاك نشر مقالة في صحيفة ‘ نيويورك تايمز’ اظهر فيها حججاً دامغة ضد التدخل العسكري، لكونه في غير مصلحة الولايات المتحدة. فهو يعتقد ان انتصار الاسد يعني استمرار نظام الاستبداد، وان انتصار المعارضة التي باتت خاضعة لتنظيم ‘القاعدة’ يعني اقامة حكومة إسلامية متطرفة معادية للولايات المتحدة ولـ’إسرائيل’، وان الخيار الافضل بالنسبة للولايات المتحدة هو المزيد من الشيء نفسه، اي استمرار الوضع الحالي، حيث يستنزف الطرفان نفسيهما و… البلد ايضا.
هل اصبح اوباما اكثر استعداداً للاستجابة الى منطق لتفاك وامثاله، بعد ان رفض مجلس العموم البريطاني دعوة كاميرون الى مشاركة الولايات المتحدة ضربتها المرتقبة لسورية؟
كلا. اوباما وعــد بأن تكون ضربته لسورية ‘عملاً محدوداً وضيّقاً’، ولكن ليس قبل الحصول على تفويض من الكونغرس.
أما سوريا والمقاومة فقد ثابرتا على الالتزام برد مفتوح…
‘ كاتب لبناني