سمير الحجاوي رسائل متعددة وجهها أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في افتتاح مؤتمر البترول العشرين الذي احتضنته الدوحة، حول النفط والغاز والعولمة ومسؤولية المنتجين والمستهلكين والتنمية والفقر والاستغلال والثورات في العالم العربي، فقد أشار صراحة إلى عدم حصول عدد كبير من البشر على الحدود الدنيا من خدمات الطاقة الأساسية في التدفئة والإنارة والطهي، مما دفع الأمير إلى القول إن ‘هذا الوضع يجعل الكثيرين من سكان الدول الفقيرة محاصرين في حلقة مفرغة من الفقر وتخلف التنمية’. ما ذهب إليه الأمير صحيح، وسبب ذلك هو تحكم الغرب وشركاته العابرة للقارات بهاتين السلعتين الأساسيتين والمهمتين، واستخدام النفط والغاز كسلاح في مواجهة الآخر، سواء لاستعمار الدول واحتلالها، أو التحكم بشرايين النفط والغاز والضغط على الدول الفقيرة والتأثير على قراراتها وإجبارها على تبني سياسات لا تخدم شعوبها.
خريطة استهلاك النفط تظهر أن العالم يستهلك يوميا حوالي 86 مليون برميل، تبتلع الولايات المتحدة حوالي ربعها (21 مليون برميل)، ثم يأتي الاتحاد الأوروبي الذي يستهلك نحو 14 مليون برميل، ثم الصين التي يزيد استهلاكها عن 8 ملايين برميل يوميا، وفي المحصلة فان الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين تستهلك معا نحو نصف الإنتاج العالمي من النفط، الأمر الذي جعل من النفط والغاز سلعة إستراتيجية ضمن سياق السياسة اليومية لهذه الدول، ويظهر ذلك بوضوح في السياسة الأمريكية المبنية على حماية حقول النفط والغاز، وحماية طرق الإمداد، إلى الدرجة التي شكلت معها الإدارة الأمريكية منذ مطلع الثمانينات ‘قوات للتدخل السريع’ لحماية منابع النفط وطرق الإمداد، واعتبرتها جزءا من أمنها القومي.
الغرب بشكل خاص، بشقيه عبر الأطلسي في الولايات المتحدة وأوروبا، تحكم بإنتاج وتصدير وتسعير النفط الغاز حسب مصالحه فقط دون النظر إلى احتياجات الشعوب الأخرى، حتى تلك المنتجة للنفط والغاز، ويكفي أن ننظر إلى نيجيريا التي يرزح شعبها تحت وطأة الفقر رغم أنها من كبار منتجي النفط في العالم، وكذلك دولة تشاد التي دخلت مؤخرا إلى نادي الدول المنتجة للنفط، وتنهب شركات النفط حوالي 80 في المائة من نفطها، الأمر الذي ترك الشعب التشادي تحت خط الفقر وبدون خدمات أساسية، والامثلة كثيرة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا واسيا.
لا شك ان ثالوث الشر المتمثل بـ’المصالح الاستعمارية والشركات العابرة للقارات والفساد المستشري في الدول المنتجة’ مكن حفنة من الدول الغربية من السيطرة على مصادر الطاقة بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء من خلال شركات النفط الكبرى التي كانت الأداة الأساسية للاستعمار في القرن الماضي، أو عبر الحكومات التي يمكن التحكم بها، او اللجوء للاطاحة بالحكومات التي تخرج عن السيطرة مثل الانقلاب على حكومة مصدق في إيران، ومحاولة الإطاحة بالرئيس الفنزويلي هوغو شافيز بسبب تأميمه لمصادر النفط في بلاده، والحد من نفوذ شركات النفط الغربية وإعادة توزيع الدخل المتأتي عن النفط لصالح الشعب.
بالطبع هناك سلاح آخر في يد الدول الكبرى، وهو فرض حظر على بيع النفط مثلما حدث مع عراق صدام حسين ويحدث حاليا مع إيران، وبالتالي خنق هذه الدول اقتصاديا لدفعها من اجل تغيير سياستها، أو الانتقال إلى الخطوة الأخرى وهو العمل العسكري ضدها بعد إنهاك البلاد المحاصرة اقتصاديا ومعيشيا.
الدول الغربية تتحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية عن الوضع البائس في عدد كبير من الدول التي ترزح تحت خط الفقر والجوع، فهي التي زرعت كل الشرور التي تدفع شعوب هذه الدول ثمنها، سواء من خلال الاستعمار المباشر، أو الشركات العملاقة واحتكار التكنولوجيا والمضاربات وقواعد التجارة الظالمة أو عبر تنصيب حكومات فاسدة دكتاتورية مستبدة، استمرت في تنفيذ سياسة الإفقار والتخريب، وأفضل مثال على ذلك ليبيا معمر القذافي، التي تركها العقيد قاعا صفصفا بدون بنية تحتية أو خدمية، رغم ثروات ليبيا الطائلة من النفط والغاز.
من هنا نفهم أمير قطر عندما قال ‘إن هذا الواقع يلقي على المستهلكين في الدول المتطورة وعلى مصدري الطاقة مسؤولية جماعية في دفع عجلة التنمية المستدامة في هذه الدول (الفقيرة). ولكن هذا لا يمكن أن يتم باتخاذ إجراءات أحادية تتعلق بتوفير الطاقة فقط، وإنما عن طريق دعم عملية التنمية الشاملة في هذه الدول وخاصة في التمويل والتعليم والصحة والتدريب وتطوير البنى التحتية’. وعلى الرغم أن الأمير جعل مسؤولية الحل بين ‘المستهلكين والمنتجين’ إلا أن الغرب الاستعماري يجب أن يتحمل وحده عبء حل مشاكل الدول التي استعمرها وأفقرها ونهب ثرواتها، فالغرب يستفيد من النفط أكثر من الدول المنتجة، فشركاته تتحكم بالأسعار وتجني الأرباح الطائلة، وحكوماته تفرض ضرائب تصل إلى 80 في المائة من السعر، وتحقق أرباحا فاحشة، مما جعل 20 في المائة من سكان العالم، في أوروبا وأمريكا وكندا واستراليا، يسيطرون على 80 في المائة من ثروات الأرض. مما دفع مليار إنسان تحت خط الجوع ‘ سدس العالم’، كنتيجة طبيعية لهذا الخلل في توزيع الثروة والتحكم بمصادر الطاقة في العالم.
يحتاج العالم إلى خارطة طريق جديدة لتوزيع الثروة، ووضع حد لتحكم الدول الغربية بأسعار النفط وتدفقه، وكبح السياسات الكيدية ضد الدول المنتجة والفقيرة، ووقف نهب ثروات الفقراء، وكما قال أمير قطر ‘من غير المعقول أن يطلب من الدول المصدرة العمل على سد الاحتياجات المستقبلية لهاتين السلعتين ‘النفط والغاز’ في حين تقوم الدول المستهلكة بنشاطات أحادية تزيد من المخاطر التي تتعرض الاستثمارات المطلوبة الضرورية لتلبية الطلب.
كلام الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تعبير صريح عن ضمير الفقراء والمقهورين والمعذبين في الأرض.. ينطق بألسنتهم المعقودة، وأصواتهم المخنوقة، ليوصل رسائل مليار إنسان من المحرومين والمحاصرين إلى أولئك الذين يبلعون الأرض وما عليها ولا يشبعون.. فهل يسمع الغرب وشركاته الشرهة الموجودة في الدوحة هذا النداء؟’ كاتب من الاردن