لقد أنسانا الانشغال المكثف بالمسألة الإيرانية، وفي الأشهر الأخيرة حول التصعيد المحتمل في القطاع حقيقة بسيطة وهي أن الجبهة الأكثر تعقيدًا التي يتعاطى معها الجيش الإسرائيلي هي يهودا والسامرة (الضفة).
فالاحتكاك الدائم بين مليوني فلسطيني ومئات آلاف الإسرائيليين والحاجة للدفاع عن مئات المستوطنات وآلاف الكيلومترات من المحاور وطرق الوصول السهلة إلى مركز البلاد ـ كل هذه هي أتون دائم للإرهاب، سواء كان منظمًا من منظمات تستخدم السلاح والعبوات الناسفة، أم يدور في عقل فرد ما ـ ما يسمى في اللغة المهنية «إرهاب الأفراد» ـ يستخدم وسيلة بسيطة كالسكين.
والسبب الذي يجعل عمليات كتلك التي نفذت أمس قرب المتجر في مفترق غوش عصيون لا تتم كل يوم هو الإحباط. فكل ليلة تجتاح قوات الجيش الإسرائيلي، وبشكل عام استنادًا إلى معلومات توفرها المخابرات الإسرائيلية، بيوت عشرات الشبان والشابات الفلسطينيين ممن توجد عنهم معلومات تشتبه فيهم بنية محتملة لتنفيذ عمليات. في السنة الماضية اعتقل نحو 4 آلاف شاب كهذا؛ ولدى كثيرين آخرين كان كافيًا تحذير أو حديث توبيخ لأهاليهم لتحقيق الأثر إياه، دون حاجة إلى الاعتقال.
العملية، أمس، مخيبة للآمال، ليس بسبب نتيجتها الفتاكة فقط، بل لأن خطوة واحدة فقط كانت بينها وبين إحباطها. فلم يكن لدى محافل الاستخبارات معلومات مسبقة عن المخرب. وبغياب أي توقيع إلكتروني من الصعب أن نعرف ما يدور في عقل الفرد. ولكن بالتوازي مع وصول المخرب إلى مفترق «غوش»، وصلت أمه بعصف إلى أحد الحواجز في المنطقة وبلغت عن أن ابنها يعتزم القيام بعملية. وقد نقل التقرير إلى كل القوات في المنطقة، ولكن هذا كان متأخرًا. وصول الأم للتقرير عن ابنها يدل على مزاج مثير للاهتمام لدى الجمهور الفلسطيني ـ خوف الكثيرين من آثار العمليات التي ينفذها أعزاؤهم. ليس هو الخوف الطبيعي على حياة الابن فحسب، بل الخوف من الهدم المحتمل لبيت العائلة وسحب تصاريح العمل أيضًا.
يتبين أن المخرب خرج في الصباح من بيته في قرية يطا وسافر إلى منطقة الخليل، وبعد تجوال طويل ودون أن يجد هدفًا، واصل نحو مفترق «غوش». ويحتمل أن يكون على خلفية التواجد الأمني المعزز نسبيًا في المفترق نفسه، فضل المخرب التقدم نحو المتجر والطعن هناك.
اوري فولد، الذي تصارع مع المخرب ببطولة، هو القتيل الثامن في سبع عمليات منذ بداية السنة. سبعة من القتلى كانوا في الضفة، واحد في البلدة القديمة في القدس. يمكن أن نتعرف من ذلك على القبضة الشديدة لقوات الأمن في مجال التماس وعلى الصعوبة النسبية التي يواجهها المخربون في الدخول إلى نطاق الخط الأخضر مقابل السهولة النسبية التي في الاحتكاك مع السكان اليهود في المناطق.
لما كانت النتيجة الفرعية المعروفة لمثل هذه العمليات هي المحاكاة، فمطلوب الآن من قوات الأمن جهود لإحباط متزايد ـ بالتأكيد في فترة الأعياد حيث تكون الطرقات ومراكز الاستجمام مليئة بالإسرائيليين. في كل سنة في يوم الغفران يفرض إغلاق كامل على المناطق حتى منتهى العيد، مما لا يقلل الخطر على السكان اليهود في المنطقة، بما في ذلك على خلفية الدعوة العلنية من منظمات الإرهاب وعلى رأسها حماس، لتشديد مساعي العمليات.
حتى الآن اصطدمت هذه الدعوات بعدم استجابة بارزة: يتبين أن الجمهور الفلسطيني يبدي اهتمامًا قليلاجدًا بشؤون كفاحه الوطني. أما الخوف من أن تؤدي الأحداث في غزة أو نقل السفارة الأمريكية إلى القدس إلى احتجاج واسع فقد تبين مغلوطًا. كما أن الخطوات الأمريكية الأخيرة لا تحمس الفلسطيني العادي الذي تقلقه مشاغله اليومية، وأساسها جلب الطعام إلى بيته.
إن المصلحة الإسرائيلية هي الإبقاء على أن يكون هذا هو الوضع في المستقبل أيضًا. أما الاقتراحات الشعبوية التي طرحت أمس، وتتمثل باتخاذ خطوات عقابية جماعية ضد الفلسطينيين في الضفة، فتتعارض صراحة مع هذه المصلحة.
يوآف ليمور
إسرائيل اليوم 17/9/2018