الضفة الغربية والحرب الإسرائيلية على غزة: البحث عن دور حقيقي وفاعل

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: تعيش الضفة الغربية غليانا حقيقيا، فعلى إيقاع التقتيل والتشريد وحجم الجريمة في قطاع غزة يطل السؤال المركزي برأسه لحظيا وهو: كيف يمكن أن تتحول الضفة الغربية إلى فعل إسناد لغزة النازفة؟ فالأعداد من الشهداء قاربت على الـ10 آلاف ولا أفق لانتهاء الحرب الوحشية قريبا.

هنا تحديدا، يدرك الاحتلال الإسرائيلي أهمية دور الضفة الغربية، وبالتالي يسعى إلى جعلها ضمن حالة من الهدوء النسبي بحيث تتيح له إبقاء الجزء الأكبر من قواته على الجبهة الجنوبية في ظل انشغال الجبهة الشمالية أيضا، وهو يفعل ذلك عبر ثنائية جزرة بقاء الوضع على حاله واستمرار تدفق أموال المقاصة (الضرائب) للسلطة الفلسطينية، وعبر الإمعان في جرائمه وعمليات اعتقاله اليومية.
وحسب الباحث في التحولات السياسية الدكتور إبراهيم ربايعة فإنه وإن كان الحدث المركزي في قطاع غزة لكن عين الاحتلال على «الضفة الغربية».
ويقول إن هناك مجموعة من المحددات في الفعل الإسرائيلي، فهو: «يستمر بالتطهير الإثني المفتوح في القطاع مع انكشاف المجتمع الدولي المنحازة مصلحياً لا أخلاقياً أولا، تعمل إسرائيل ثانيا على عملية برية غير مكلفة، ولذلك تسعى للإنهاك والاستنزاف والتطهير العرقي الناري، في محاولة إخلاء شمال القطاع من أهله وإلى الأبد. أما المحدد الثالث فيرتبط بأن العين الاحتلالية على الضفة الغربية، ففيها مراكز المقاومة في المخيمات وبعض المدن والبلدات، وكذلك تعمل على تطهير المناطق المسماة ج عرقيا، وفرض قواعد لعبة جديدة في المسجد الأقصى، واستكمال دولة المستوطنين».
ويرى ربايعة أنه منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فعّل الاحتلال أدوات التحكّم والسيطرة في الضفّة الغربية، في محاولةٍ لمنع أيّ إسنادٍ، وبناءٍ فلسطينيٍ على مقولة «وحدة الساحات» التي ظهرت في هبّة الكرامة 2021 وأربكت المنظومة الاستعمارية وقواعدها. وعليه، ووفق قوانين الطوارئ والحرب لدى الاحتلال، تعززت القبضة البوليسية في الداخل المحتل، وفي القدس بطريقةٍ غير مسبوقةٍ، لاحقت كلّ الأصوات التي حاولت التنديد بالعدوان على القطاع، وإظهار الإسناد للفلسطينيين في القطاع، في الشارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ما أفضى إلى اعتقال العشرات من الفلسطينيين في الداخل والقدس، على خلفية تضامنٍ؛ ولو بإعجابٍ لصفحةٍ، على المنصات الرقمية، لكن الأدوات في الضفّة المحتلة كانت أكثر عمقًا وتأثيرًا.
ويشدد ربايعة أن «الضفة الغربية تعيش في حالة الاشتباك المستمرة، وفيها مراكز للمقاومة وحالة نضالية متنامية وأصبح لها مراكز وعلى رأسها طولكرم وجنين وعقبة جبر ومخيمات نابلس وبعض المدن والبلدات مثل طوباس وجبع وغيرها، وهي حالة من المقاومة الدفاعية، فهي بإمكانيات أقل كثيرا بالمقارنة مع غزة، وهي تكوينات تحمل الفكرة أكثر من القدرة العسكرية الناجزة لكنها مجموعات ظهرت بعد سنوات من هندسة الهدوء بعد الانتفاضة الثانية».
ويجزم ربايعة أن مقاربة الاحتلال في التعاطي مع الضفة الغربية وقطاع غزة سقطت يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر ويشدد أن الاحتلال يواجه اليوم مقاومة تتوسع حيث نشهد مواجهات في مدن وبلدات فلسطينية غير مكتظة سكانيا. وهي ليست مقاومة ناجزة ولا تمتلك قدرات هجومية بل هي حالة دفاعية تدافع عن الفكرة.
ويضيف: أن الأهم أن الضفة الغربية تعيش مجموعة من التحولات في بنية المشروع الاستيطاني الذي أصبح أقرب إلى دولة، فمشروع الاستيطان لديه مؤسساته واليد المطلقة في الضفة، كما أن لديه الحضور في المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وله حضور مسلح يمتلك مئة ألف رخصة سلاح وهي مجازة للعمل بطريقة مفتوحة ومباشرة.
ويرى أن عين الاحتلال اليوم على النقاط الحصينة المسماة «ج» وعلى الحضور الفلسطيني في هذه المناطق، الخان الأحمر ومسافر يطا وتحديدا في ذروة الانشغال بما يجري في قطاع غزة.
ويشدد ربايعة أن الاحتلال عمل على شل الضفة الغربية وقسمها إلى معازل، «نتحدث اليوم عن 200 معزل» والسبب في ذلك أن «تجربة 2021 لم تكن سهلة بالنسبة للاحتلال، فالحالة الانتفاضية في فلسطين التاريخية لم تكن سهلة، والاحتلال لا يريد تكرار هذه التجربة».
ويرى ربايعة أن الاحتلال يريد اخراج الضفة من المعادلة عبر الإغلاق والعزل أولا، وعبر أداة الردع ثانيا وذلك يتم عبر حملات الاعتقال والتي تعتبر الأوسع، وحالة من استخدام القوة بشكل غير مسبوق، والإغلاق وإبقاء الفلسطينيين معزولين في مناطق سكنهم.

أوسع من غزة

أما عبد الرحيم الشيخ، أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت فيرى أن الحرب التي تشن اليوم على فلسطين والشعب الفلسطيني تستهدف شرعية الوجود وقوى الدفاع عن الوجود، ولا تستهدف شرعية التمثيل.
ويضيف: «كل من ينخرط اليوم في معركة الدفاع عن فلسطين والشعب الفلسطيني، فلسطينياً وعربياً وعالمياً، يدرك ذلك بوضوح لا يحتاج إلى دليل. بالتأكيد ليس في وسع الثقافة ولا الإعلام ولا القانون ولا الإغاثة، مؤسسات وأفراد، تزويد غزة بمضادات دفاع جوي لوقف الإبادة، ولكن في وسع الجميع تقصير أمد الحرب وتعزيز صمود غزة الجريحة والشعب الفلسطيني المستهدف في حدود فلسطين التاريخية. النقابات والحركات الطلابية والمؤسسات الحقوقية والإعلامية والثقافية والإغاثية وحركات المقاطعة تعيد تنظيم نفسها للعمل كما في حقبة انتفاضة 1987 ومن يرغب في الدفاع عن الوجود وشرعية الوجود فالنداء مفتوح والميدان مفتوح للجميع. دفاعاً عن الحق في الحياة والحرية: يجب الذي يجب».
وينتقد بدوره مجموعة من المقولات على جبهة الضفة الغربية من ضمنها مقولات «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» و«المسؤولية الوطنية» و«الخطاب الوحدوي» معتبرا أنها مقولات غير مقبولة إلا لمن هم جزء من المعركة، ويلتزمون بأخلاقياتها. أما لمن هم خارج المعركة، فهذه مقولات مريحة تمنحهم حصانة لا يستحقونها، ثمنها دماء غزة ودمارها إلى أن يأتي دورهم في نقد إرادة الحياة والمقاومة.
ويرى أن هناك حالة من «انكفاء مكونات الحركة الوطنية التقليدية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، والتزامها بخطاب السلطة الرسمي، هو كارثة أخرى خلال حرب الإبادة التي تشنها أعتى قوى الاستعمار العالمي على غزة. ومن دلائل ذلك صمت المشاركين من قيادات تلك الحركات في مسيرات الغضب التي قمعت بحضورهم مساء أمس في مدن الضفة، ومواصلة الصمت في اجتماع القيادة، ودماء المعمدان ورؤوسه المقطوعة لا تزال على الأرض».
أما عن حالة الإضراب الشامل، والتعليم عن بعد، والحداد العام التي تسود الفعل السياسي في الضفة الغربية فيرى الشيخ أنها إجازات سيئة التوقيت لمن يفترض أن يكونوا في الميدان، وهدايا مجانية للاحتلال وغيره لمنع التجمهر، وقتل مظاهر الاحتجاج، والتأكد من عدم تصاعد الانتفاضة في الضفة عبر التواجد الجماهيري في قلب المدن والقرى والمخيمات.
حشد الطاقات واستنفار الجماهير

بدوره، حمل بيان من نقابة أساتذة وموظفي جامعة بيرزيت بتاريخ 25 تشرين الأول/اكتوبر الماضي تصورا مبدئيا لدور الضفة الغربية. حيث جاء فيه أنه «ومن منطلق المسؤولية نتوجه إلى إخوتنا ورفاقنا في قيادة فصائل وأحزاب الحركة الوطنية الفلسطينية إلى اتخاذ موقف واضح في هذه اللحظة التاريخية المفصلية، وإلى حشد طاقاتهم الحزبية والحركية واستنفار قواعدهم الجماهيرية لنصرة غزة ضمن مجهود موحد. وندعو حركتنا الوطنية الفلسطينية إلى إعلان مواقف سياسية رسمية وواضحة حول الحرب التي تشن على أهلنا في غزة من شأنها تعزيز صمودهم وصمود مقاومتنا الوطنية، وقطع الطريق على دعاة الانقسام والعدو في الاستفراد بغزة ومقاومتها وأهلها». ودعا البيان المهم كافة أبناء الشعب الفلسطيني إلى: استنفار القواعد الجماهيرية للمشاركة في الفعاليات الاحتجاجية في مراكز المخيمات والقرى والمدن والشتات، وعلى خطوط التماس مع العدو، وتشكيل لجان الحماية الشعبية لمواجهة تغول المستوطنين على أبناء الشعب الفلسطيني. وطالب بتفعيل دور المؤسسات الأهلية، كل بحسب تخصصه، ودعمها بالمتطوعين، ووضع خطط طوارئ تتناسب مع حالة الحرب المعلنة على الشعب في غزة وكل فلسطين، وخاصة الدوائر والمؤسسات والوسائل الإعلامية، ومقاطعة المؤسسات الأجنبية المتواطئة مع العدو الصهيوني، وكذلك بالعمل على توسيع نطاق مقاطعة البضائع الإسرائيلية، على طريق تجريم الإتجار بها أو تداولها أو استهلاكها، ومقاطعة المطاعم والشركات والخدمات التي أعلنت دعمها لجيش الاحتلال الصهيوني.
وشدد على استثمار جموع الطلبة في المدارس والمعاهد والجامعات في حملات الإغاثة لجمع ما يلزم لإغاثة الأهل في غزة حين يكون ذلك ممكناً، واستقبال العمال والأهل من غزة في مدن الضفة الغربية ومخيماتها وقراها، وتفعيل حملات العونة والفزعة للوقوف إلى جانب مزارعينا في موسم قطاف الزيتون.
ودعا البيان إلى إطلاق حملات التبرع بالدم، وتهيئة المرافق الصحية لحالة الطوارئ التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وتوحيد الجهود في مجالات الدعم النفسي والصحة المجتمعية حيثما كان التواصل ممكناً مع غزة. وختم بضرورة القيام بكل ما من شأنه الشد من عضد الشعب الفلسطيني في غزة، وأهالي الشهداء والأسرى في مدننا المحتلة في الضفة الغربية، والقدس، وفلسطين المحتلة 1948.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية