الضفة بعد الجولان… خريطة القوى والمصالح باسم «القانون الدولي»!

حجم الخط
0

بعد نشر قرار ترامب الاعتراف بسيادة إسرائيل في الجولان، سارع محللو اليسار وخبراء القانون إلى الإشارة، وكما هو معروف، إلى أن القانون الدولي لا يعترف بسيادة اكتسبت بقوة الاحتلال العسكري.
معروف لمن بالضبط؟ وما هو ذاك «القانون الدولي» الذي بموجبه هذا معروف؟ وكيف لم تقدم إسرائيل إلى المحاكمة وفقاً لذاك «القانون» حين ضمت شرقي القدس في 1967؟ وهل ترامب مجرم حسب القانون الدولي؟ هذا منوط من يَسأل ومن يُسأل.
إن جناية السرقة تعرف في المادة 383 في أمر الأضرار، بأنها جزء من سجل قوانين دولة إسرائيل. من يريد أن يعرف ما يرد في قوانين حمورابي عن السرقة سيجدها محفورة في خزانة تتخذ اسمه في متحف اللوفر في باريس (مسروقة، بالطبع…). والشريعة اليهودية مجمعة في كتاب «طاولة جاهزة». كتب القانون الروماني اليوستياني ومدونة نابليون موجودة في كل مكتب أكاديمية تحترم نفسها. ولكن حاولوا أن تجدوا في المكتبة سجل قوانين «القانون الدولي» وإذا بكم تصطدمون بطريق مسدود.
هذا الطريق مسدود بآلاف الكتب، عشرات آلاف المقالات، ملايين الكلمات التي كتبت عنه أو استندت إليه، ولكن كتاب قوانين واحد كهذا، متفق عليه حقاً من أمم العالم وله مفعول ملزم ـ غير موجود.
يتناول الخبراء في القانون الدولي مبادئ معينة ترد في ميثاق الأمم المتحدة كمدماك في القانون الدولي، ولكن تكاد كل الدول في العالم تخرق ما ورد فيه. فإذا كان لها ما يكفي من القوة (العسكرية، الاقتصادية، السياسية) فقد فعلت كما تشاء. وإذا كانت ضعيفة ـ فقد فشلت، وفي أحيان ما عوقبت أيضاً. ولكن لا جمرك على الكلمات. بوتين احتل شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في 2014. لروسيا فيتو في مجلس الأمن في الأمم المتحدة، ويمكن للعالم أن يقفز لها. الرئيس السوري الأسد ارتكب جرائم حرب فظيعة ضد مواطنيه. روسيا والصين منعتا في مجلس الأمن كل شجب العقوبات، ولهذا فلا يوجد أي معنى لـ «القانون الدولي»، لأن المسألة العملية الوحيدة هي إذا كان لديك القوة أم لا.
المبادئ التي ترد في ميثاق الأمم المتحدة لا تزال العنصر الرسمي الراسخ نسبياً لـ «القانون الدولي». عناصر أخرى فيه هي الاتفاقات الدولية (بشكل عام تلك التي أملاها الطرف القوي أو المنتصر)، «الأعراف» (!)، «مبادئ القانون العامة» المشتركة لكل الدول، وقرارات المحاكم في الدول أو المحاكم الدولية، و«الكتابات المنمقة ومذاهب عظماء الكُتّاب والمفكرين السياسيين». هذا، بيني وبينكم، غامض بعض الشيء. إذ من يقرر إذا كان سيتبنى مبادئ مونتسكيو أو مفاهيم ميكافيلي؟ ومن يقرر أي «أعراف» تصبح قانوناً دولياً؟
كل الحدود في أوروبا، وفي واقع الأمر في العالم كله، هي نتيجة الحروب. فقد أملى المنتصرون معاهدات استسلام على المهزومين وهؤلاء وقعوا على «موافقتهم» على التنازل عن أجزاء من دولهم. في لحظة تاريخية ما، بعد الحرب العالمية الثانية طلب 51 عضواً في الأمم المتحدة تثبيت الوضع الجغرافي ـ السياسي وتقديسه. ولكن العالم واصل التغير. كل من يدعي باسم «القانون الدولي» يدعي باسم مبدأ نظري، ويدعي تمثيل مبادئ كونية من العدل وحقوق الإنسان والشعوب ـ ولكن المزدوجين فقط الذين لا صلاح لهم يتجاهلون أن هذه القوانين لا تطبق عملياً إلا وفقاً لخريطة القوى والمصالح.
إذن «كما هو معروف» حسب «القانون الدولي»، إسرائيل لا يمكنها أن تكتسب السيادة على هضبة الجولان دون موافقة سوريا. من جهة أخرى ـ لو كنا احتللنا كل سوريا وكفت عن أن توجد كدولة ـ فإن «الاحتلال» كان سيعترف به كسيادة. عبث؟ صحيح. ولكن الأسرة الدولية تعترف بمبدأ أن المعتدي الذي فقد في الحرب لا يمكنه أن يعود ليطالب بها. ألمانيا بدأت الحرب العالمية الثانية، هزمت، وهي لا يمكنها أن تعود لتطالب بالأراضي التي فقدتها في الحرب. «القانون الدولي» يحتوي في داخله مبادئ متناقضة. كل أولئك اليساريين الذين يخافون اليوم من أن يشكل الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل في هضبة الجولان سابقة أيضاً ليهودا والسامرة، محقون. وهم يخشون لأنهم هم أيضاً يعرفون بأن ما يقرر في العالم ليس «القانون الدولي» بل المصالح والقوة. إسرائيل يمكنها أن تلغي اتفاقات أوسلو (بحجة أن الفلسطينيين خرقوها حين أعلنوا الاستقلال)، وأن يضموا الأرض بقوة الحق وخبراء القانون الدولي سيكتبون مئة كتاب آخر إلى أن يتثبت الوضع بحق القوة.

آري الداد
معاريف 2/4/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية