الضابط الكبير من قيادة المنطقة الوسطى الذي تحدث مع صحافيين صباح أمس بدا أكثر قلقاً من العادة. قوات الأمن سجلت في ليلة الأربعاء ـ الخميس نجاحين في ملاحقة منفذي عمليات في الضفة الغربية في الأشهر الأخيرة. ولكن الضابط بذل جهداً كبيراً في أن يشرح لسامعيه حساسية الوضع على الأرض. الأشخاص الذين يعرفون هذا الضابط المتميز منذ سنوات كثيرة في السابق حتى أثناء توليه قيادة كتيبة متميزة مرت بأحداث كثيرة في الانتفاضة الثانية، لم يكن من الصعب ملاحظة نغمة القلق في صوته. في نهاية المحادثة، وبدون أن يتم قول الأمور بشكل صريح، كان يمكن فهم ملخص ما يريد قوله: الضفة موجودة على شفا موجة عنف أخرى.
القدرة على إنهاء هذا التوجه في الأيام القادمة قبل أن ينتشر، ترتبط بالأساس بأداء القوات على الأرض ـ بالصورة التي ستنتهي فيها الأحداث القادمة، والتي فيها نجاح آخر للإرهاب، من شأنها أن تؤدي في أعقابه إلى موجة من محاولات التقليد.
النتيجة بالتأكيد في أحداث إطلاق النار الكثيرة، هي في أحيان كثيرة أمر يتعلق بسرعة الرد وبالقليل من الحظ. هناك قائد لواء في الضفة اعتاد القول لجنوده: «اعطوني 15 ثانية جيدة، ونحن سنتولى الباقي». بكلمات أخرى، تشويش العملية أو على الأقل الإصابة الفورية للمهاجم، ترتبط بيقظة الجنود الأوائل في مكان الحدث.
سبب القلق تبين بعد أقل من ساعتين: فلسطيني مسلح أطلق النار على الجنود والمواطنين في محطة قرب البؤرة الاستيطانية جفعات اساف شرق رام الله. جنديان من كتيبة «نتسح يهودا» (الناحل الحريدي) قتلا. جندي آخر ومواطنة إسرائيلية أصيبا إصابة بالغة ومطلق النار هرب.
هذا يظهر كرد فلسطيني مباشر على الأحداث السابقة: في مساء يوم الأربعاء قتل رجال الوحدة الخاصة في شمال رام الله أحد نشطاء حماس، المتهم بعملية إطلاق النار في بداية الأسبوع في المحطة قرب عوفرا، التي قتل فيها رضيع وأصيب ستة مواطنين إسرائيليين آخرين. كما اعتُقل عدد آخر من المتورطين في العملية. بعد بضع ساعات قتلت قوة أخرى من الوحدة الخاصة في مخيم عسكر للاجئين في نابلس المخرب الذي قتل مواطنين في عملية في المنطقة الصناعية برقان في بداية تشرين الأول الماضي.
الشخصان اللذان قتلا في عمليات الوحدة الخاصة كانا مسلحين. في الحادثتين كان هناك تقدير أنهما ينويان تنفيذ عمليات أخرى قريباً. من أجل اعتقالهما تم إرسال رجال الوحدة الأكثر خبرة في عمليات من هذا النوع. مع ذلك، يمكن الافتراض أنهم في القيادة السياسية والأمنية لن يذرفوا الدموع فقط لأن ما بدأ كعملية اعتقال انتهى بقتل المخربين.
بعد بضع ساعات من ذلك حدثت عملية إطلاق نار أخرى في محطة للجنود. الحدث يشبه جداً في صفاته الحدث الذي جرى يوم الأحد قرب عوفرا. إلى جانب احتمال أن الأمر يتعلق بأنتقام على قتل ناشط حماس، هناك أهمية أيضاً للتوقيت، وهو عشية يوم تشكيل المنظمة الذي يصادف اليوم. في الجيش الإسرائيلي قرروا ظهر أمس تعزيز القوات في الضفة للمرة الثانية هذا الأسبوع. الفكرة هي أن القوات الأخرى ستستخدم كنوع من الغطاء على الأرض من أجل منع انتشار النار. في نفس الوقت، الجيش الإسرائيلي فرض حصاراً على رام الله. الحساسية حول المدينة عالية، بسبب أنها عاصمة السلطة والمكان الذي تتركز فيه معظم أجهزة الأمن الفلسطينية.
في الأسابيع الأخيرة سُجل ارتفاع في عدد أحداث إطلاق النار في شوارع الضفة. بالمتوسط يتم في الأشهر الأخيرة في الضفة بين 4 ـ 8 عمليات إطلاق نار، وطعن ودهس. على الأقل في جزء من الحالات يبدو أن هذه العمليات تعكس زيادة لظاهرة من الصعب على قوات الأمن مواجهتها. الجيش والشباك تعلما في سنوات الانتفاضة الثانية التعامل جيداً مع البنى التحتية للإرهاب المنظم نسبياً لمنظمات مثل حماس أو الجهاد الإسلامي. كان ذلك التسلسل غير المحدود للاعتقالات الذي خلق على الأرض حالة سميت بـ «ماكينة قص العشب»، ضرباً منهجياً للبنى التحتية، الذي منعهم من التطور وإعادة جمع المعرفة. في خريف 2015 ضربت الضفة وشرق القدس ظاهرة أخرى، بحجم غير مسبوق: موجة عمليات للأفراد. ومئات الشباب والفتيات الذين عملوا على عاتقهم بدون شبكة تنظيمية خلفهم، وذهبوا لتنفيذ عمليات وهم يحملون السكاكين أو مقود سيارة العائلة. أمام هذا الأسلوب أيضاً عرفت إسرائيل بالتدريج كيف تتعامل ـ المراقبة الكثيفة للشبكات الاجتماعية الفلسطينية، إلى جانب محادثات تحذيرية فعالة أجرتها أجهزة الأمن في السلطة، تمنع جزءاً كبيراً من المخربين المحتملين من تنفيذ عمليات.
الظاهرة الأخرى هي نوع من الهجين للصفتين الأخيرتين. وهي خلايا محلية على الأغلب بدون انتماء أيديولوجي معلن، تتنظم على قاعدة المعرفة الشخصية أو العائلية. خلايا كهذه مسؤولة عن جزء من العمليات الأخيرة. هناك حالات فيها محيط المخرب يتجند بعد العملية من أجل توفير ملجأ له مثلما حدث مع القاتل من برقان.
تسلسل هرمي مختصر
ولكن الخطر الأساسي حول ما يحدث في الضفة في هذه الأيام يتعلق بسلوك حماس. إعلان نشره الشاباك في نهاية الشهر الماضي عن اعتقال أحد سكان الخليل، الذي تدرب ليصبح «مهندساً» للعبوات الناسفة، حظي فقط باهتمام قليل في إسرائيل. الجديد في هذا الكشف يتعلق بالطريقة التي تم فيها تشغيل المهندس. في السنوات الأخيرة تم إحباط مئات محاولات قيادة حماس في القطاع والخارج للقيام بعمليات في إسرائيل والضفة بواسطة خلايا من الضفة. التسلسل الهرمي في هذه الحالات كان واضحاً: صلاح العاروري، من رجال الذراع العسكري الذي يوزع اليوم وقته بين لبنان وتركيا، قاد العمليات، حيث عمل أسفل منه جسمان آخران، قيادة الضفة ومنطقة الضفة. جزء من النشاطات استند إلى مخربين من الضفة الذين طردوا إلى القطاع في إطار صفقة شاليط. حماس لم تتنازل عن جهودها ولكن تبين أنها غيرت الأسلوب. المهندس الذي اعتقل، أوس الرجوب، تم تشغيله بصورة مباشرة من القطاع، بدون صلة مع العاروري والمطرودين من صفقة شاليط. يبدو أن حماس تريد بذلك تقصير التسلسل الهرمي القيادي وتحسين النتائج العملية له. هذه الجهود هامة بالنسبة لها من أجل مواصلتها بموازاة محاولات الوصول إلى وقف إطلاق نار طويل المدى مع إسرائيل في القطاع، غزة في جانب والضفة في جانب آخر.
مقاربة حماس بقيت على حالها، وتجديد العمليات الدموية من الضفة، سيصعب على إسرائيل وسيضر بالتنسيق الأمني بينها وبين الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وسيهز استقرار سيطرة محمود عباس، وبالتأكيد سيضر في المستقبل بالانتقال المنظم للسلطة إلى وريثه. في القطاع، حسب تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، فإن حماس تخشى من نشوب حرب. مبدئياً فإن استمرار تدفق الوقود والرواتب إلى القطاع بتمويل من قطر كان يمكنه أن يساعد على الحفاظ على الهدوء النسبي. ولكن الآن تطرح احتمالات أن التصعيد في الضفة يمكن أن ينعكس أيضاً على ما يحدث في القطاع.
على كل الأحوال، المنظمة لن تتوصل إلى اتفاق طويل المدى بدون أن يتم فيه ضمان الإنجازات التي حددتها لنفسها كهدف: تخفيف كبير في الحصار على القطاع، وتحسين واضح لوضع البنى التحتية المدنية هناك، وإلى جانب ذلك الحفاظ على قوتها العسكرية. حماس لا ترى في صفقة بشأن الأسرى والمفقودين كجزء ضروري في العملية. حسب رأيها، هذه مسألة منفصلة يجب البحث فيها بصورة منفصلة عن المحادثات بشأن وقف إطلاق النار طويل المدى.
دعاية 2014
عملية «درع الشمال» لاكتشاف الأنفاق التي حفرها حزب الله تحت الحدود اللبنانية دخلت أسبوعها الثاني. حتى الآن أعلن الجيش عن اكتشاف ثلاثة أنفاق والحفريات تستمر في عدة مواقع أخرى على الحدود. الأعمال الهندسية يتوقع أن تستمر أكثر من شهر، وبعدها أيضاً سنحتاج كما يبدو إلى تغييرات في انتشار القوات حول الجدار.
بنيامين نتنياهو، باعتباره رئيس حكومة ووزير دفاع، وصل للمرة الثانية في زيارة لمنطقة العمل. نتنياهو أطلق هناك تهديدات لحزب الله («هو لا يستطيع أن يتخيل كيف يمكننا أن نضربه»)، ولكن يبدو أن هذه الجولة وجهت أيضاً لأغراض داخلية.
رئيس الحكومة يستعد للانتخابات، واللقاءات المستمرة مع الضباط والجنود تعطيه هالة وديكوراً مفضلين في طريقه إلى صناديق الاقتراع.
بانتظار طلب الإيرانيين من حزب الله ثمن الحساب الكبير
في المقال الذي نشره في الأسبوع الماضي العقيد احتياط بيسح ملوفني، ضابط كبير سابق في «أمان» (الاستخبارات العسكرية) في موقع «إسرائيل ديفنس»، ذكر فيلم دعاية قصير نشره حزب الله في 2014. المنظمة تعهدت في حينه بـ «تحرير البعنة، ودير الأسد، ومجد الكروم»، وهي ثلاث قرى عربية في الجليل، وعرض خطة لهجوم يرتكز على عدد لا يقل عن 5 آلاف مقاتل. حسب الفيلم القصير، الوحدات ستتحرك في أربعة محاور، من نهاريا في الغرب وحتى بسغاف عام في الشرق، مع قوة خامسة كقوة احتياط وبتغطية رشقات ثقيلة من الصواريخ التي سيطلقها حزب الله نحو الجليل.
في إسرائيل اعتبروا هذه الأقوال في حينه حرباً نفسية فقط. أيضاً الآن يصعب تخيل كيف ينجح حزب الله في نقل هذا الحجم من القوات، جزء منها تحت الأرض في أنفاق ضيقة وقصيرة نسبياً، بدون أن يتم اكتشافها. ولكن حجم القوات الذي ذكر يشبه جداً العدد المقدر لمقاتلي «الرضوان»، الجهاز الهجومي لحزب الله. عندما نضم إلى الصورة الأنفاق التي تم اكتشافها مؤخراً يمكننا أن نفهم أكثر الطريقة التي يفكر بها حزب الله عن الحرب القادمة.
خطوات حزب الله تندمج مع الخطط الإيرانية. التدخل العسكري الإيراني في سوريا، الذي شمل أيضاً قوافل السلاح المهرب لحزب الله في لبنان، انخفض في الأشهر الأخيرة بسبب الضغط الذي تستخدمه روسيا.
لقد مارست موسكو بالمقابل أيضاً ضغطاً على إسرائيل، منذ حادثة إسقاط الطائرة الروسية في شهر أيلول الماضي، من أجل أن تقلص إسرائيل هجماتها الجوية في سوريا. هذا الأسبوع وافق الروس على استقبال وفد عسكري من إسرائيل أخيراً، برئاسة رئيس قسم العمليات في هيئة الأركان، الجنرال اهارون حليوه، ولكن في الجيش الإسرائيلي يحذرون من القول بأنه بهذا انتهت الأزمة.
إزاء صعوبة العمل في سوريا، فإن إيران تزيد جهودها في الدولتين المجاورتين. في غرب العراق هي تنشر صواريخ بعيدة المدى يمكنها أن تصل أيضاً إلى أراضي إسرائيل. في لبنان تسعى إلى إنشاء مصانع للتدقيق التي هدفها تحسين مستوى دقة الصواريخ القديمة الموجودة لدى حزب الله. هذا النشاط يتم في ظل وجود خلاف داخلي في النظام الإيراني حول جدول الأولويات لديهم، حيث توجد في الخلفية عقوبات متزايدة من جانب الولايات المتحدة واحتجاج الجمهور الإيراني مع تفاقم الوضع الاقتصادي.
في هيئة قيادة الأركان اهتموا بالتوضيح منذ الكشف عن الأنفاق أنه رغم الانشغال الإعلامي الواسع بمشروع التدقيق، يبدو أن حزب الله يملك الآن فقط بضع عشرات من الصواريخ ذات مستوى دقة عال (التي بوسعها أن تسقط على بعد يقل عن 50 متر بالمتوسط عن الهدف المحدد لها).
الإيرانيون لم يحققوا بعد قدرة «صناعية» على التحول السريع للصواريخ الدقيقة في لبنان. أيضاً تهريب السلاح عبر رحلات جوية من إيران إلى بيروت يتم بحجم ضئيل، أقل بكثير مما حاولوا نقله عبر قوافل السلاح على الأراضي السورية.
سنة 2018 شكلت نجاحاً استراتيجياً كبيراً للمحور الذي أيد نظام الأسد ـ سيطرة على معظم الأراضي السورية وإعادة الاستقرار للنظام. ولكن الإيرانيين تعرضوا أيضاً لحالات فشل: إبطاء جهود تمركزهم العسكري في سوريا، على خلفية الهجمات الإسرائيلية في شهر نيسان ـ أيار هذا العام واكتشاف مخطط الأنفاق لحزب الله. هذا لا يعني أن قاسم سليماني، قائد قوة القدس في حرس الثورة، سيلقي سلاحه في العام 2019. إسرائيل يجب أن تفترض أن إيران ستحاول العمل ضدها في جبهة أخرى، في هذه الأثناء يبدو أن ذلك سيحدث في لبنان، بالأساس حول مصانع التدقيق. إذا فكرت طهران في المستقبل أن لديها سبباً للقيام بعمل بصورة هجومية ضد إسرائيل بسبب الجهود الأمريكية ضد المشروع النووي والصاروخي لها أو لأسباب أخرى ـ يصعب التصديق أنها ستوفر لحزب الله إعفاء من المشاركة، مثلما فعلت في مواجهات مع إسرائيل في سوريا هذه السنة، على ضوء المليارات التي استثمرتها إيران في لبنان، سيأتي يوم يطلب فيه الإيرانيون من رئيس حزب الله، حسن نصر الله، أن يقدم لهم عوائد أكثر على أموالهم.
مصدر كبير في جهاز الأمن قدر مؤخراً في لقاء مع نظرائه الأوروربيين أنه «سيكون من الصعب الحفاظ على الهدوء في لبنان لسنة أخرى. نحن سنحاول تحييد الأنفاق وإخراجها من المعادلة، لكن مشروع «التدقيق» بقي مشكلة بالنسبة لنا». وأشار المصدر إلى أن «إيران تحاول وضع صواريخ في العراق وفي سوريا، إضافة إلى الصواريخ التي زودتها لحزب الله في لبنان وللمنظمات الفلسطينية في غزة. بالنسبة لنا هذا كبير جداً: يجب على الإيرانيين أن يخرجوا كلياً من سوريا، لا يكفي إبعادهم 60 ـ 80 كم عن الحدود مع إسرائيل».
عاموس هرئيل
هآرتس 14/12/2018