يحيي القيسي
نَهْجْ عبدالله قَشْلا تقل يا رَجل إنك لا تعرفه..! أخبرني الطيّب بن محمود مندهشا ذات مساء، كان رفيقي في الحانات أحياناً، وزميلي غالباً في مقهي الجامعة، وقاعات المحاضرات، ثم أعاد مشدداً:
ـ نهْج سيدي عبدالله.. كِيفاش.. مَنيش مْصَدْقك، معظم الطلبة المحرومين أدّوا الواجب هناك..! كنت قد سمعت بهذا الاسم من قبل، وبدا لي غائماً، إذ كنت أربط كلمة سيدي بمقام وليٍّ أو فارسٍ نبيلٍ، ولستُ أذكر كيف انبثق ذهن الطيّب عن هذا السؤال، كنا نجلس في بار مخصص للكتاب أو أصدقائهم، وكان الطيّب واحداً منهم، أعني من أصدقائهم، إذ كان يتلمسُ طريقه في ذلك العالم المتشابك للكتابة علي صفحات جريدة الصباح، وعرفتُ أيضاً أنّه يقرض الشعر، وكنا قد بلغنا معاً درجة ًعاليةً من الدوخان، بفعل النبيذ المرافق لسيل من النميمة غير المنعشة والثرثرة، والتقلّب في الموضوعات حتي وصلنا إلي النساء، ولأكن دقيقاً وأعترف بأنّنا لم نغادرهذا الموضوع الأثير أصلاً إلا لماما، بدا لي لازمةً لكلّ مجالس الرجال، وأحسست بتشويق الطيّب لي للتعرف علي العوالم السرية للذائذ المحرمة في المدينة العتيقة أمراً ملحاً، وراح يتبرّع بالشرح المُسْهب عن تاريخ الجنس عند العرب، وكيف أنّ دور الدعارة قد انقرضت في معظم البلاد العربية بعد منتصف القرن العشرين، ولكنّها ما تزال قائمةً ومرخصةً هنا، وهذا أمرٌ يعكس مقدار الانفتاح عندنا والعقل المستنير… ثم إنّ كتاب الشيخ النفزاوي ـ الروض العاطر ـ يباع هنا علي الأرصفة، وقد سمعت بأنه ممنوع في كل البلاد العربية المتخلّفة، ولم أميّز حينئذ إن كان الطيّب يتهكّم أم يدافع بحماسه، فقد كان مرّة يرفع صوته، ومرة يهمس لي همساً، ثم فجأة طرأ علي باله أن يقرأ لي قصيدة من ديوانه المحلوم به مدارات العاشق المطعون، وكانت كافية لأن تُدير لي رأسي تماما، ولكنّا لم نفترق تلك الليلة حتي اتفقنا علي موعدٍ لأن يصطحبني إلي هناك.
لوْ أتزوّج شاميّةخيرٌ لي، وأنا أتلمّس تطبيق مثلكم إللي بتزوج شامية بعيش عيشة هنية، وأضاف الشاعرُ المطعون حانقاً:
تعرف أنّ النساء لدينا أخذن حقوقهن الكاملة، وربما حقوقنا أيضا، وما عادوش يحشمو وبالحق ما نحبّش نتزوج راجل، والقوانين تمنع علينا الزواج بأكثر من واحدة، بعكس الشريعة، ثم أنت تدري بأنّني لستُ متديناً، ولا أهتم إلا بتطبيق هذه النقطة منه علي الأقل، وفاءً لأجدادنا ولا كيفاش أنا حر يا أخي، ثم إن الشاميات كما سمعت طريات، فاتنات يحترمن الزوج، ويخدمنه دون تذمر، تنجّم تقول عناية كاملة، وزادت طبّاخات ماهرات، أحيانا أذهب لبيت أصدقائي الفلسطينيين أو السوريين الذين يقيمون بيننا، يا أخي القرع بالأرز واللحمة المفرومة، شيء لذيذ، تسمّونه الكوسا محشي، وورق العنب، والملفوف، والبابا غنوج، والحمص بالطحينة، والمقلوبة… شي بنين ياسر، أفضل لبنانية طبعا، أتعرف لماذا؟
تصيبني الرعشة اللذيذة للهجتهن التي تفوح منها الرغبات تسلملي حبيب ألبي.. لك وينك يا حلو يا مهضوم… يا لحفيدات عليسة المغناجات..! قادني الطيُّب إليهأدخلني أولاً في نهج زرْقون الذي يبدو مثل مدخل سري للمدينة العتيقة، وقد ازدحم بالباعة الذين يفرشون بضاعتهم علي دكّات خشبية، وينادون علي المشترين، وبدت الملابسُ والأدوات الكهربائية والعطور وأدوات الزينة، المستوردة أو المهربة، محشورةً في الحوانيت من كل نوع ٍوشكل، وقد اختلطت بالأصوات المنطلقة من الكاسيتات للشيخ العفريت، ولنبيهة كراولي ولطفي بوشناق، ومغنيّي الراب الجزائريين، وإغواءات الباعة الملحاحة للمشترين أو المتفرجين. فجأةً ينقطع هذا السيل الجارف من الباعة وأصواتهم وبضاعتهم، و ينفتح زقاق شبه مظلم تحت أقواسٍ بُنيت فوقها البيوت المتلاصقة، وقد تفرّع بي الطيّب إلي أزقةٍ مظلمةٍ، لا تكاد تتسع لأكثر من عابرين معا، شعرت بالرطوبة تنزّ من الجدران التي تكاد تهصرُ الأجساد العابرة بينها، وأوصاني بأن أكون عاديا وأكتم اندهاشي حتي لا ينتبه لارتباكي بعض حثالة الرجال المتجولين هناك من الباندية والمهمشين ومقتنصي النشل، ويعرفون أنني غريب عن البلاد، وربما أكون صيداً سهلا لعبثهم رغم أن المكان مراقب جيدا من رجال الأمن السريين، كان سيلُ من المارّة يجيئون ويذهبون بتقطعٍ واضحٍ، حتي وصلنا نهج سيدي عبدالله قش، وقد انفرج إلي صفين من البيوت الطينية الواطئة المداخل، امتلأت أبوابها بالمتفرجين والباحثين عن المتع العابرة، بدا لي المكان قديماً ومستهلكا في بنائه، وفيما يحتويه من نساء مجرّبات، قد أكل الزمن وتقلب الرجال عليهن ما تبقي لهن من جمال أو قدرة علي الإثارة، شعرت بالغثيان، ولا سيما أن الروائح العطنة كانت تملأ الجو، خلطة ٌ من رائحة السجائر، وأنفاسِ الرجال المتلاحقة، والعرق الراشح منهم، والعطور الرخيصة المرشوشة علي أجساد النسوة، والدهونات التي تحاول أن تصلح ما أفسده الدهر..! بدا لي همس الطيّب الماكر بأن أختار واحدة من صاحبات الغرف التي تنفتح علي غرف أخري قد غطيت بستائر حمراء، ويقف علي بابها القواد الذي يأخذ الفلوس من الراغبين أمراً يزيد من رغبتي بالقيء، كانت بعض الغرف مطلوبةً أكثر من غيرها بمن فيها من غانياتٍ بدوْن أصغر قليلاً من غيرهن، ورأيت صفا من الرجال المتحفزين للدخول بفحولة ضاغطة ينتظرون دورهم، قلت له إنني رغبت فقط في التعرّف علي هذا المكان وربما لمرةٍ واحدةٍ فقط، وإنني أشعر حقاً بالقرف، وأشفقُ علي أولئك النساء اللواتي قادتهن الظروف البائسة إلي مثل هذه المهنة التي تسحق إنسانيتهن، وأردفْتُ نساءٌ معطوبات الأرواح والأجساد، لم يكن الوضع مناسباً لأي نقاش، واكتفي الطيب بأن هز رأسه ساخرا مشيرا إلي ّلأحتفظ بتنظيراتي الطوباوية، وقال هذا وكر الرغبات المشروخة للمحرومين، وهؤلاء نسوة يمارسن أقدم مهنة في التاريخ.. وأضاف مفصلا ولقد زاره كبار الأدباء العرب والصحفيين ممن يأتون إلي تونس، بعضهم جئت به أنا وآخرون أتوا مع غيري فلا تقلق، وشعرت وأنا أتابع التنقل من بابٍ إلي آخر ورؤية ما فيه من أجساد مبذولة للدافعين خمسة دنانير أو أكثر بمن يربت علي كتفي، وانتبهت فإذا خلفي أربعةٌ من الطلبة الذين أعرفهم، كانوا من أبناء بلدي، وما يجاورها، وكنت قد تعرفت عليهم من قبل، وتزاورنا مراراً، ودهشت لأنّهم من طلبة الزيتونة، وقد صار لهم سنتان أو يزيد في الجامعة. ألجمت المفاجأة ألسنتنا كلنا، فقد لاحَ لي أنّهم استهجنوا وجودي هنا، مثلما فعلت أنا، كنتُ أكبرهم سناً، وأسبقهم إلي الدراسات العليا، وشعرتُ بأنّهم أيضاً في ورطة. ولكنّي تجاوزت وإيّاهم الموقف المُحرج بكثيرٍ من التلعثم والتبريرات المفتعلة، وساهم الطيّب، الذي عرّفته عليهم في السؤال عن الطالب الكفيف الذي يقودونه معهم وإثارة جوّ من الودّ والتخلص من الحرج إش بيك سي نورمال *.. مش قلتلك من الأول.. وعرفت منهم أنهم يأتون مرّة كل شهر علي الأقل هنا، وأنهم أحيانا يختارون امرأة ليتناوبوا عليها، وقد رغب عبد الرحمن أن يكون معهم، أو ربما أغروه بالمجيء، قال لي أحدهم همساً بأنّهم أشفقوا عليه، من كثرة ما كان يحدّثهم عن النساء، كان المشهدُ سرياليا، إذ يتواطأ ثلاثة شباب ممن قادهم حظهم أو ترتيب بعثاتهم الدراسية العشوائي إلي جامعة الزيتونة للقيام بدور الوسيط بين إحدي النساء المنتهكات تماما وعبد الذي لا يري بغير حواسه والذي بدا منكسر الخاطر، قُدّر لي أن أشهد فيما بعد، تلك الحوارات المقتضبة بين من يقود ه، وتلك المومس البائسة الملامح، قال لها بأنّ صديقه سيدخل أولاً إليها وأنه سيوصله إلي السرير ويتركه معها، قالت إنها لا تفعلها مع أعمي، أشار إليها بأنه سيدفع لها المبلغ مضاعفا، وأنّ الأمر لا يتعلق بعينيه، المهم أنه راجل، وحرك جذعه بطريقة مبتذلة.
ردت بعنف إش بيك يا طحّان ما تفهمش.. قلْتلك ما نرقدْش معاه.. ..! وأشارت إليهم أن يخرجوا، قالوا إن هذه العاهرة غريبة الأطوار، وذهبوا ليجرّبوا حظهم مع غيرها، بدا علي عبد الرحمن الغضب المخلوط بالإحراج، لكن رفاقه قادوه إلي مهجعٍ آخر سرعان ما غطس فيه بعض الوقت، فيما تناوب الآخرون علي غرف أخري ضمّت نساء لم تستطع الأصباغ الرخيصة، والابتسامات المتصنعة أن تخفي خلفها أخاديد غائرة في الأجساد والنفوس، وقلت للطيّب ونحن نغادر المكان: يبدو أن الطَحّان كلمة كبيرةً عندكم، فأومأ بالإيجاب شارحاً لي معناها: قوّاد أو من يرضي الفاحشة بأهله.
قلت: تصوّر أنه لا دلالات سيئة لهذه الكلمة عندنا، بل تعني من يطحن القمح..! قال ضاحكاً في واحدة من تجلياته: أعرف ولكنّنا نتجنب ذكر هذه الكلمة، ونستخدم بدائل لها مثل الرحّاي، أو رحي القمح بدل كلمة الطحن أمّا الطحين فنسميه الفلينة، بالمناسبة سمعت أن كلمة عكروت لديها دلالات سيئة عندكم أيضا، تصوّر أن لدينا قرية تسمي العكاريت… ! الكلماتُ بيضاءُ يا صديقي ومحايدة و لا ذنب لها، ونحن نلوّثها بنوايانا الفاسدة.
كاتب وصحافي من الاردن وهذا مقطع من رواية تصدر قريبا في بيروت وعمان