«الطائفة الرحبانية» تتصدى لمنتقدي فيروز… وسينما النظام السوري في غرفة العمليات الحربية

حجم الخط
3

يبدو منتقدو فيروز أرحم عليها من بعض المدافعين عنها؛ كيف ستتلقى السيدة في عليائها صورتها عبر كلمات أرادت أن تحامي عنها، فرسمتها على هيئة «عجوز تجاوزت الثمانين من العمر، تعيش في عزلة اختيارية، شعارها «وش عليّا أنا من الناس وش على الناس مني»!
هل ستسعد مغنية لبنان «السفينة والشاطئ والمنارة»، حسب أنسي الحاج، بالوصف المحزن بعد أكثر من نصف قرن من المدائح المستعارة من صور الملائكة والنور والجداول!
هذا فيما منتقدوها رأوا فيها على الدوام ممثلة المدرسة الرحبانية العابرة للأجيال والأقطار والثقافات، مفسّرين الأثر الهائل لكل نأمة تصدر عنها، مهتمّين، ومهمومين بكل تفصيل. ولأنها كذلك كان من البديهي أن يهتم الناس لفيديو صدر عنها أخيراً، ظهرت فيه تقرأ صلوات من «سفر المزامير»: «يا رب لماذا تقف بعيداً، لماذا تختفي في أزمنة الضيق، لكلماتي اصغ يا رب، تأمّل صراخي، استمع لصوت دعائي يا ملكي وإلهي، لأني إليك أصلي. أوجّه صلاتي نحوك وأنتظر».

منتقدو فيروز أرحم عليها من بعض المدافعين عنها؛ كيف ستتلقى السيدة في عليائها صورتها عبر كلمات أرادت أن تحامي عنها، فرسمتها على هيئة عجوز تجاوزت الثمانين من العمر، تعيش في عزلة اختيارية

الفيديو أثار ردود فعل بعضها غاضب وساخر، ومن أبرزها فيديو للإعلامي اللبناني رامي الأمين (إنتاج موقع «درج») انتقد ريما رحباني، التي تحتكر الإشراف على العديد من أعمال فيروز في السنوات الأخيرة. كما شبّه فيروز بميشيل عون وابنتها بجبران باسيل، مستعيداً انتقادات تاريخية للرحابنة تلك التي تتهمهم بالعيش في عالم خاص (جبال الصوان والضيعة الرحبانية) بعيداً عن العوالم التي يعيشها معظم اللبنانيين.
يشير الأمين إلى تجربة زياد مع فيروز، حيث عاد و«أحياها داخل المدينة، وأنزلها من مقامها الإلهي إلى مقام أرضي بطريقة أو بأخرى»، قبل أن تعيدها ريما إلى «المكانة الإلهية المقدسة. وصارت فيروز لا تظهر إلا في المصائب والأزمات. ريما إذاً هي من يتحكم، من يقرر كيف نغني، وكيف نتعامل مع فيروز، بأي طريقة بنشوف فيروز، هي من يحدد القواعد ويضع فيروز في الزاوية الأيقونية، التي لا تمسّ، هي من يحجر على فيروز، المحجورة عملياً قبل كورونا بكثير، من قبل ريما أو بقرار شخصي».
الأمين كان قد توقّع غضبة من أسماهم «طائفة الفيروزيين» «مثل أي طائفة ثانية بمجرد مسّ المقدّس الرحباني»، وهذا ما حدث بالفعل إثر الفيديو الانتقادي، كما في ضوء العديد من الانتقادات. وهذا ما حدث دائماً إزاء أي مسّ بالرحابنة مهما صغر، ولربما من الأدق الحديث عن «طائفة الرحبانيين»، إذ إن هؤلاء غالباً ما يثورون بالحمية ذاتها للدفاع عن زياد رحباني. لكن ماذا لو أن زياد نفسه انتقد أداء ريما، وأداء فيروز وأعمالها في ظل قبضة ريما، هل في إمكان مريدي الطائفة الرحبانية أن يغضبوا بالقدر نفسه؟ وكل ذلك قد حدث بالفعل، وزياد انتقد الرحابنة وفيروز إلى حدّ التهكم والقطيعة.

فيروز ليست مجرد «عجوز تعيش سنواتها الأخيرة وحيدة، تصلي لله، تدندن وحدها، كي تمضي الأيام أنقى وألطف على جسدها المتعب المنهك»، وفيديو الصلوات ليس مجرد «مقطع صغير نشرته ابنتها، بمحبة لأمها»، والناس لم يعودوا أولئك المتلقّين الجاهزين لقول «نعم» لكل ما يأتي من فوق.

قلّة هم من تجرأوا على قراءة التجربة الرحبانية بعمق وقسوة، لكن ليست القسوة المجانية، بل تشريح موقع الرحابنة وفيروز من لبنان وشعوب وقضايا الشرق المنكوب، أي تأثير وفي أي سياق، لأن التجربة تركت أثرها العميق الباقي طويلاً.
فيروز إذاً ليست مجرد «عجوز تعيش سنواتها الأخيرة وحيدة، تصلي لله، تدندن وحدها، كي تمضي الأيام أنقى وألطف على جسدها المتعب المنهك»، وفيديو الصلوات ليس مجرد «مقطع صغير نشرته ابنتها، بمحبة لأمها»، والناس لم يعودوا أولئك المتلقّين الجاهزين لقول «نعم» لكل ما يأتي من فوق.

لقطة من فيلم "الاعتراف"

لقطة من فيلم “الاعتراف”

غرفة عمليات سينمائية

يصعب أن ينسى المرء تلك العبارة الافتتاحية اللامعة لمقالة الكاتب الراحل جوزيف سماحة في قراءة فيلم سينمائي: «فيلم ستيفن سبيلبرغ «لائحة شندلر» سيئ. أولاً، لأنه جيد الصنعة. وثانياً لأن شهرة صاحبه تضفي عليه هالة خاصة. وثالثاً لأنه يقدم رؤية محرّفة ومغلوطة لمحرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية. ورابعاً لأنه يقيم صلة غائية بين هذه المذبحة وقيام دولة إسرائيل».
«لائحة شندلر» سيئ. لأنه جيد الصنعة. ذلك لأنه في قلب تلك الصنعة الجيدة، تختبئ، حسب الكاتب، كارثة التزوير والحقيقة الناقصة، ولا شك أن جودة الصنعة السينمائية ستجعل الفيلم مشاهداً ومؤثراً على نحو واسع، عدا عن أنها ستمنحه مصداقية ليس من السهل دحضها.

لا مناص من مشاهدة أفلام النظام السوري، ففي ذلك فرصة التعرّف على عناصر روايته، كيف يتوجّه إلى الناس، وكيف يقدم مظلوميته الجديدة. من المهم التعرّف على عقلية غرفة العمليات الحربية، التي تنجز هذه الأفلام على مبعدة من موقع التصوير، بإغفال اسم كاتب السيناريو الشريك.

تذكرت عبارة سماحة لدى مشاهدة أفلام أنتجتها مؤسسة سينما النظام في سوريا في السنوات الأخيرة، وقد أتيحت أخيراً بـ «فضل» الوباء سيئ الذكر. من بين تلك الأفلام «أمينة» من إخراج أيمن زيدان، و«درب السما» من إخراج جود سعيد (وبطولة أيمن زيدان)، «الاعتراف» من إخراج باسل الخطيب، «عزف منفرد» لعبداللطيف عبدالحميد، «ما ورد» لأحمد إبراهيم الأحمد. تذكرتها، ولكن على نحو معاكس، إذ لا خشية على الحقيقة من أفلام رديئة الصنعة. أكيد هنالك مخرج أكثر مهارة من آخر، ولكن من استطاع أن ينجو بفيلمه من ممثل بائس نصف موهوب وقع في مهب استعراض الصورة، ومن نجا من فخ الاستعراض وقع في مطب كوميديا سمجة مكررة، ثم من قال إن حكاية الفيلم ليست عنصراً من عناصر الصنعة السينمائية، وإن مصداقيتها وأحكامها سيؤثران حتماً في قبول الفيلم!
نقول لأنفسنا أحياناً، وسلفاً، إنها أفلام النظام، وما الذي ستقوله غير رواية النظام، التي نحفظها جميعاً عن ظهر قلب!
لكن لا بد من مشاهدتها، ففي ذلك على الأقل فرصة التعرّف على عناصر الرواية، كيف يتوجه النظام إلى الناس، وكيف يقدم مظلوميته الجديدة.
من المهم التعرّف على عقلية غرفة العمليات، التي تنجز هذه الأفلام على مبعدة من موقع التصوير، بإغفال اسم كاتب السيناريو الشريك.

 كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية