ليس هناك مجتمع بشري يخلو من اختلافات سياسية او عرقية او ايديولوجية او دينية او مذهبية. ولكن المجتمعات استطاعت، باستخدام العقل والحوار وغريزة حب البقاء، التعايش عبر التاريخ في ظل توافقات بين مكونات المجتمع المتعددة.
ومقولة التعددية او التنوع تستبطن الاختلاف الذي هو ظاهرة طبيعية نتيجة امتلاك الانسان عقلا يمنحه القدرة على الاختيار وفق املاءات العقل او ربما بدوافع النفس. ويستحيل تخيل مجتمع خال من التمايزات والاختلافات المذكورة، ولكن عقلية التطور تحولها الى ظاهرة ايجابية تضفي مزيدا من الجمال والكمال على التجارب الانسانية. اما عقلية التخلف فمن ميزاتها الاقصاء ورفض الآخر وبناء الجدران والخنادق العازلة. ويضيق الفكر والعقل والنفس بالاختلاف، فيتم النظر اليه وكأنه مرض يجب اقتلاعه ولو اقتضى الامر استخدام العنف وتحريف قيم الدين والانسانية لاباحة القتل على الهوية. وعندما اثيرت المسألة العرقية في رواندا قبل عشرين عاما كانت نتيجتها حصد ارواح ما بين نصف مليون ومليون انسان. واثير التباين الديني في البوسنة والهرسك في الفترة ما بين 1992-1995، واستهدف المسلمون بشكل وحشي، فكانت النتيجة قتل عشرات الآلاف منهم.
وحتى بريطانيا ذات التاريخ الديمقراطي العريق لم تسلم من آفة الاختلافات ذات الجذور الدينية التي استمرت عقودا بسبب الوجود البريطاني في ايرلندا الشمالية. وهنا تبرز التمايزات داخل اتباع الدين المسيحي بين البروتستانت والكاثوليك. ويستخدم الدين وسيلة لاثارة حماس الاتباع لخوض الحروب السياسية والعسكرية. وفي الاوضاع العادية يتعايش المواطنون في البلدان المحكومة بالقانون والمؤسسة على الشراكة السياسية والحرية المتاحة للمواطنين، بدون ان يكون للاختلافات الدينية او المذهبية دور في اثارة الصراع. فاذا كان حكم القانون المتفق عليه بين المواطنين قائما، فان دعوات التمرد على الواقع السياسي او استخدام العنف للاخلال بالتوازنات لا تحظى بنصيب من النجاح. فالقانون الذي تحميه امكانات الدولة المادية والامنية والعسكرية يستطيع بسط الامن ومنع الانفلات الاجتماعي او اثارة النعرات من أي منطلق. وتوفر تجربة الهند درسا للعاملين من اجل التغيير. فقد كان المهاتما غاندي حريصا على وحدة الهندوس والمسلمين لمواجهة الاحتلال البريطاني. وكان من بين رفاقه محمد علي جناح، مؤسس باكستان لاحقا. وحين انفجر العنف الطائفي بين الهندوس والمسلمين اضرب غاندي عن الطعام احتجاجا، فهو يعلم ان الطائفية لا تنسجم مع المشروع التغييري. وحين قامت دولة باكستان، تعالت على الانتماءات الطائفية، فكان مؤسسها محمد علي جناح، شيعيا، ولكن الوعي السياسي لدى الباكستانيين حال دون محاولات اشعال الفتن.
في العامين الاخيرين تصاعدت حدة الطائفية في العالم الاسلامي، خصوصا في البلدان العربية. وما يزال دعاة الاصلاح والوحدة يعملون بحماس لاحتواء الظاهرة، ولكن يلاحظ ان الاهتمام هنا يوجه لمحاولات التقريب بين رموز المذاهب، وهذا يستبطن افتراضا بان الأزمة الطائفية ‘دينية’ في جوهرها، وبالتالي فان التعاطي مع اسبابها او رموزها الدينية سيساهم في احتوائها. ولكن الواقع يؤكد ان المشكلة ليست في الاختلاف الديني، بل في تطويع البعد الديني ليخدم اهدافا سياسية لجهات غير ظاهرة في اغلب الاحيان. ويتحول الدين الى وسيلة لتسهيل مهمة جهات قد لا تؤمن عمليا بالدين او المذهب. وهنا تتضاعف المشكلة لان الخطأ في التشخيص يؤدي الى تقديم العلاج الخاطىء. وبقراءة المشكلة الطائفية التي تعصف ببلدان اسلامية وعربية عديدة، يمكن الزعم بانها تحولت الى سلاح ولم تعد ظاهرة. فهي تتخذ اشكالا شتى من الصراع، وتختلف اطرافها من بلد لآخر، وتتباين حدتها كذلك. والاطراف المدفوعة للمشاركة فيها تتخلى عنها حين تعيش في ظل انظمة أخرى. فكافة المكونات المدفوعة للمشاركة في الازمة في تلك البلدان يتكرر وجودها في العواصم الغربية، ولكنها لا تتورط في العنف الطائفي، لانها جميعا محكومة بقانون يساوي بينهم ولا يسمح لطرف بالتعدي على آخر، وان الجميع يتساوون امام القانون، وان يد القانون تطال الجميع وليس هناك من هو بمنأى عنه. ولكن ما ان تعود هذه المكونات الى الوطن الام حتى تنخرط ضمن التقسيمات الطائفية او الدينية، ليس لان الفرد مقتنع بذلك، بل لان ثمة آلة حرب فاعلة تعمل عملها سرا وعلنا لتكريس الانقسام وفق خطوط التمايز الديني او المذهبي. انها ازمة اخلاقية خطيرة، لان الانحراف عن خط التعايش السلمي في المجتمعات يمثل ظاهرة خطيرة لا تنسجم مع روح الاديان او المذاهب او الثقافات الانسانية. وانما تتصاعد وتتعمق بفعل اطراف مستفيدة من التوتر والاحتقان. ولذلك فالطائفية مثلا ليست ظاهرة، بمعنى انها لا تنطلق اساسا من الفقهاء والعلماء الكبار المنفصلين عن النظم السياسية الحاكمة، وليست ممارسة يومية بين اتباع الاديان او المذاهب. وبالتالي يقول اصحاب هذا الزعم بانها اصبحت ‘سلاحا’ يخدم اهدافا سياسية قد تكون احيانا، استراتيجية لدى مروجيها.
فلماذا الطائفية وما تجليات تحولها الى سلاح؟ ولماذا يستخدم هذا السلاح؟ ثمة نقاط لا بد من تسجيلها هنا: اولها ان المجتمع المستقر والمتماسك والمتحرر من الاستبداد يتطلع للتطور والنمو، ولا يجد مجالا للألاعيب السياسية او المذهبية. ثانيها: ان الجهل والخرافة والتعصب والتطرف من سمات المجتمعات التي يعيش اهلها حالة احتقان سياسي بسبب ظروف الحياة المادية والسياسية. ثالثها: ان تصاعد النزعة للتحرر من انظمة الاستبداد يستفيد من تماسك الشعوب لاستهداف الحكام الديكتاتوريين، وبالتالي فتفتيت ذلك المجتمع من الداخل يمنعه من التطلع للحرية والقضاء على الاستبداد. رابعها: ان صعود التوتر والاحتقان الطائفي يحدث في حالات محددة، بينما يختفي في حالات اخرى. وكثيرا ما تكون هذه الحالات مرتبطة بمحاولات التغيير السياسي والاصلاح. خامسها: ان الشعوب العربية والاسلامية قادرة على التعايش مع بعضها ضمن الاطر الموروثة على مستويات الدين والثقافة والعنصر، وليس هناك جديد في هذه الملفات يستدعي الاستنفار الطائفي الذي تعيشه الامة هذه الايام. سادسها: ان الانتماء الطائفي مناقض لمشروع ‘الاسلام السياسي’ الذي يروج مقولات من نوع ‘الاسلام هو الحل’ او ‘استقلال الشعوب الاسلامية’ او ‘حق تقرير المصير’ او ‘تحرير فلسطين’.
وبالتالي فهو يخدم اجندات جهات عديدة في مقدمتها انظمة الاستبداد العربية، خصوصا تلك التي تسعى للتطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي. هذه الملاحظات قد لا تفسر ما يجري هذه الايام في العديد من الدول العربية، ولكنها مؤشر لمنحنيات سياسية لا تخرج عن هذا الافق. وقد جاء الانقلاب العسكري في مصر ثمرة مباشرة لمحاولات كسر شوكة ‘الاسلام السياسي’ وخطوة مهمة على طريق وقف قطار التغيير الذي مهدت له الثورات العربية. واليوم تتوجه الانظار الى تونس لاسقاط نظام الاسلاميين فيها لاكمال مشروع الانقضاض على التغيير الثوري الذي وضع امتنا على طريق النهضة والحرية والتحرر. وحين يقدم شاب لا يتجاوز الثالثة والعشرين من العمر على تفجير نفسه امام فندق ‘رياض بالم’ بالعاصمة التونسية فما هدفه من ذلك؟ وما هدف الانتحاريين الخمسة الذين القت السلطات التونسية القبض عليهم؟ انها خطوة تهدف لتحويل تونس الى بلد فاشل واثارة العصبيات الطائفية بهدف واضح: منع النموذج التونسي من التحول الى مثال للتغيير المؤدي للاستقرار. وقبل عام ونصف فجر انتحاري نفسه امام معبد يهودي، ضمن السياسة نفسها. ولا شك ان اسقاط حكم النهضة في تونس مطلب لدى اعداء التغيير خصوصا بعد ان اسقطت التجربة المصرية.
اما العراق الذي يعتبر نقطة التحول في توازن الرعب الذي خلقته تنظيمات ‘القاعدة’ مع الامريكيين، فقد تحول الى ساحة لفحص مدى نجاح مشروع الفتنة الطائفية ومن ثم تحويله الى مصدر لتلك الفتنة للبلدان المجاورة. وبتفجر الوضع السوري وتمركز مجموعات مسلحة عديدة في شمال غربي العراق، اكتملت الاستعدادات لتوفير قاعدة ثابتة للطائفية في المنطقة. فهناك تصريحات تفيد بعزم القاعدة تأسيس امارة العراق والشام الاسلامية’ في احدى المناطق النائية بالقرب من الحدود السورية. الطائفية هنا تستخدم كسلاح ضد المناوئين، فهي لم تكن ظاهرة في العراق او سوريا قبل التصعيد السياسي الاخير، وما يزال السكان في البلدين يبحثون عن وضع آمن بعيد عن الاحتقانات الطائفية او السياسية. الطائفية هنا سلاح يهدف لاشغال نظام الحكم في العراق بنفسه، واظهاره كتجربة فاشلة، وتكتيم افواه دعاة التغيير في المنطقة. وحين توجه المجموعات السلفية المسلحة في اليمن لاستهداف الحوثيين في منطقة صعدة فان ذلك محاولة من قوى الثورة المضادة لافتعال ازمة في بلد قادر على التحول التدريجي نحو الديمقراطية برغم احتواء ثورته وفرض حلول جزئية بديلا عن اقامة نظام ديمقراطي حقيقي. انه قتال يهدف لابقاء اليمن في وضع مضطرب لاشغاله عن الاشعاع في منطقة طالما غابت عنها شمس الحرية وأشعة المستقبل المشرق. فالطائفية هنا سلاح ضد ذلك، ولو ترك الناس وشأنهم بعيدا عن الانتماءات المذهبية، لما انجرفوا نحو اتون حروب طاحنة لا تخدم أي هدف نبيل. وقد استخدمت الطائفية كسلاح ضد التغيير في البحرين بشكل واضح. فقد اعلنت الحكومة البحرينية في الاسبوع الاول بعد اندلاع الثورة في فبراير 2011 بان ‘البلاد تواجه تصعيدا طائفيا’ دفعها للتدخل العسكري لفض اعتصام دوار اللؤلؤة. واصرت المعارضة على عدم وجود ازمة طائفية في البلاد طوال اكثر من ثلاثين شهرا تخللها التدخل العسكري السعودي الذي ما زال هناك. ولكن عندما دعا الرئيس اوباما امام الجلسة العمومية للامم المتحدة مؤخرا لحل النزاعات الطائفية في العراق وسوريا والبحرين هرعت الحكومة البحرينية للتشديد على عدم وجود ازمة طائفية. فالطائفية استخدمت لتبرير القمع واستدعاء القوات العسكرية السعودية، بينما يعرف الجميع ان شعب البحرين تعايش منذ قرون مع نفسه ورفض الانجرار للطائفية مهما كانت المبررات.
في الشهر الماضي استهدفت مجموعة سلفية مسلحة تسمي نفسها ‘جيش العدل’ حرس الحدود الايرانية وقتلت 17 عنصرا منهم. فلماذا هذا الاختراق؟ ولماذا تتواصل اعمال العنف والقتل المسلحة بهذا النمط، بينما يتم غض الطرف عما يجري في الاراضي المحتلة من تهويد للقدس الشرقية وتصعيد وتيرة بناء المستوطنات والاعلان عن فشل المفاوضات بين الطرفين؟ لا يمكن فصل استفزاز ايران باستهداف حدودها وقتل العشرات منهم عن الصراع الاقليمي على النفوذ.
وطالبت باكستان بحماية حدودها وعدم السماح للعصابات باختراقها. كما لا يمكن فصل هذه العملية عن محاولات تقسيم ايران الى اقاليم متناحرة يمكن احتواؤها بسهولة، ولذلك اصبح على القيادات الايرانية استيعاب اهداف هذه العمليات وعدم التراخي في حماية حدودها. ان محاولا ت جر ايران الى حروب اقليمية لن يحقق اهداف قوى التطرف التي اصبحت سلاحا بايدي الجهات التي تسعى بشكل متواصل لتفتيت الامة وكسر وحدتها. وكانت مصر في ظل حكم الاخوان مهددة بالتمزيق والاضطراب المفتعلين لاضعاف سلطتهم والاطاحة بهم، وقام السلفيون بادوار ثلاثة: اولها دعم الاخوان والتحالف معهم في البرلمان و الحكومة وفي مسجد رابعة العدوية. ثانيها: التحالف مع الجيش للاطاحة بهم، ثالثها: ممارسة اعمال العنف واتهام الاخوان بها. انها ادوار متداخلة ومتعارضة تجعل مهمة كشف مروجي الطائفية امرا صعبا. وجاء قتل حسن شحادة وثلاثة من رفاقه محاولة للايقاع بالاخوان والايحاء بعدم قدرتهم على ضبط الامن، ووضعهم على طريق التصادم مع التيارات والقوى الاسلامية الشيعية لحرمانهم من اي تعاطف حين حدث الانقلاب العسكري ضدهم. الحركة السلفية كانت في السابق تنتهج نهجا يقتصر على ‘اتباع نهج السلف الصالح’ والابتعاد عن الحياة السياسية. ولكن بعد ان نشأ تيار ‘الاسلام الجهادي’ في مقابل ‘الاسلام السياسي’ دخلت قوى عديدة لاعادة توجيه الحركة، بعيدا عن التوجهات الاساسية لأسامة بن لادن واتباعه القريبين، خصوصا بعد محاصرتهم في جبار ‘تورا وبورا’ وقطع اتصالاتهم مع قواعدهم. وامكن بذلك اعادة هيكلة بعض مجموعات القاعدة لكي تتبنى الطائفية وتصبح بذلك سلاحا يخدم مصالح دول عربية ترى في ظاهرة ‘الاسلام السياسي’ تهديدا لسلطتها ونفوذها في العالمين العربي والاسلامي.. فالعقل المدبر والمخطط لهذه المجموعات ليس أيمن الظواهري او بقية أتباع بن لادن، بل جهات تعتبرها سلاحا مفيدا لخلق ظروف غير مؤاتية للتغيير السياسي. فالعنف والطائفية مساران لا ينسجمان مع مشروع التغيير السياسي الذي تبنته ثورات الربيع العربي.
لقد اصبح من الضرورة بمكان تضافر جهود علماء الامة ونشطائها لوقف مشروع التشطير على اي من الاسس المذكورة، والتركيز على المشروع التحريري الجامع. مطلوب ان يستهدف سلاح الطائفية لانه مدمر، ويمثل خطرا غير محدود ليس على وحدة الامة فحسب، بل على استمرارها ونجاح مشروعها التغييري الحضاري. فمن العار ان تبقى امة الاسلام مشدودة الى الخلافات التاريخية بينما المطلوب منها ان تعيش الحاضر بما يقتضيه من وعي وتخطيط واصرار. فلا بد من تجاوز معوقات النهضة ومنها الطائفية ليتحقق شيء من الانجاز والتغيير.
‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن