لندن-“القدس العربي”: نشر باحثون من مؤسسات عديدة، تقريراً يقول إن انتشار الطباعة ثلاثية الأبعاد، إلى جانب التطورات في الذكاء الاصطناعي، قد يُسهل على الدول أو الأفراد بناء الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية سرًّا. واعتبر الباحثون أنه يمكن نظرياً طباعة أي شيء يمكن تصوره، وأن ذلك سيؤدي إلى ثورة صناعية جديدة.
وأشار تقرير نشر في مجلة “ساينتفك أميريكان” إلى أن الطابعات الكبيرة ثلاثية الأبعاد المُصممة للاستخدامات الصناعية تُطور حاليًّا بالفعل تكنولوجيا أسلحةٍ شديدة الخطورة.
وتستخدم الإدارة الوطنية الأمريكية للأمن النووي هذه الآلات لتصنيع نماذج اختبارية من الأسلحة النووية. وقالت الإدارة في تدوينةٍ نشرتها عام 2016: “بينما تستخدم الإدارة الوطنية الأمريكية للأمن النووي الطباعة ثلاثية الأبعاد للحفاظ على مخزون البلاد من الأسلحة النووية، فإنَّ مختبراتها أيضًا تعمل على تطوير العلم الأوسع للمجال”.
وقال فيرينس دالنوكي فيريس، عالِم الفيزياء في معهد ميدلبري، والذي شارك في تأليف التقرير: “ربما تُنتزع من أيدي البشر تلك المهارات التي كانت عادةً تشكل عائقًا أمام تطوير معدات تخصيب الأسلحة النووية. وهذا على الأرجح أمرٌ خطير”.
وأشار التقرير أن “الجمع بين تقنية التصنيع بالإضافة لتقنيات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى ثلاثة مخاطر رئيسية: الأول أن تلجأ دولةٌ لديها برنامج أسلحة نووية في الوقت الحالي إلى تحسين إنتاجها بطباعة أجزاء الصواريخ أو مكونات أنظمة الدفع”. ويعلق شاو على ذلك قائلاً إنَّ “استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد يمكن أن يُحسِّن إمكانياتها، أو يُسرِّعها، أو يعزِّز إمكانياتها الإنتاجية، على نحوٍ يمكِّنها من إنتاج صواريخ أكثر بمعدلاتٍ أسرع، أو على الأقل تصنيع نماذج أولية للصواريخ بشكلٍ أسرع”.
والخطر الثاني، حسب المجلة، فهو أنَّه يمكن للطابعات ثلاثية الأبعاد أن تساعد في إنشاء برنامج أسلحة عن طريق إنتاج البنية التحتية اللازمة، من دون تنبيه هيئات المراقبة الدولية. فالمراقبون يمكن لهم في الوقت الحالي “مراقبة سلاسل التوريد العالمية، لرصد أي علاماتٍ قد تدل على أنَّ طرفًا ما يبني مصنعًا يهدف إلى إنتاج أسلحة دمار شامل، وهذا هو أحد أسباب خضوع عمليات استيراد وتصدير موادَّ بعينها لتنظيمٍ وتدقيقٍ شديدين، مثل أسمدة الأمونيا (التي تُعد مكوِّنًا أساسيًّا في القنابل المصنوعة بالمنزل). لكنَّ الطباعة ثلاثية الأبعاد، المستخدمة في أغراض الصناعة، يمكن لها أن تتجاوز بعض الأطر الموضوعة للحد من إنتاج الأسلحة وانتشارها في العالم حاليًّا. فعلى سبيل المثال، إذا أرادت دولةٌ ما اليوم أن تُصنِّع مادةً كيميائية خطيرة مثل غاز السارين، فهي تحتاج إلى أن تمر عبر القنوات المعروفة لشراء نوعٍ معين من الأنابيب المعدنية غير القابلة للتآكل. لكن قريبًا قد تستطيع تلك الدول طباعة احتياجاتها بدلًا من ذلك”.
أما الخطر الثالث، ففي ظهور تهديدٍ لم يكن متوقعًا. ويقول شاو عن ذلك: “ندرك احتمالية أن يظهر شيءٌ جديد تمامًا، شيءٌ لم يفكر فيه أحد هنا فعليًّا، ولديه إمكانيات أسلحة الدمار الشامل”.
لكنَّ هذه القناعة لا تعمم، إذ اعتبر مارتن فايفر، المرشح لنيل درجة الدكتوراه من جامعة نيو مكسيكو، والخبير في أنثروبولوجيا الحرب النووية: “بالنسبة للجهات الفاعلة من الدول، يمكن أن تكون الطباعة ثلاثية الأبعاد مفيدةً. لكن لا أرى أنَّ التصنيع بالإضافة يمكن أن يحل الكثير من المشكلات بطريقةٍ سحرية”. وأضاف أنَّه بالنسبة للجهات الفاعلة من غير الدول “قد يمكِّنك التصنيع بالإضافة من إنتاج بعض الأشياء مع ترك أثرٍ بسيط يصعب تعقبه، لكن لا يمكنك استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج قلبٍ من البلوتونيوم أو اليورانيوم عالي التخصيب”.
ويرى جياكومو بيرسي باولي، الباحث في المعهد البحثي غير الربحي “راند يوروب” أن “ما يطرحونه يبدو معقولًا”. لكنَّه يشير إلى أنَّ تصنيع سلاحٍ بنجاح باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد هو عمليةٌ أصعب مما تبدو، ويوضح أنَّها “مزيجٌ من أربعة أشياء”. فطباعة أي سلاح تتطلب مخططًا رقميًّا لتصميمه، والطابعة ثلاثية الأبعاد ذاتها، والمواد التي ستشكلها الطابعة، والعنصر البشري الذي سيضع اللمسات الأخيرة. وأضاف: “من المستبعد للغاية أن يخرج ما ستنتجه الطابعة جاهزًا للاستخدام مباشرةً”.
ويشير التقرير الجديد إلى أنَّ الطباعة ثلاثية الأبعاد قد تصبح جزءًا من سلسلة توريد أسلحة الدمار الشامل خلال السنوات العشر المقبلة. إذ يقول مايلز بومبر، وهو أحد مؤلفيه: “لا يولي الناس ذلك الأمر اهتمامًا كافيًا في الوقت الحالي. وهذه محاولة لدق ناقوس الخطر، لدفعهم إلى التركيز”.