الطابور الخامس الجديد

حجم الخط
0

بعد تحطيم المعسكر الشيوعي الأحمر وقبر فلسفته سياسة واقتصادا وحضارة في مهدها، لم يعد يقف في وجه الهيمنة الأمبريالية البرغماتية المتوحشة غير العالم الإسلامي، الذي رغم أن أمريكا دجنت حكامه ونخبه ومثقفيه إلا أنها عجزت كليا في إفراغ جماهيره العريضة من مضمونها. كما فعلت بالكثير من الشعوب والكيانات الأخري التي أفرغتها من محتواها ثم أذابتها بشكل نهائي في فضاء العولمة التي هي في الحقيقة أمركة وقحة، ولهذا بدأ الأعداء العمل علي تمييع حقائق الإسلام وذلك عن طريق خلق حاجز منيع بين شقيه، شق محمود أمريكيا وهو ما يسمي حاليا بالإسلام الليبرالي الذي جعلت منه أمريكا تنميطا لا يخرج عنه إلا مارق كالسهم من الرمية، بحيث ينادي عرابو هذا التيار بتحويل الإسلام إلي مفردات كمية قبل الإجهاز عليه نهائيا مستمدين أفكارهم من تنظيرات شارلي برنارد و برنار لويس و صاموئيل هينتغتون و فوكوياما، أما الشق الثاني فاتخذ أساليب الحشاشين والحلاجين والخوارج والتكفيريين، الذين لم يكفروا المجتمع الإسلامي فحسب ونخبه وحكامه، بل جعلوا أمصار الإسلام داريئات لقناصي جيوش الاحتلال. وبين هذا وذاك غٌيب الإسلام الوسطي المعتدل، فمشكلة العالم الإسلامي اليوم هي أنه لم يعد في مواجهة الطمس والاحتواء فقط، إنما بات مهددا بالانمحاء والذوبان في فضاءات أخري حتي لا يبقي منه إلا اسمه ولا من رموزه إلا رسومها ولأن تلك المهمة هي أكثر من هرقلية فليس الطريق لبلوغها محفوفا بالورود والنسرين بل إنه لم يعد بيد القوي الخارجية وأمريكا علي وجه التحديد إلا البطش، وذلك سبيل آخر تدفع ثمنه واشنطن من مالها ورجالها وحتي سمعتها كدولة عظمي، ولولا أولئك الخوارج الذين يمكنون في كل مرة البيت الأبيض من تحقيق أحلامه وتبرير جرائمه ما كانت أمريكا لتحتل العراق والخليج وتحول المرجعيات السلفية في نجد إلي أبواق لدعايتها، حتي لكأن أي مسلم اليوم لا يستبعد البتة أن يري بعض المحسوبين علي هذه المرجعيات يترضي علي بوش، أو يصف المارينز بالمجاهدين وجرائمهم بالجهاد. وقد حدث فعلا ما يشبه هذا إلي حد كبير من قبل بعض المرجعيات الشيعية العراقية ما نقوله الآن ليس رجما بالغيب ولا هو قول جزاف بالنظر إلي خرجات بن لادن التي تعودها المشاهدون في شكل شرائط فيديو كثيرا ما رفعت الحرج عن بوش وبررت جرائمه أو أوجدت أسباب اقترافها. وكثيرا ما كانت قول فصل زكي هذا المجرم علي خصومه في الانتخابات، وعلي ضوء ما ذكر يمكن أن نصف ما أقدمت عليه القاعدة في بلاد المغرب بتفجيراتها في العاصمة التي توسطت جريمتين مشابهتين في المملكة المغربية، بأنها جاءت لترفع عن الجمهوريين بعض الحرج الذي فرضه عليهم خصومهم الديمقراطيين. وبضرب قصر الحكومة أعطت القاعدة ردا مقنعا علي موقف الجزائر الرافض لتواجد عسكري أمريكي علي ترابها، وهذه هي القاعدة فكلما عازت أمريكا الحيلة والمبرر أوعزت للقاعدة تنظيمها المخلص، ليقوم بدوره ويمكنها مما صعب عليها والحاصل أن القاعدة وبن لادن ليسا صنيعا سحريا أمريكيا انقلب علي سحرة المخابرات المركزية، بل هو طابور خامس خطير وتنظيم عمالة وفرقة حشاشة تمكنت من أن تختزل كل النعوت والنشاطات في هياكلها ورجالها.

عبد الله الرافعيرسالة علي البريد الالكتروني6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية