الطاحونـة الصامتـة: رحلة إلي القاهرة

حجم الخط
0

ندوة عن الشعر يحضرها كل الناس إلا الشعراء، وفئة الكتاب سلخت بعضها لدرجة أنهم ما عادوا يطيقون بعضهمأنا مغمور أمام النيل مستسلم له والآن يمكنني أن أفهم أغنيات محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز عنه

محمود عبد الغنيشكرا لعيني، لأنها رأت القاهرة.

في منتصف النهار السيارات تتكاثر بقوة عنيدة، وكل هدوء ما هو إلا استراحة من اللهاث، يليها اضطراب هائل. أعتقد أن الشاعر الفرنسي المشاء جاك داراس هو من عبر عن كرهه لمنظر السيارات المزدحمة في شوارع باريس. وسيارات القاهرة، سواء تلك التي تسير في كل اتجاه أو التي تستريح من اللهاث، تحت القيظ، تثير أيضا الكراهية. لأول مرة، في يقظتي، أسمع لهاث السيارات والناس.

بعد تناول وجبة الغداء ودعت بنسالم حميش في الفندق وخرجت. وقفت علي رصيف الشارع وأشرت لسيارة أجرة. قلت للسائق أنني أريد أن أشرب قهوة، قال لي: لا يابيه. شكلك أنت لازم تشيش وتنبسط. قلت له: وماذا تقترح؟. أجابني: حوديك عند صديقي جورج. جو يعجبك، قلت له: تفضل. بعد صمت وتأمل لمدينة تحت قيظ خفيف، سألني: أنت من ليبيا؟ قلت: لا. أنا من المغرب. صرخ: يحيا المغرب العربي. هذا لسان لا يهدأ في هذا المكان من العالم. لسان قوي بين شفتين يابستـــــين، لكنه بروح مرحة، وهي التي تحركه وتملي عليه الكلمات. توقف السائق وأشار لي: هذا مقهي جورج. متي أرجع لأرجعك إلي الفندق؟. قلت له: ولا يهمك. هناك زملاء سيلتحقون بي. وشكرته واضعا بين يديه ما قدره أربعة جنيهات. قبلها، ودعا لي بالتوفيق. كانت مجموعات الـــــناس تتحرك مثل كثبان رملية. لا يمكنهم الاستقرار في مكان. إنه طــبع مصري في كل شيء، أثناء الحديث. في السياسة، في الأدب، في الصحافة. فجأة ساد الصمت من حولي. إنها فترة الاستراحة من اللهاث. فتحت باب المقهي ودخلت. عبارة عن حجرة صغيرة. في الخارج كان الغروب يقترب. هناك عبارة للشاعرة الشيلية غابرييلا ميسترال تصف ما عجزت أنا عن وصفه، تقول: كأن الغروب يسكب أضواء كأسه. صوت مخمور ينطق اسم جرجس كاللازمة. ينصت إليه نديمه ويضحك. والصوت يتدفق مثل نافورة مهملة: جرجس… جرجس… رحت مع جرجس… قلت له يا جرجس.. وقف أمامي النادل: تشرب إيه حضرتك؟ قلت: عندكم إيه؟ أجاب: عندنا ستيلا ونبيذ أحمر اسمه عمر الخيام، قلت له: أريد أن أتذوق الاثنين. استغرب وسأل: حضرتك من المغرب؟ قلت: نعم. قال بأدب: حاضر، من عيني. راح وجاء بالمطلوب. بقيت أفكر في برنامج ندوة ابن خلدون ووحدة المعرفة التي سأشارك فيها بعرض حول رواية العلامة للأستاذ حميش، ضمن محور ابن خلدون في الأدب. وكان لا بد أن أتطرق لمسرحية سعد الله ونوس منمنمات عربية. أفكر في كل ذلك وأنا أتذوق المشروب الذي في كأسي وأستمع للنافورة المهملة التي بجانبي: جرجس.. والله يا جرجس.. بعد نصف ساعة غادرت مائدتي، شكرت جورج ضاربا موعدا في مساء الغد. تذكرت موعدي في يوم غد مع الروائية والصحافية المصرية منصورة عزالدين في مقر جريدة أخبار الأدب. بقيت سائرا لمدة ساعة في غير ما طريق. كانت القاهرة تطفح جمالا. تعبق برائحة الأرض والحدائق. كانت القاهرة في تلك الليلة طاحونة صامتة، لكنني كنت أسمع صوت القمح بداخلها. وعندما تعبت من المشي أشرت إلي سيارة أجرة أوصلتني إلي الفندق. توجهت نحو الاستقبال لأعرف هل سأل عني أحد. فعلا وجدت هاتفا من الشاعرة فاطمة ناعوت. توجهت نحو المطعم. وجوه كثيرة من المشاركين في الندوة أعرفها. كان حميش جالسا مع الطيب تيزيني ورضوان السيد وباحث آخر من الجزائر. توجهت إلي ركن هادئ تسمع فيه الطواحين الصامتة. وقف أمامي نادل بوجه خلا من أي تعبير كوجه الدمية: تفضل إلي البوفيه. رأيت حميش يتحدث والرؤوس من حوله تواصل الإيماء برؤوسها، كأنما في موافقة كاملة مع ما يقوله. بحثا عن النيليتحدث أيضا طيب تيزيني وتومئ من حوله الرؤوس. تري ما الذي يحدثهم بخصوصه. بشار الأسد؟ ميشيل كيلو الذي سيقدم إلي المحاكمة؟ دريد لحام الذي سيتلقي وساما من الرئيس مباشرة؟ أم عن بلداننا العربية التي أصبحت بلدانا مؤقتة؟.. نهضت إلي البوفيه وتناولت شيئا من الخضر. لا شهية لي للأكل. لقد ملأت بطني عند جورح. صعدت إلي الغرفة، ناسيا أن قدمي تؤلمانني بعدما كانتا من ريح وغبار. أخذت أنزع ملابسي مترنما. وسرعان ما أحسست بصوتي يتكسر. فكرت في أسرتي: سندي الوحيد في هذه الحياة. بدأت أتطلع بتأمل وحدس في يوم الغد. خصوصا في زيارتي لجريدة أخبار الأدب. أريد أن ألتقي بثلاثة كتاب من هيئة الجريدة: جمال الغيطاني، عزت القمحاوي ومنصورة عزالدين. معي حفنة من كتبي سأهديها للثلاثة. إهداء الكتب شيء رائع ويجلب الراحة. لم يأت النوم بعد. تطلعت من النافذة إلي القاهرة. أضواء كثيرة. والسيارات تبدو مثل عشب في حقل. فجأة فكرت في النيل. فأحسست وكأن عقلي قد لامس فكرة كان يبحث عنها. إذن لن أغمض عيني بعد هذه الفكرة. لبست ثيابي من جديد وخرجت. كانت الساعة تشير إلي منتصف الليل. القاهرة لم تهدأ بعد. في ذلك الليل وجدت طريقي إلي القاهرة. أبواق سيارات تسمع من بعيد مثل ناقوس كسرته العاصفة. أريد أن أسهر إلي الصبح. مرت سيارات أجرة قربي والسائقون يتطلعون إلي بعيون اليتامي. مشيت لمدة نصف ساعة في اتجاه النيل. وعندما وصلت إلي شارع شبه مظلم بأشجار جانبية قصيرة، كل شجرة تشبه شاة مجزوزة الصوف، توقفت. أين أنا؟

، وبدأت أتطلع إلي أي تاكسي بعيني يتيم. أين النيل الذي يجري ببطء وحنو فوق حصبائه؟ لوحت لتاكسي كان قادما نحوي. فتح السائق زجاج النافذة وتطلع إلي مبتسما: رايح فين حضرتك؟

، قلت: إلي النيل. ضحك وفتح الباب: تفضل يا فندم. تخيلت أنه يملك أجوبة عن جميع الأسئلة. وجهه فرعوني. له ملامح جمال عبد الناصر وحسني مبارك. بقي يتكلم حتي أن أنفاسه لم تعد تكفيه. سألني: أي جانب من النيل؟

، قلت: أريد أن أسهر وأتناول لقمة علي ضفة النيل. قال: طيب. عرفت ما تريد. بعد خمس دقائق توقف، وسأل حارس سيارات: أريد أن أركن. أجابه الحارس: هناك حتة. توقف وأسكت المحرك. نزل من السيارة وفتح لي الباب. قدم لي هذه النصحية: إنت باين شاب طيب. هذا مطعم محترم أنصحك به. ناولته بعض الجنيهات واتجهت مباشرة إلي المطعم. وأنا أقترب سمعت أغاني ورقصا ورأيت أضواء. هذه ضالتي، قلت. ولجت، وقطعت ممرا مزدحما بالراقصين والراقصات. سألت النادل: من فضلك أريد طاولة تري النيل. تقدم أمامي متوجها نحو مكان هادئ يطل علي النيل مباشرة. سحب الكرسي وأمرني: إجلس حضرتك. جلست. سألني: ماذا تشرب؟ قلت: نبيذ وسلاطة. كدت أبكي من جمال المنظر، النيل.. النيل… النيل… طعم رحابة المياه. أريد أن أعانق شراعا وأنزل. تذكرت أبياتا أحفظها عن ظهر قلب للشاعرة غابرييلا ميسترال: وحين يغطي الليل البرية / نتماسك بأيدينا منتحبين / ونعول أطفالا وشيوخا / كأرواح نسيها الله. جاء النادل ووضع أمامي زجاجة وصحنا من السلطة المصرية. بدأت أشرب وآكل بخفة وفرح. وكلما رفعت عيني هالتني قامة النيل. لن تجد ماء أضاءته الأنوار هكذا. لا أريد أن يعرف الساهرون أن يدي هاته التي تصفق للأغاني كانت جامدة قبل ساعة. أردت أن أمد يدي إلي النيل. كل المياه لم تغسلني من قبل. امتد أمامي درب صغير من الأحلام. اجمل مراحل حياة ابن خلدونابن خلدون، الذي أحضرني إلي مصر، عاش هنا أجمل وأهم مراحل حياته. بل إن مصر هي الجناح الثاني في حياته، بعد الجناح المغاربي والأندلسي. انتقل صاحب المقدمة إلي مصر سنة 784 هـ ـ 1382م، وقضي فيها ما تبقي من حياته. جاء بعدما نفر من السياسة ومهالك العصبيات ليتفرغ للعلم والتأليف والتدريس. فهل هجر فعلا السياسة في مصر؟ لم تتركه مصر من الإفلات من أي شيء. فمارس كل شيء وغمره حتي أعماق روحه، مثلما أنا الآن مغمور أمام النيل. أستسلم للنسمة التي تحمل أنفاس العسل. الآن يمكنني أن أفهم أغنيات محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز عن النيل. سيكون برنامج الندوة ليوم غد مكثفا. أظن أن من سيتدخل في الجلسة الأولي هم: طيب تيزيني، ماريا خسيوس، بنسالم حميش وحسن حنفي. جلسة دسمة فعلا. ومباشرة بعد الجلسة سأتوجه إلي أخبار الأدب. وذلك يتطلب ذهنا يقظا وجسدا خفيفا. أكملت الزجاجة ونهضت. فأنا لا أحول بصري عن الأفق. وصلت إلي الفندق. نمت ولم تحرمني كؤوس البارحة من الرقاد. شكرا لها. هذا ما قالته شفتاي المسكينتان. هل كذبتا؟ أثناء افتتاح الندوة رأيت الدكتور جابر عصفور الذي سمعت كثيرا عن مرضه. أية ضربة فظيعة يوجهها المرض للجسد؟ يمشي جابر ببطء. يسلم ويبتسم ويجامل. كان في القاعة العديد من أعضاء مجلة فصول سلمت علي جابر وسألت عن صحته. رحب بي. رائعة وجميلة هذه النبتة الطيبة الملوية من الشمس والوحشة. لكن عصفور كان يبدو كمن ينتظر إكليله. والشيء المثير فيه أنه كان يُظهر حيوية حتي لا يعرف الناس أحزانه وقدره. يروج كثيرا أن الدكتور الشاب عماد أبو غازي هو من سيخلفه. التقيت عماد أيضا. ظرفه يفوق ظرف جابر. وذكاؤه ظاهر. تصافحنا، رحب بي بحرارة. أظن أن من عرفتني إليه هي الشاعرة فاطمة ناعوت. الي اخبار الادبوسط ضجيج المجاملات والتحايا والقبل، ضاقت روحي بين الحوائط. فهربت إلي الخارج. لوحت لسيارة أجرة ورحت لأخبار الأدب. مقرها في بناية وسط القاهرة. رفعت رأسي أقيسها من طابقها العلوي. فرأيت فوقها سحبا جوالة. سألت حارسا في البوابة عن منصورة عزالدين فقال لي أن أصعد إلي الطابق الثالث. صعدت وسألت. دلني أحدهم علي مكتب منصورة. دخلت وسلمت عليها. مددت يدي ومدت يدها وبعد أن نطقت قالت مستغربة: محمود عبد الغني؟

، قلت: نعم. جلست علي كرسي قرب مكتبها. عرفتني علي زوجها الروائي ياسر عبد اللطيف، صاحب رواية بمناسبة الحياة الصادرة عن ميريت. بعد نصف ساعة صاحبني ياسر إلي مكتب عزت القمحاوي الذي أعرفه من عموده الثابت في أخبار الأدب ومن روايته غرفة تري النيل. سألت عن جمال الغيطاني الذي أخبرت أنه كان في الكويت. لم نجلس مع عزت إلا نصف ساعة تقريبا، سألني فيها عن المغرب وعن أسماء الكتاب الذين يعرف. وعندما سألته: هل تحضر أخبار الأدب لتغطية أشغال ندوة ابن خلدون، أدار رأسه نحو ياسر وأعاده نحوي: عندنا شغل كثير. كيف؟

، هل ندوة من حجم ندوة ابن خلدون ليست شغلا؟ وكثيرا كمان؟. فهمت الأمر، فأنا لي خبرة صحافية تفيدني في فهم مثل هذه الأشياء. ربما بين الأخبار وبين المجلس الأعلي للثقافة حواجز من الجليد. أو لنقل الأمر علي هذه الصيغة: ربما بين جابر عصفور وجمال الغيطاني جبال ثلج صلبة. سألني عزت القمحاوي: هل قرأت غرفة تري النيل؟ قلت: نعم. قال: لقد طبعت في ميريت. وكأنه يختبر زعمي بقراءتها، قلت بسرعة: وعلي غلافها ما يشبه قنينة مقلوبة. اطمأن وابتسم وأرخي رأسه علي أوراق أمامه. أضاف: لقد نفدت الطبعة. ماذا يقصد؟ أفي بلداننا كتاب تنفد كتبهم؟ عزت كاتب شاب، وصحافي ربما هو من سيخلف جمال الغيطاني في رئاسة تحرير أخبار الأدب. التفت إلي ياسر، فهم قصدي وودعنا عزت. قلت لياسر أريد أن أزور بعض المكتبات في القاهرة. سألته عن الهيئة العامة لقصور الثقافة. ذهبنا إليها مشيا علي الأقدام، هناك جملة افتتح بها عزت القمحاوي روايته الأولي مدينة اللذة تقول: بعد ثلاثة أيام من وصولك ستبدأ المدينة في سؤالك عن اسمك وبلدك والغرض من الزيارة. وأما الغرض من الزيارة فقد ذكرته منذ البداية. أما الثلاثة أيام، فإن المدينة بدأت في سؤالي منذ اليوم الأول. وصلنا إلي مقر الهيئة. صعدنا عند الشاعر محمد أبو المجد. استقبلنا بحرارة. تحدثنا، أهداني بعض الكتب ورحنا لشرب القهوة. كانت القاهرة شبه نائمة، كأنها تضع صدرها علي حبيبها. شربنا القهوة في أجمل وقت، غير مبقين منها جرعة أو قطرة. ودعت ياسر. وذهبت إلي غرفتي وأنا أتمني أن أنام ولا أصحو إلا بعد مئات كثيرة من الأيام. وإنها لأمنية بسيطة في مدينة وحيدة، غريبة، طاهرة. كثرة الحديث عن مصر حولتها الي شيء عام. وها أنا حين أزورها أكتشف أنها شيء خاص جدا. تكتشفه في كل حي أو شارع أو شخص. في المساء رحت لأشرب قهوة في وسط القاهرة. يقع المقهي أمام شارع ممتد. إلي جانبي رجل ميزته من لهجـــته أنه ليس مصريا. وهو أيضا شك في مصريتي. سألني هل أنت من المغرب؟ قلت: نعم، وأنت؟ قال: أنا من اليمن. كيف المغرب؟

، تصلنا عنكم أخبار طيبة. المغرب بلد أوروبي…. سألته عن اليمن، قال إنه يزورها كل سنة. جاء إلي مصر يبحث عن الرزق. انتهي الحديث وبقيت أشرب قهوتي في صمت. نهضت وبدأت أمشي علي طول الشارع. واجهات العمارات مشوهة بالغبار واللافتات. وعند الشفق رحت إلي النيل. تذكرت المصور الفرنسي ماكسيم دوكامب الذي كان يبحر في النيل علي متن قاربه الشراعي رفقة بحارة يمسكون بالمجاذيف وهم ينشدون أغنية رتيبة تصاحب عملهم وتخففه. دوكامب هذا، هو مصور المعابد المصرية الشهير، وكذلك المعالم الأثرية، بل إنه ألف كتاب النيل الذي يضم عشرات الصفحات في وصف المعابد التي صورها. كيف يمكن الذهاب الي الصحراء؟!.. أحزم حقيبتي وأذهب الي أهرامات سقارة والجيزة. أبقي تائها فتضيع مني حقيبتي مثلما فقد فلوبير حقائبه في الجيزة. كنت أريد رؤية أولئك الناس البسطاء وهم يدخنون قرب حيطان ترابية، تماما كما نقلتهم الأفلام المصرية. ألمس سياجات القصب الجاف، دجاج هنا، ودجاج هناك. وتلك القمم المزروعة بالنخيل. كيف أري كل ذلك؟ كيف أري الأسطورة؟. عدت إلي الفندق مشيا. وغدا ألقي عرضا في قاعة بالمجلس الأعلي للثقافة. سيحضر محمود أمين العالم. هذا ما قالته لي فاطمة ناعوت. لا بد أن تتعرف عليه، أضافت مؤكدة. احتفظت ببعض النسخ من كتبي لأهديها له. ألأجل ذلك ذهبت إلي مصر؟ لألتقي بهؤلاء في مرجها الكبير؟ لأملأ جرتي بالمياه الصافية، الغزيرة والحنون في هذا البلد الذي كان القحط أبا له منذ ليل الأزمنة؟ وجدت صديقا مصريا ينتظرني.. لنذهب الي النادي اليوناني، قال. قالها بشفتين عطشانتين. في النادي رأيت القاص عبد العال الحمامصي. سلمنا عليه وجلسنا في طاولة تبعد عنه بأمتار معدودة. طلب شيشة بالتفاح. دخنت ودخنت. في النادي بزغت بهجة جديدة. قلت لصديقي أريد أن أنام باكرا لأستعد لعرضي يوم غد. تناولنا أكلة سمك وخرجنا. ونحن في الطريق أراني مجلة ادب ونقد حيث يعمل الشاعر حلمي سالم وفي الطريق توقفنا أمام المنصة التي قتل عليها أنور السادات، وقبره المقابل لها مباشرة. في الليل يبزغ جسد وروح القاهرة. بدأت عيناي تثقلان بتعب لا اسم له. ذلك التعب الذي تعرفه السماء والنهار والزمن. أوصلني صديقي إلي الفندق. شكرته وصعدت إلي غرفتي. فتحت النافذة، الليل يتطلع إلي من كل جهة. أبرزت في عرضي العلاقة النصية بين رواية العلامة لبنسالم حميش، وبين التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا لابن خلدون. انطلقت من جملة من الأسئلة: لماذا وسع حميش من مساحة الحديث عن الحب والشهوات، ومن مساحة الحديث عن الموت، ومن مساحة النقد؟ وما موقف القارئ عندما يقرأ العلامة ويجد أن أشياء كثيرة تغيرت؟ لماذا وسع حميش من مساحة الجو الفكري والعاطفي؟ فعلا، حضر محمود أمين العالم وفاطمة ناعوت وعماد أبو غازي وعبد الهادي التازي الذي قال لي في نهاية عرضي: لقد شرحت وملحت، هاك رقم هاتفي وزر جدك في الرباط كان يرتدي لباسا مغربيا أصيلا، ربما تشبها بابن خلدون الذي، وهو في القاهرة، لم يكن يرتدي لباسا غيره. أما محمود العالم فقد قبلني مبتسما ومشجعا.

ندوات لا يحضرها الشعراء ولا الروائيونبدا لي المجلس الأعلي للثقافة في ذلك اليوم شبيها بأمكنة اللقاءات السحرية، بمصبات الأنهر الضخمة. كنت أرتدي قميصا من الصوف الخفيف، في جيبه العلوي غليون مطفأ. كنت قد تركت ريحا قوية في الرباط. لا أثر لتلك الريح المتشردة فوق البر والبحر، كما لو أن للطقس في مصر صاحبا يؤمه بالسكنات والحركات. أثارني كثيرا تعليق التازي وابتسامة العالم. أذكر أيضا أنني تعرفت علي ابنة محمود العالم، وهي تعمل مشرفة علي الترجمة في المجلس الأعلي للثقافة. إلا أنه ينبغي تسجيل غياب العديد من الكتاب والروائيين عن أنشطة الندوة. وهي ظاهرة أصبحت مألوفة في العالم العربي. فندوة عن الشعر يحضرها كل الناس إلا الشعراء. وندوة عن الرواية يحضرها كل الناس إلا الروائيين وهلم جرا. ما أصل هذه الظاهرة؟ أستطيع أن أقدم جوابا جزئيا: السبب هو أن فئة الكتاب والمثقفين جلدت وسلخت بعضها إلي درجة أن لا واحد أصبح يطيق أن يجلس ليستمع للآخر. وهنا أذكر مصطفي المسناوي الذي التقيته في مقهي المجلس الأعلي للثقافة، وقد كان مخفورا بمصريين في غاية التأدب والمرح. قال لي مصطفي: أنظر كيف يعاملونني. أنا بمثابة أخ لهم. هذا ما نفتقده في المغرب، وزدت علي كلام مصطفي الشيء الكثير. صادفت أيضا في ممرات مقر المجلس الروائي منتصر القفاش، وكان قد أرسل لي قبل أشهر روايته الجميلة أن تري الآن في طبعتها الثانية وبتقديم للأستاذ محمد برادة. أظن أن منتصر قد حضر أغلب جلسات الندوة بفعل انتمائه لأسرة المجلس، فهو مسؤول عن سلسلة الكتاب الأول. لم تجد مصر طريقا آخر لمواجهة ذاتها ولعب دورها سوي الثقافة والنشر، مثلها مثل فرنسا التي تواجه العالم اليوم وتفاخره بلغتها الفرنسية. إن عنصر قوة واحدا، إذا ما اعتنينا به، يمكن أن يضعنا في مكان لائق بين الأحياء. بدأت ساعة عودتي تقترب. ذهبت إلي النيل لأسمع صوته الأسطوري القديم. علي صفحاته، في ذلك الليل، تنسكب أغانٍ علي خشب المراكب، ويبتهج آخرون. فيما أنا جلست أمام طاولة صغيرة، في معطم علي ضفته، أتأمل ماءه الدافق الحي، الذي هو في الأصل مطر سلبه الله، أخرجني النادل من شرودي. لقد فرغت زجاجتي ونفذ طعامي، رفعت عيني إليه. كان يضع شعرا يبدو أنه مستعار يصل الي عينيه، كررت الطلب. قدرت كثيرا سرعة النادل وحسن خدمته. شعرت بنشوة بالغة شبيهة بتلك التي تحدثها الزجاجات الصغيرة في الطائرة، هـــــذه هي مـــيزة وجودك وحيدا، أمام هذا الماء الشبيه بالمرآة. طيلة حياتي سأبقي أغني هذا النشيد الذي أحببته، كلما أردت أن تقترب مني مصر وتصغي إلي. سأغني ذلك النشيد كل غسق. في الصباح الباكر رأيت الطيب التيزيني، كانت القاهرة تشبه امرأة تحمل طفلا هو التيزيني. أحب فكرة الأمومة تلك. مدينة تحمل علي يديها طفلا أو رجلا. مفكر سوري، قصير القامة وحزين. استمعت الي عرضه في اليوم الأول، كان حول ابن خلدون في ذكري مئويته السادسة. عرض ثقيل بالأحزان، تحدث عن الأبواب الكثيرة التي في الأسوار المحيطة بالأمة العربية كسجن، لكن تلك الأمة لا تعرف كيف تخرج. كان حزينا فعلا عكس حسن حنفي الذي بدا إلي جانبه صارما ومتعاليا. سلمت علي التيزيني في ذلك الصباح الذي صمتت فيه القاهرة، هكذا هي المدن حين تتألم، تصمت. قال لي سلم علي الإخوة في المغرب. قلت: بلغ الله سلامك. وودعته. التفت ورأيته يبتعد نحو الخارج كقصبة مرتجفة في الرياح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية