د. يحيى مصطفى كامل الطاغية والطغيان.. كلمات قبيحة، لعينة تستحضر الكابوس الذي يحتل الفضاء والأذهان؛ صورٌ تلمع في الرأس لوجوهٍ كريهة بغيضة وآلاف، بل ملايين القتلى في حمى الصراخ والعويل والعذاب والإهانة والدموع، صورٌ تُبعث من مخزون الذاكرة المجروحة المكلومة.مذ ولدت الدولة ولد الطغيان فهما توأمان تعسان.لم يكن مبارك أول طاغية وللأسف قد لا يكون الأخير.. الآن، وبعد أن حدث ما حدث، ألح علي سؤالٌ حارق بينما أتابع الماضي متأملاً في مخاوفي ناظراً إلى الماضي، إلى ثلاثين سنة ضائعة عبثية غرائبية، سؤالٌ ملح ومتأخر:من هو حسني مبارك؟أنا لا يعنيني تفاصيل من عينة ‘أين ولد’ و’متى التحق بالكلية الجوية’ الخ.. وإنما بم تميز؟ ما كنهه؟ أي نوعٍ من الطغاة هو؟من أعماق مرارتي وبازدراء وجدتني أقول: لقد كان طاغيةً تنبلا!نوعٌ غريبٌ من البشر حسني مبارك، نوعٌ نادر، فهو يجمع في توليفةٍ عجيبة خصالاً متنافرة؛ فإلى جانب غباءٍ أسطوري صار مضرب المثل، حاز وافرا من الجهل وضيق الافق، حتى أنه لم يضاهِ انضباطه العسكري الفائق ونشاطه الجسدي والرياضي اللافت سوى كسله الفكري وانعدام اهتمامه التام بالسياسة؛ كما أنه يتمتع ببلادة ودموية وقسوة هادئة يحسده عليها القتلة المحترفون. اللافت أنه بتركيبته المشؤومة تلك بدا غريباً على الشعب المصري الذي اشتهر بالذكاء والفطنة وخفة الظل، مما يذكرني بثقل ظله المدمر حين كان يعن له أن يتباسط في أحاديثه فاضحاً، وبشكلٍ صارخ، افتقاره إلى اللباقة وفقدانه التام للكياسة.تركيبة كئيبة ومزعجة، وإذا ما أضفنا إليها عناده وحسه الأمني الطاغي ونفوره من الحركات المفاجئة تتجسد ملامح الكارثة وترتسم معالم الكابوس.إذا كانت مجموعة من المصادفات قادت هذا الرجل إلى كرسي العرش فقد ساعده حسن طالعه (ونحسنا!) إذ لم يرث ملفاتٍ دوليةٍ عالقة، فالحروب خيضت والاتفاقيات أُبرمت.. لم يُحرج الرجل أبداً ويُجابه بأي قرارٍ مصيري.الأهم من ذلك أنه نظراً لصفاته التي أسلفنا لم تكن لديه أية أوهام أو طموحات أو تطلعات قومية أو وطنية أو أممية أو شعبية إطلاقاً، فلا هو يسعى إلى أمجادٍ أو زعامةٍ أو يطارد مشروعاته الضخمة الجبارة كعبد الناصر، ولا هو ممسوسٌ بجنون العظمة ممتلئ بذاته كالرئيس المؤمن الذي تمثل مشروعه في الانقلاب على مشروع سابقه.. لا شيء من ذلك مطلقاً.إنه شخصٌ ثلم الذهن لا تدغدغ مشاعره الشحيحة أية حماسات، كما انه لم يرغب، بل استثقل تعلم السياسة على كبر، فاستعاض عن ذلك بأن عاش كحيوانٍ سياسي.ما أعنيه بذلك أن مفاهيمه البدائية الغامضة عن الوطن والسياسة لم ترقَ أبداً إلى درجة الوعي، وإنما استمر بغريزة الحيوان الأساسية للبقاء يغذيها هاجسه الأمني الحاد.رجلٌ بلا رؤية ولا مشروع ولا طموح يحكم بلداً بحجم وتاريخ وقدرات مصر… يا له من كابوس، من الطغاة من رأى مكانة وطنه أكبر مما هي ومن قدراتها الحقيقية، أما مبارك، الطاغية التنبل، الرجل الضئيل، فلم يفهم قيمة مصر ورآها أصغر مما هي بالفعل فقزم دورها.في غيبة المشروع الشخصي انهمك الرجل في مشروعه الخاص.. البقاء..البقاء، والإثراء له ولعائلته الذهبية، تساعده وتمكن له بطانة من الأمن المتوحش المتضخم أبداً والمتغلغل في اوصال المجتمع كالسرطان، وحاشية من اللصوص يقومون بدور الوسطاء في عملية تفكيك ونهب وبيع وطنٍ بأكمله.المزحة السوداء أنه في بلدٍ ألّه فرعون طويلاً ( وربما ما زال…) حتى لو كان مسخاً أو قرداً تلقفه ذلك القطاع العريض من كتبة وفقهاء السلطان الأفاقين والإعلاميين والمنتفعين بالتصفيق والتهليل والتمجيد، والمشكلة الاكبر انه صدق ما كيل له من مديح فكلل غباءه الطبيعي وجهله باعتدادٍ أحمق بالنفس وصلفٍ مدهش.. أُقنع الرجل المحدود المدارك بأنه يفهم، مما أضاف إلى نفوره الاصيل من الثقافة والفكر ومحاولة الفهم و’الكلام الكبير’ تصميماً على عدم السماع أو محاولة الفهم.. بالطبع، فهو ‘ينبوع أفكارٍ لا ينضب وداهية’!.. ألم يرددوا ذلك على مسمعه طوال الوقت؟بغريزة البقاء المشحوذة التي له أدرك أن عليه إرضاء امريكا والتفاني في الدفاع عن إسرائيل إن كان يريد البقاء، ومن جراء مراقبته عن كثب لحماقات واندفاعات السادات وصداماته مع كافة القوى اعتمد استراتيجيته القائمة على عامودين:1. تجميد كافة الصراعات2. البطء القاتل والتحرك في الخفاءيعني اتحاد الغباء والجهل مع قعود الهمة والكسل الفكري وغياب الرؤية مع الغرور النزِق.. كارثة بكل المعايير والمقاييس حلت بمصر وشعبها. قرر الرجل ألا يتحرك من مكانه وألا يفعل شيئاً للوطن. ثلاثون عاماً من الركود..ثلاثون عاماً من الترهل البطيء والشيخوخة والتعفن والسوس الذي ينخر جسد المجتمع ببطء إلا أنه لا يذر.. ثلاثون عاماً من الاستثمار في إفساد وإفقار المجتمع متغلغلاً في أعمق طبقاته ببطء. تقريباً نصف سكان البلد ولدوا في عهده ولم يعرفوا غيره؛ ولدوا ليروا السارقين والقتلة وأمن الدولة لا يلاحقون، بل يترقون ويتقلدون أعلى المناصب ويلمعون، ويشار إليهم بصفتهم وجهاء المجتمع مما ضرب وحطم منظومة القيم المتوارثة التي تحلى بها المجتمع ذو التاريخ العريق.ثلاثون عاماً من إفساد التعليم والتجريف الثقافي ونشر الفكر المتخلف ومحاربة العقل النقدي ومصطلحات العمل السياسي في ردةٍ وحربٍ عنيفة على منجزات مشروع النهضة والتنوير المصري والعربي، إلا أن التناقضات ما زالت حية، بل زادت بحدة مع اتساع الهوة بين القلة المالكة بفحش وجماهير المعدمين والانزلاق المطرد لطبقةٍ وسطى موشكةٍ على الانقراض. من الطغاة من تخطى هذه التناقضات والتوترات بتوجيهها في حروبٍ خارجية تنفس عن الصهد وتفرغ طاقة التحطيم وتلتهم الاعداد، فضلاً عن كونها في أغلب الأحيان تلتقي مع أحلام التوسع والعظمة التي يكنها الطاغية، ولكن لأن مباركاً ليس منهم فقد شن حربه على شعبه.. حرباً صامتة، بلا إعلانات.. أوقع بينهم فهم يقطعون بعضهم البعض على تفاهاتٍ وقضايا فرعية مصطنعة مثل خطوط التماس الطائفي وكرة القدم، كما استباحهم بواسطة أجهزة أمن الدولة المريعة تتعقب كل من سولت له نفسه أن يحلم ولو مجرد حلم بالاعتراض او بكلمة (لا) وفوق ذلك سلط على الباقين البلطجية يروعونهم. أجل للهروب من التناقضات لم يكن هناك مفر من الاستثمار في بطش أجهزة الأمن المتغولة، وإطلاق يدها بلا رقيبٍ، بل وبتشجيعٍ ورضاً تام ومكافآت مسمنة. لقد أنهك شعبه ذلاً وفقراً وتشريداً في بلدهم وسائر بلاد الله.لقد أتت هذه الثورة في الوقت المناسب، ثورة تليق بمصر وشعبها، ثورة شعبية بحق حطمت أعتى السدود وأذهلت الجميع.. ثورةٌ أتت ومصر تئن على شفير الهاوية وقد تمزقت وأُنهكت وباتت على وشك التفسخ التام.لست حالماً ولا أنساق بسهولةٍ وراء الحماسات، إلا أنني أحياناً أجد في الواقع ما يؤكد منطقيته وعقلانيته، على الرغم من قسوته، ومن ذلك أن مبارك سقط ضحية نفس عقليته واستراتيجيته القائمة على البطء.لافتقاره إلى الثقافة لم يفهم طبيعة التناقضات والصراعات الاجتماعية ولا منطق التطور التاريخي، ولغروره لم يتصور أن يُثار ضده، أما ذهنه الكليل فلم يسعفه أمام التطور السريع للأحداث، وحين بدأ يفهم دلالة الثورة فإن تعامله معها كان دائماً متأخراً عن الحدث.. من يدري ربما لو أنه استجاب مبكراً إلى بعض المطالب مثل تعيين نائب رئيس لكان سيظل رازحاً على صدورنا حتى الآن، إلا أنه آثر البطء الذي لم يعرف غيره والتجميد أمام حريق يمتد بسرعة الضوء في هشيم الثلاثة عقود.. وحين قرر التحرك، لم يعالج الأمور بالسياسة لأنه يعدمها، وإنما لجأ إلى الأمن، حيث لا يجدي بل ويأتي بنتيجةٍ عكسيةٍ تماماً.ثلاثة عقودٍ من الكابوسلن أتطرق بالتفصيل إلى السؤال المهم وهو: كيف تفرز مجتمعاتنا مثل هؤلاء الطغاة على اختلاف ‘موديلاتهم’ مع اعترافي بأهميته المحورية؛ إلا أنني أحطت بطرفٍ من ذلك في هذا المقال.كل ما يتسلط على ذهني الآن إذ أنظر إلى سنوات مبارك الكابوس هو فهمه وتحليل آليات بقائه، أملاً في ألا تعرف أوطاننا مرةً اخرى هذا النوع الغريب والكريه من البشر، ألا يحكمنا مرةً أخرى طاغيةٌ تنبل!’ كاتب في صحيفة ‘الدستور المصرية’